نائب أردوغان المأزوم يقبع مهمّشاً في الظلّ

أنقرة – حين ألغى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النظام البرلماني، ونقل تركيا إلى النظام الرئاسي بعد استفتاء 2017، احتكر المناصب في شخصه، وربط مقاليد أمور الحكم بنفسه كحاكم مطلق يمضي بطريقه للاستبداد، ويعمل على بناء دكتاتوريته كزعيم أوحد على حساب تهميش مؤسسات الدولة.

واحتاج أردوغان أثناء عملية الانتقال وبعدها إلى شخصيات شكلية في مناصب قيادية، ولاسيما بعد إقصائه لشخصيات وازنة فاعلة في حزب العدالة والتنمية، وتصديره لشخصيات تابعة له، توصف بأنّها إمّعة تذعن لإملاءته، وتحرص على تقديم فروض الطاعة والولاء له، كبن علي يلدريم الذي وصف بالمهزوم التابع المطلق لأردوغان، وتلاعب به أردوغان ونقله من منصب لآخر تبعاً للحاجة، وكان آخر هزائمه خسارته في انتخابات بلدية إسطنبول في مارس الماضي، وفي جولة الإعادة في يونيو كذلك بفارق أكبر.

عيّن أردوغان الأكاديمي فؤاد أوكتاي كنائب له، واختاره بعناية لما له من مواصفات، وأهمّها التبعية المطلقة، ذلك أنّ أردوغان بشخصيّته العاشقة للظهور، والمحبّة للأضواء والبروز، لا يطيق وجود شخصية ذات كاريزما وقوة وحضور إلى جانبه، بل يحتاج إلى ظلّ لا يحلّ ولا يربط، ولا يقوى على اتّخاذ أيّ قرار بنفسه، ويكتفي بالمنصب الذي يشعر بأنّه كبير على قياسه وشخصه، وأنّه يشعر بالامتنان لتشريفه بكرسي نائب الرئيس الذي كان يحتاج إلى إشغال، كي لا يبقى شاغراً، وكي لا يثير شهية شخصيات قوية حاضرة في المشهد السياسي، وفي حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يبدو بدوره ماضياً للتفكّك بعد استقالة شخصيات قيادية منه.

أوكتاي الذي أصبح أول نائب رئيس في تاريخ تركيا منذ تأسيسها عام 1923م، وصم المنصب بالهامشية لأنّه ارتضى التهميش وقبل به، ويبدو سعيداً بأداء دوره كهامشي يتبع المركز المتمثّل بأردوغان.

أوكتاي المولود عام 1964 في يوزغات وسط البلاد، حصل على درجة البكالوريوس في إدارة الأعمال في احدى الجامعات التركية، وحصل على ماجستير في إدارة الأعمال والدكتوراه في الولايات المتحدة، خبير في الطيران وصناعة السيارات، وطوال فترة وجوده في الولايات المتحدة عمل في صناعة السيارات مع بعض من كبريات شركات السيارات.  

ويوصف أوكتاي بأنّه خلال الأزمة الاقتصادية التي ضربت تركيا في وقت مبكر عام 2000م، كان متخصصاً في إدارة الأزمات والقائم على المشاريع التنموية حينها، لكنه يبدو في الوقت الحالي كشاهد صامت غير قادر على التأثير والفعل في الأزمات الاقتصادية والسياسية التي اجتاحت تركيا منذ تعيينه نائباً للرئيس، ويظهر بدور العاجز عن المبادرة واتخاذ القرار المؤثّر.

ويتبدّى أوكتاي هادئاً، يعيد غالباً صدى تصريحات أردوغان، يحضر في الفعاليات والمناسبات الهامشية، أو يقوم بزيارات رسمية من أجل الإيحاء بتعزيز العلاقات تركية مع الدول التي يقوم بزيارتها، وذلك في الوقت الذي يدرك الجميع أنّ وجوده وغيابه سيّان، لأنّه لا يملك القدرة والاستطاعة والقوة لاتّخاذ أيّ قرار بمعزل عن سيّده أردوغان.

أوكتاي أول نائب رئيس في تاريخ تركيا منذ تأسيسها عام 1923م
أوكتاي أول نائب رئيس في تاريخ تركيا منذ تأسيسها عام 1923م

ومن اللافت أن الإعلام التركي يحرص على إبقاء أوكتاي منكّراً، غائباً عن الصدارة الإعلامية، ويكتفي غالباً بالإشارة له وتعريفه بأنّه نائب الرئيس أردوغان، وكأنّه غير مسمّى وغير معرّف إلّا بأنّه نائب أردوغان، وأنّ هذه ميزته الوحيدة الأهمّ، والتي عليه أن يكون وفيّاً لها ويلعب دوره المطلوب بدقة من دون أن يخرج عن السيناريو المعدّ له.

