عندما يتحول القضاء التركي إلى عصا في يد النظام الحاكم

قد يعتاد المرء، من كثرة ما عايش من أحداث "غير معقولة"، على العيش في مثل هذه الأوضاع، وتصبح أموراً طبيعية بالنسبة له؛ فعلى سبيل المثال، لقد اعتدنا على خطابات وتصريحات رئيس الجمهورية ورئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان، التي تصدر بين الحين والآخر، بخصوص بعض القضايا، التي أصبحت أمراً يتكرر بكثرة خلال السنوات القليلة الماضية. يعتبر القانون التركي أن "أية محاولة للتأثير على القضاء" جريمة تستوجب العقاب. ومع هذا، منح السيد الرئيس لنفسه هذه السلطة دون أن يبالي بأي أحد.

والواقع هو أن مفاهيم القانون وسيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء هي المعايير التي تُلزم السلطة، التي تحكم الدولة والأفراد والمؤسسات، التي تحدد القوانين مدى سلطاتها، بالتحرك في نطاق هذه المفاهيم فقط، وعدم تخطيها في إدارتها لشؤون الدولة.

يُضفي مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء في أية دولة قانون ديمقراطية، تُعلي من سيادة القانون، حيويةً خاصة على الأحكام، التي تتعلق بالقيم الأساسية، التي تعمل على ترابط المجتمع، وتأتي "العدالة" في مقدمة هذه القيم.

إن القضاء، الذي يتمتع بالاستقلالية، والذي يتحرك بمؤسساته بدافع من ضميره ومسؤوليته تجاه ضمان تطبيق القانون، هو أعظم ضمانة، من الناحية النظرية، على تحمل الدولة المسؤولية تجاه مواطنيها، وتحري العدل والمساواة فيما بينهم، على اختلاف طبقاتهم وانتماءاتهم.

وكما تعلمون، فكل مواطن مُلزم أيضاً بالامتثال لأحكام القانون؛ ومن ثم فهو يُحاكم أو يعاقب إذا ارتكب فعلاً يعتبره القانون "جُرماً" يستوجب العقاب. وهي قاعدة أساسية يجب أن تُطبق بشكل أكثر صرامةً على كل من يتولون إدارة بلد من البلدان أو حكمه. وفي المقابل من ذلك، تتعرض الحقوق والحريات لخطر عظيم في أية دولة لا يُطبق فيها القائمون على حكم هذه الدولة القانون وتُنتهك فيه الحريات؛ لأن هذه الحكومات تتحول بذلك إلى حكومات استبدادية.  

وكما أوضحت، في بداية المقال، فإن قانون العقوبات التركي يعتبر "أية محاولة للتأثير على القضاء جريمة" تستوجب العقاب والسجن فترة تتراوح بين ستة أشهر وعامين.

ولكن ما المقصود هنا بمحاولة التأثير على القضاء؟ تُفسِّر الفقرة رقم 277 من المادة رقم 5237 من قانون العقوبات التركي هذه النقطة على النحو التالي:  

"1- يُعاقب بالسجن مدة لا تقل عن سنتين، وبحد أقصى أربع سنوات، كل من يحاول التأثير على عمل القضاة أو الخبراء، بالمخالفة للقانون، من خلال إصدار قرار أو القيام بعمل أو الإدلاء بتصريح قد يؤدي إلى نتيجة تأتي في صالح أحد أطراف الدعوة أو ضده، بغرض التضليل وعرقلة ظهور الحقيقة، أو توقيع ظلم على أحد الأطراف في قضية يتم تداولها. وفي حالة إذا لم تتجاوز محاولة التدخل في عمل القضاء درجة الالتماس، تُطبق عقوبة على الجاني، تتراوح بين ستة أشهر وسنتين.2- إذا ترتَّب على الفعل، الذي يشكل جريمة في الفقرة الأولى، حدوث جريمة أخرى، فحينئذٍ يمكن زيادة العقوبة، بناء على ما ستتوافق عليه الهيئة القضائية، إلى النصف".

والواقع، إن أكثر الذين لديهم فرص للتأثير على عمل القضاء هم الذين يحوذون السلطة، ويجمعون في أيديهم زمام الأمور في الدولة. لهذا السبب، يجب عليهم أن يتصرفوا بأعلى قدر من الحساسية في هذا الصدد؛ حتى يتمكنوا من مطالبة المواطنين بالتصرف بنفس الحساسية تجاه القضاء.

