نفاق أردوغان وصمت ترامب

في أعقاب إجراء الانتخابات البلدية في تركيا في الحادي والثلاثين من مارس وقبلها مباشرة، كان لا يزال هناك بصيص من الأمل بأن تبدأ الولايات المتحدة وتركيا في إعادة بناء العلاقات المتدهورة.

ويبدو أن هذه الآمال قد تحطمت على صخرة قرار المجلس الأعلى للانتخابات بإلغاء انتخاب أكرم إمام أوغلو رئيسا لبلدية إسطنبول والدعوة إلى إعادة الانتخابات. ويشك عدد قليل من المراقبين السياسيين في أن هذا القرار ناجم عن ضغط أردوغان على المجلس الأعلى للانتخابات لإلغاء الفوز الذي حققه إمام أوغلو بفارق ضئيل؛ فافتقار المجلس إلى الاستقلالية واضح للجميع ماعدا أشد مؤيدي حزب العدالة والتنمية ورئيسه.

وردا على هذا القرار، قالت وزارة الخارجية الأميركية إنها أحاطت علما بما وصفته بأنه "قرار استثنائي"، وأكدت دعمها للعمليات الانتخابية الشفافة. والإحاطة علما بأمر ما هو أسلوب دبلوماسي لتجنب اتخاذ موقف بخصوص مسألة خلافية أو ربما محرجة، وإن كانت كلمة "استثنائي" تشير إلى عدم الرضا عن هذا القرار. ولم تستطع وزارة الخارجية الأميركية أن تندد بالضغط السياسي الواضح الذي يمارسه أردوغان خشية أن يُعتبر ذلك إهانة له بتسليط الضوء على النفاق الذي تجلى في مزاعم تزوير الانتخابات التي ادعاها الرجل المسؤول عن مؤسسات الدولة المسؤولة عن الإشراف على الانتخابات.

وعلى الرغم من أنه لا يستحيل تصور إساءة استغلال أحزاب المعارضة خارج الحكومة للعملية الانتخابية من أجل ضمان فوز مرشحها المفضل، يعلمنا التاريخ أن الحزب الحاكم الذي يمسك بزمام السلطة يستغل سيطرته على العملية لضمان تفوقه، ويتفاوت ذلك بحسب نزاهة القائمين على عملية الانتخابات. ولم يكن فوز إمام أوغلو إلا برهاناً على تفاني المشرفين على مراكز الاقتراع وغيرهم من الموظفين المعنيين في إجراء انتخابات حرة ونزيهة؛ فعلى المستوى التنفيذي، لا يزال احترام إرادة الشعب قائما كما هو دون تغيير.

إن القرار الذي اتخذه المجلس الأعلى للانتخابات تحت ضغط من الرئيس يكشف عن النفاق الذي يتجلى في المجاهرة بالالتزام بالديمقراطية وقبول إرادة الشعب بينما يجري العمل على إبطال تلك الإرادة التي عبر عنها الناخبون بشكل شرعي من خلال العملية الانتخابية. وعلى غرار صديقه في فنزويلا نيكولاس مادورو، يلتزم أردوغان بالعمليات الديمقراطية طالما أثمرت عن فوزه أو فوز مرشحيه المصطفين.

وربما لم تعلق وزارة الخارجية الأميركية كثيرا لسببين آخرين، وهما أنها لا تعرف ما يفكر فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيال إلغاء انتخابات إسطنبول، وتعلم أن ما تقوله ليس له تأثير يذكر على صناعة القرار في القصر الأبيض بأنقرة.

لقد أوضح ترامب أنه لا يدعم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، باستثناء بعض الحالات القليلة المعروفة (ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وضد إيران، ودعم خوان غوايدو في فنزويلا). ولا يتخذ الرئيس الأميركي أي إجراءات قوية تشكل تدخلا فعليا في الشؤون الداخلية لدولة أخرى إلا إذا رأى تهديدا على مصالح الولايات المتحدة أو المواطنين الأميركيين، مثل العقوبات التي فُرضت على تركيا لضمان إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برانسون. من ثم، لا يمكن للأتراك المستائين من قرار المجلس الأعلى للانتخابات أن يتوقعوا أي دعم من الولايات المتحدة.

