"نبع السلام" عام من الخيانة والإرهاب والتغيير الديموغرافي

 

لندن - خلطت العملية العسكرية التركية المُسمّاة "نبع السلام" التي بدأت في 9 أكتوبر من العام الماضي الأوراق في المشهد السوري، وأفرزت خارطة جديدة للنفوذ والسيطرة ربحت فيها كافة الأطراف والدول المُتدخلة، باستثناء قوات سوريا الديمقراطية "قسد" التي تعرّضت لصدمة ومُفاجأة نتيجة تخلّي الحليف الأميركي عنها لصالح الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان، وهو ما أدّى لتضاؤل سيطرة المُقاتلين الأكراد في مناطق شمال وشمال شرق سوريا لصالح الجيش التركي والفصائل السورية المسلحة الموالية له، فضلاً عن اضطرار "قسد" التخلّي عن مزيد من الأراضي لصالح الجيشين الروسي والسوري منعاً لمزيد من المواجهات العسكرية مع أنقرة وفصائلها.
ووفقاً لإحصاءات وبيانات موثقة أصدرها المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد سيطرت قوات الاحتلال التركي والفصائل الموالية لها على مساحة تقدر بـ 4875 كم2 (9.2% من إجمالي مساحة المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية).
وفي الوقت نفسه، دخلت قوات النظام السوري بموجب اتفاق مع "قسد" بوساطة روسية، إلى منطقة تقدر مساحتها بـ 18821 كم2 (35.6% من إجمالي مساحة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية)، ما يعني أن قوات سوريا الديمقراطية فقدت السيطرة على 23641 كم2، بعد أن كانت تسيطر على مساحة قدرها 52916 كم2 (28.6% من إجمالي مساحة سوريا) قبل انطلاق "نبع السلام"، ما يعني أن "قسد" لم تعد تسيطر سوى على 15.7% من مساحة سوريا.
وتسببت العملية العسكرية التركية في كارثة إنسانية أخرى تضاف إلى سلسلة أزمات السوريين التي يعانون منها منذ 10 سنوات، فقد تجاوز عدد النازحين نتيجة تلك العملية العسكرية 300 ألف مدني نزحوا من بلداتهم ومدنهم وقراهم في تل أبيض ورأس العين والدرباسية وعين العرب وعين عيسى ومناطق أخرى شرق الفرات عند الشريط الحدودي مع تركيا، وسط أوضاع إنسانية صعبة تعيشها المنطقة من التصاعد الكبير في أعداد النازحين ووجهتهم.
وشهدت المناطق التي خضعت لسيطرة فصائل “نبع السلام” انتهاكات واسعة، بداية من سرقة المنازل مرورا باختطاف المواطنين لطلب مبالغ مالية للإفراج عنهم وصولا إلى ارتكاب أبشع أنواع التعذيب بحق السوريين بحجة التعامل مع الإدارة الذاتية التي كانت تحكم المنطقة سابقا.
ولم تكن الانتهاكات التي جرت على مدار عام كامل لتصبح ممكنة لولا تغاضي المجتمع الدولي عن الانتهاكات التركية وانتهاكات الفصائل الموالية لها، بداية من غضّ الطرف عن العملية العسكرية التركية والانتظار عدة أيام حتى بدء مفاوضات الوساطة لوقف إطلاق النار، مرورا بالصمت على الانتهاكات اليومية التي تجري بحق المواطنين، ووصولا إلى الاعتداءات والاقتتال الداخلي والفشل الإداري للمناطق التي خضعت لسيطرة ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري”.
ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن المجتمع الدولي يتحمل العبء الأخلاقي لوقف الانتهاكات التركية والفظائع التي ترتكبها الفصائل الموالية لتركيا تحت مرأى ومسمع السلطات التركية، التي بدا واضحا أنها تتغاضى بل وتوجه بتنفيذ تلك الانتهاكات بهدف إجبار من تبقى من السكان على الرحيل، لاستكمال عملية التغيير الديمغرافي التي تسعى تركيا لإنهائها سريعا.