 وللأسف يوجد في تركيا الكثير من الأمثلة على ذلك، ولكنني سأكتفي بالإشارة إلى ثلاثة منها فقط:  

خاطب رئيس الجمهورية ورئيس حزب العدالة والتنمية رجب طيب أردوغان في 15 يناير 2016 الأكاديميين، الذين وقَّعوا على ورقة بعنوان "لن نكون طرفاً في هذه الجريمة" (11 يناير 2016)، التي عُرفت لدى الرأي العام التركي فيما بعد باسم "إعلان السلام" قائلاً:

"هؤلاء ظالمون، حقيرون، ومن يؤيد الظالم يصبح ظالمًا أيضاً. الذين يرافقون من يرتكبون المذبحة، يتحملون معهم نفس الإثم؛ لأنهم كانوا معهم. لقد دعوت جميع السلطات القضائية ومجالس الجامعات في الخطاب، الذي ألقيته بالأمس، ووجهتهم بسرعة اتخاذ الخطوات اللازمة ضد هذه التحركات، التي تخالف دستورنا وقوانيننا.".

وتلا ذلك استبعاد هؤلاء الأكاديميين من وظائفهم في الجامعات، التي يعملون فيها. ليس هذا فحسب، بل ورُفِعت ضدهم دعاوى بزعم انتمائهم لجماعة إرهابية. وبعد هذا، ثبُتت براءتهم جميعًا من هذا الاتهام البغيض.

استهل السيد أردوغان رده على سؤال وجهه أحد الصحفيين، في اجتماع شارك به (بتاريخ 8 يوليو 2017)، عن الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش، بقوله "هذا الذي تتحدثون عنه إرهابي"، وتابع قائلًا:

"إنه إرهابي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد تسبب في قتل جميع إخواني الأكراد، الذين تدفقوا إلى الشارع. لقد تسبب في مقتل 53 من إخواني الأكراد. وهذه واحدة فقط من الجرائم التي ارتكبها. هو الآن في قبضة القضاء. وأيًا كان ما يقرره القضاء، فسننفذ هذا حكمه".  

ولا يزال صلاح الدين دميرطاش قيد الاعتقال حتى الآن، ولا تجرؤ أية محكمة من التي ذكرها أردوغان على إطلاق سراحه.

هذا هو تصريح أردوغان، الذي أدلى به عقب تبرئة عثمان كافالا (18 فبراير 2020): "كان أحد أذرع (سوروس) في تركيا مسجون، ولكنهم تآمروا لتبرئته بالأمس".

ما حدث هو أنه أُلقي القبض على عثمان كافالا مرة أخرى.

وينبغي التأكيد هنا أن ما نشهده اليوم في تركيا، هو نفسه ما اعتدنا عليه من قبل. لا جديد؛ فالعلاقة بين السياسة والقضاء في تركيا دائماً ما كانت شائكة؛ بحيث يمكن القول إن المؤسسة القضائية لم تتمكن أبدًا من أداء الدور، الذي أوضحته أعلاه بشكل موجز؛ لذلك  كانت تتحرك دائماً، وفقاً للخيارات الأيدولوجية المهيمنة على الدولة؛ لذلك كانت قراراتها تدور في فلك هذه السلطة أو تلك وتلبي مصالحها.

لقد تحوَّل القضاء في تركيا، التي يطلقون عليها اسم "تركيا الحديثة"، إلى عصا في يد السلطة الحاكمة؛ تضرب بها يميناً وشمالاً؛ حتى أصبحنا نترحم على العهود السابقة.

وعندما تسأل أي مواطن عادي في الشارع عن التطورات في قضية كافالا، يرد عليك مباشرة ويقول "الرئيس لن يتركه"، وفي الغالب رأيه سليمًا.

أصبحنا في ثقتنا بالقضاء كالمستجير بالرمضاء من النار..

والسؤال الآن: هل هناك مبرر يجعلنا نثق في قضاء غير قادر على حماية القيم، التي تشكل أساس الوجود. لماذا يجب علينا أن تثق به؟

لا شك أن تركيا تفقد اليوم تجربتها الديمقراطية، التي دفعت لأجلها أثماناً باهظة، بين تخبط ومعاناة؛ حتى استطاعت أن تصبح دولة ديمقراطية. وطالما استمر جيش الرئيس من المستشارين والوزراء وأعضاء الحزب والاعلام الموالي له يصفقون له ويقولون "أحسنت يا سيدي"، فلن يجد الرئيس ما يمنعه من أن يقوم بدور المحامي أحياناً، وأحيانا أخرى بدور المدعي العام والقاضي أيضًا..

وأنهي مقالي بالمقولة "إن فساد القضاء يُفضي إلى نهاية الدولة".

وفي رأيي، إن فساد القضاء في تركيا قد بلغ ذروته..

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/osman-kavala/tuz-koktu-hatta-curuyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.