كذلك حتى إذا كانت القيادة الأميركية ترغب في فعل شيء ردا على قرار المجلس الأعلى للانتخابات، فليس بإمكانها أن تفعل الكثير. ذلك أن الإعلان عن عقوبات أو قيود تجارية بسبب إعادة السباق الانتخابي على رئاسة البلدية، وحتى وإن كانت في مدينة بأهمية إسطنبول، سيكون أمرا استثنائيا حقا وسيؤتي بنتائج عكسية. فالناخبون المحليون لا ينظرون برحابة صدر لما يقوله الأجانب أو يفعلونه حيال انتخاباتهم المحلية.

ومن المفارقة أن ترامب قضى معظم العامين الماضيين في التصدي لجهود الحزب الديمقراطي لإعادة انتخابات 2016 التي لا يزال الكثير من الديمقراطيين يرفضون تصديق خسارة هيلاري كلينتون فيها بسبب إخفاقات حملتها الانتخابية وشخصيتها لا بسبب التلاعب الخارجي من الروس. قد يفترض المرء أن ترامب سيتعاطف مع إمام أوغلو الذي فاز بنزاهة ولكن يتحتم عليه الآن أن يخوض الانتخابات مجددا، ولعله يضمر مثل هذا التعاطف في السر. وعلى الرغم من ذلك، لن يعلق الرئيس الأميركي بالطبع على قرار المجلس الأعلى للانتخابات لتجنب الإساءة لأردوغان بالتلميح إلى أن ما فعله الرئيس التركي يشبه ما اتهم ترامب رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي بمحاولة القيام به. لذا، ليس على أحد أن يتوقع أي تغريدات على تويتر بخصوص انتخابات إسطنبول.

ويختلف الأمر مع أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين. فالغالبية تعتبر أن التدخل المناوئ للديمقراطية من أردوغان في العملية الانتخابية يقضي على آخر ما تبقى من الديمقراطية في تركيا، مما يجعلها أشبه بروسيا، بل وبالأسوأ منها فنزويلا، في أعين أعضاء الكونغرس الأميركي. صحيح أن هناك بالطبع حفنة من المدافعين عن أردوغان بين أعضاء مجلس الشيوخ المئة وأعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 نائبا، إلا أن أصواتهم ليست مسموعة، وعددهم ضئيل للغاية إلى حد يتعذر معه أن يحدثوا فرقا كبيرا. الغالبية ترى أن قرار المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا يؤكد شكوكهم في أن أردوغان قد أزاح تركيا من مجتمع البلدان الديمقراطية، وتخلى عن القيم المشتركة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ولم تعد تفصله سوى خطوات قليلة عن الانضمام لصفوف الدول المنبوذة مثل فنزويلا ونيكاراغوا وكوبا.

في الوقت الراهن، ستتبنى الولايات المتحدة علنا موقف التريث والترقب مثلما تفعل حيال شراء وتسليم منظومة إس-400 الروسية. ولا يسع المرء إلا أن يأمل بأن يكون المسؤولون تحت قيادة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو وزملاؤهم في البيت الأبيض يواصلون بذل الجهود خلف الكواليس لضمان أن يسود العدل والنزاهة في إعادة انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول، وألا يدفع أردوغان بلاده نحو الدخول في دوامة تدهور اقتصادي وسياسي واجتماعي لا يعرف كيف يوقفها برفضه قبول انتخاب إمام أوغلو إذا فاز.

وأخيرا، وعلى الرغم من أن ترامب ووزارة خارجيته لم يتحدثا صراحة عن قرار المجلس الأعلى للانتخابات، أوضح وزير الخارجية بومبيو في الآونة الأخيرة أن الولايات المتحدة تتحالف مع الدول التي تتشارك معها في المبادئ، بما فيها البلدان التي يحترم قادتها إرادة شعوبهم. وستكشف طريقة إجراء انتخابات رئاسة بلدية إسطنبول في شهر يونيو ما إذا كانت تركيا تحترم حقا المبادئ الديمقراطية التي تتشاطرها مع الولايات المتحدة، وما إن كان قادتها يحترمون حقا إرادة شعبهم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/erdogans-hypocrisy-and-trumps-silence
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.