يصف معارضون أتراك نائب أردوغان بأنّه شخص مأزوم، وأنّ صفته التي كان يعرف بها بأنّه رجل الأزمات، ليست إلا تلاعباً بالمصطلحات والمفاهيم والتوصيفات، لأنّ أزمته الحقيقية تتمثّل في ارتضائه لدوره كتابع من دون أن يكون قادراً على الظهور بمظهر الشخص القائد الفاعل المؤثّر.

أفاد أوكتاي أردوغان كثيراً من حيث أنّ المنصب الذي يفترض به أنّ يتمتّع بأهمّية كبرى لم يبقَ شاغراً، وتمّ شغله من قبل شخص لم يكن ليحلم به أصلاً، ويكتفي بما وصل إليه، ويبقى ممتنّاً لرئيسه الذي أسكت خصومه ومعارضيه بوضعه لشخصية أكاديمية في منصب قيادي شكلياً، مع حرصه على تقييده والتعتيم عليه وعدم إفساح أيّ مجال له ليحقّق الظهور الذي يخشى منه.

كما تاجر أردوغان من خلال تعيين أوكتاي بقضية الكفاءات، وأنّه اختار أكاديمياً ذا كفاءة عالية ليكون نائبه، ويرضي من خلاله، ويسكت عبره، من يشكّك بأنّه يلغي أدوار الكفاءات ولا يفسح لأصحابها المجال لرسم السياسات واتّخاذ القرارات، كما أنّه حاول إرضاء أولئك الذين كانوا يطالبون بشخصيات ذات صبغة مستقلة في القيادة، كي لا يكون احتكار المناصب من قبل أعضاء الحزب الحاكم وحده.

يُعرف عن أوكتاي بأنّ سلوكه وشخصيته على النقيض من شخصية أردوغان وسلوكه، فأردوغان الذي لا يوفّر أيّة مناسبة للظهور والخطاب واستقطاب الجماهير بالشعبوية والشعارات المكررة، ويحرص على أن يحتلّ الصدارة والمركز أيّنا حلّ وارتحل، في حين أنّ أوكتاي لا يفتعل الضجيج، ويفتقر للخطابية والأسلوب الشعبوي، ويكاد لا يخرج له صوت وهو يدلي بتصريحاته التي تكرّر أفكار أردوغان وآراءه الاستعدائية الشعبوية بأسلوب مخفّف ملطّف.

وكانت تقارير إعلامية - منها تقرير لموقع زمان - كشفت أن أوكتاي كان يعمل في في شركة أدينت بالاحتيال على آلاف من الأتراك المغتربين، ومعظمهم من المغتربين في ألمانيا، ما ضاعف الشكوك بتاريخه وأنّ له ملفات فساد قد يستغلّها أردوغان حين الحاجة إليها، أو إذا خرج عن الحدود المرسومة له بطريقة من الطرق.

أوكتاي الذي كان يعرف كذلك بأنّه نصير اللاجئين وصديقهم، بعد أزمة اللاجئين السوريين وتدفقهم على تركيا في أعقاب الأزمة السورية 2011، حيث كان المدير العام لإدارة الطوارئ والكوارث "أفاد" المسؤولة عن استقبال وتنظيم حياة اللاجئين، وساهم بإغاثة عدد من اللاجئين من خلال وكالته، أصبح عدوّ اللاجئين والمتاجر بقضيتهم وورقتهم، حين أعاد قبل أيّام التأكيد على تهديدات أردوغان بفتح الأبواب أمام اللاجئين السوريين للعبور إلى أوروبا إذا لم تقم الدول الأوروبية بدعم تركيا، وأشار إلى أنّ تهديدات أردوغان حقيقية وليست تهديدات إعلامية فقط.

ومن المفارقات أن نائب الرئيس الذي تطلق عليه المعارضة التركية صفات منها المأزوم والمهزوز والشكلي، يقبع في ظلّ رئيسه أردوغان، كما أنه وإن كان قد عيّن لسدّ شغور المنصب ويبقى شكلياً غير فاعل ومؤثّر، فإنّه شريك في الأخطاء السياسية والاقتصادية التي يقع فيها الرئيس وإدارته، ويدفع المواطنون الأتراك ضريبتها من قوت يومهم ومستقبل أبنائهم، وهامشيته لا تبرّئه من المسؤولية، وبخاصة أنّ المسؤولية لا تتجزّأ ولا يمكن التملّص منها حين المساءلة والمحاسبة.