وإلى جانب سرقة متعلقات المواطنين وممتلكاتهم، شنت فصائل ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري” حملات مداهمة واعتقالات في قرى أسدية وأسدية شرقية وسفح وسلام عليك وتل خنزير ودهماء ضمن مناطق “نبع السلام”، إضافة إلى سرقة هواتف نقالة من المواطنين بحجة أنها تستخدم للتواصل مع “قسد”، كما تعمد تلك الفصائل إلى مداهمة المنازل في قرية قاطوف في ريف رأس العين (سري كانييه) الجنوبي ضمن مناطق “نبع السلام” بريف الحسكة، واعتقال 5 شبان بتهمة التعامل والتخابر مع “قسد”.
ومن بين الانتهاكات أيضا، إجبار مسلحي “فرقة الحمزات” الموالية لأنقرة أصحاب عدد من المحال التجارية على إغلاقها تحت تهديد السلاح، في مدينة رأس العين، وذلك بعد قيامهم بتوزيع منشورات ورقية في المدينة تطالب بالإضراب ضد المجلس المحلي في المدينة. وتحاول “فرقة الحمزات” إجبار أهالي “رأس العين” على الخروج بمظاهرات ضد المجلس المدني في مدينة “رأس العين” بسبب رفضه لهيمنتها على المعبر الحدودي مع تركيا.
وتواصل الفصائل الموالية لتركيا فرض إتاوات على المواطنين المارين على حواجزها، حيث فرض حاجز قوس بلدة تل حلف التابع لفرقة الحمزة مبالغ تصل إلى 3 آلاف ليرة سورية، على السيارات والدراجات النارية المارة من والى مدينة رأس العين. كما يهددون المارة باستهدافهم بالرصاص الحي وسجنهم بتهمة التعامل مع “قسد”، لإجبارهم على الدفع.
كذلك، تواصل الفصائل الموالية لتركيا سرقة وتصدير القمح من مناطق “نبع السلام” إلى أنقرة تحت غطاء شرائه من قبل مؤسسة الحبوب التركية بالليرة التركية عبر بوابة تل أبيض الحدودي مع تركيا، حيث تتجمع عشرات الشاحنات وآلاف الأطنان قرب المعبر، تمهيدًا لنقلها إلى تركيا. كما استحوذت الفصائل الموالية لتركيا على المحاصيل الزراعية للأهالي في مناطق “نبع السلام” في ريفي رأس العين وتل أبيض.
وفي محاولة للضغط على السكان، تعمدت القوات التركية إيقاف محطة “علوك” التي تغذي مدينة الحسكة عن العمل لأكثر من 25 يوماً ولعدّة مرّات، ما تسبب في استياء شعبي واسع بسبب انقطاع مياه الشرب عنها.
وتواصل تركيا عملية التغيير الديمغرافي ضمن المناطق التي بسطت سيطرتها عليها شمال سورية خلال عملية “نبع السلام”، حيث جرى توطين عدد كبير في مدينة رأس العين (سري كانييه)، غالبيتهم من محافظة إدلب.
وفي إطار التغيير الديمغرافي أيضاً، تواصل الفصائل الموالية لأنقرة مساعيها لإجبار من بقي في المناطق التي سيطروا عليها في الشمال السوري للرحيل وعدم السماح لأهالي المناطق بالعودة. وكانت مصادر موثوقة أكدت أنه يتم نقل عدد من سكان الشمال السوري إلى مدينتي “تل أبيض” و”رأس العين” اللتان خضعتا لسيطرة القوات التركية والفصائل الموالية لها ضمن عملية “نبع السلام” العسكرية التركية.
وشهدت مدينة رأس العين وريفها، غضبًا واستهجانًا من قبل الأهالي، بسبب محاولة الفصائل والقوات التركية إقصائهم عن إدارة مناطقهم.