نفوذ واشنطن في قره باغ ضئيل وثمن التصعيد سيدفعه أردوغان

جاءت التقارير عن الاجتماعات المخطط لها بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ونظرائه الأرمينيين والأذريين اليوم الجمعة على خلفية تغيير نبرة الحكومة الأميركية مع حليفتها الشرعية، تركيا، التي تخوض مغامرات في الشرق الأوسط الكبير. ومع ذلك، ولأسباب عديدة، يبقى تأثير الولايات المتحدة على الرئيس رجب طيب أردوغان محدودا.

ويزيد اقتراب موسم الانتخابات الأميركية من تقليل نفوذ واشتطن على الطرفين المتحاربين في منطقة قره باغ. كان يمكن للولايات المتحدة أن تقدم خدماتها كوسيط نزيه، إلا أن هذا لن يكون مفيدا إلا إذا كان طرفا النزاع والأطراف الثالثة يسعون إلى حل تفاوضي. وحتى الآن، لا يوجد دليل على مثل هذا الالتزام بالتسوية.

لم تُظهر الأطراف الرئيسية التي تقاتل بعضها البعض في جنوب القوقاز التزاما بوقف إطلاق النار الذي وافقت عليه تحت ضغط من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، وهم الرؤساء المشاركون لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ولا يهم من الأكثر انتهاكا لوقف إطلاق النار في إنهاء الأعمال العدائية، لأن كلا الجانبين يتمسك بمطالب لا يمكن تحقيقها معا. والأهم من ذلك، يعتقد كل طرف أن بإمكانه الاعتماد على أطراف ثالثة (من ذلك تركيا بالنسبة لأذربيجان وشتات الأرمن بالنسبة لأرمينيا) لدعمه ضد عدوه القوقازي.

بالإضافة إلى ذلك، تبقى روسيا الأقرب، من بين الرؤساء المشاركين لمجموعة مينسك الذين يسعون إلى فرض وقف إطلاق النار والمفاوضات اللاحقة، لاستخدام قوتها العسكرية أو التهديد بها لحث الطرفين على الالتزام بوقف إطلاق النار والتفاوض. فحتى الآن، أظهر أردوغان أنه لا يفكر في استخدام نفوذه مع نظيره الأذري، الرئيس إلهام علييف، لوقف القتال ووضع حد لقتل المدنيين الأبرياء من كلا الجانبين.

تزود تركيا أذربيجان بمعدات عسكرية متطورة مثل الطائرات دون طيار، مما يمنح جيشها ميزة في ميدان المعركة على القوات الأرمينية في قره باغ والأراضي المجاورة لها. فهي تقلل من قدرة قوات العدو على إخفاء مواقعها وتحركاتها. وحتى لو لم تكن تحمل صواريخ أو قنابل، تعطي ميزة كبيرة للجنود في الوقت الحقيقي.

ويكمن الأمر الأكثر إثارة للقلق في احتمال أن تجذب الأحداث مشاركين آخرين. فكما حدث في سوريا، يمكن أن تطيل الأطراف الثالثة المتنافسة التي تقدم مساعدات سرية أو علنية مع القليل من الاهتمام بالمدنيين مدة الصراع لسنوات. ولا يوجد ما يشير إلى أن الدول المجاورة مهتمة بالانضمام إلى الصراع حتى الآن، على الرغم من انتشار تقارير تبدو موثوقة وتفيد بنشر مقاتلين سوريين متحالفين مع تركيا أو مقاتلين أجانب آخرين يدعمون أذربيجان.

زودت روسيا كلا من أرمينيا وأذربيجان بالأسلحة، ويوجد عدد كبير من العسكريين وأفراد الأمن الروس في أرمينيا، على الرغم من أن وجودهم في قرة باغ يبقى ضئيلا (إن وجد). وإذا كان تاريخ سوريا الحديث عبرة، فيجب أن ندرك احتمال تغير هذا الوضع بسرعة. يمكن للمرء أن يتخيل تركيا وروسيا وإيران وربما الدول العربية وهي تقدم مساعدة كبيرة دون الاعتراف بذلك.

بالنظر إلى نزعة أردوغان المتزايدة لتصوير نفسه زعيما للمسلمين المضطهدين الذين ينتفضون ضد الإسلاموفوبيا الغربية، يجب أن يكون المرء مستعدا  ليحول هذا الصراع إلى "نحن" ضدّ "هُم"، أي المسلمون مقابل البقية (أو الغرب). لسوء الحظ، يبقى الكثيرون في الغرب على استعداد لرؤية أي صراع يشمل المسلمين وغير المسلمين على أنه بين حضارات أو ثقافات بدلا من مصالح وطنية إقليمية أو مادية.

إذا اتبع أردوغان هذا الطريق، فإنه يخاطر بعزل تركيا عن الغرب والعرب والفرس في إيران، والمجموعات المسلمة الأصغر التي لا ترغب في أن تحدد تركيا مصيرها القومي مثلما فعلت الإمبراطورية العثمانية من قبلها لعدة قرون. وسيكون ما سيقوله الأذريون في إيران، الذين يشكلون 25 في المئة من السكان، حول هذا الأمر على الأرجح مدفوعا بالنزعة القومية والعرقية، وليس الدينية.

في نفس الوقت، ينزف الاقتصاد التركي المنهك بسبب الإجراءات  المتخذة لإبطاء انتشار فيروس كورونا المستجد وسوء إدارة فريق أردوغان المالية. ويضع هذا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام معضلة صعبة:

هل يجب عليهم استخدام العقوبات المالية لاجبار أردوغان على التخلي عن مغامراته في جنوب القوقاز وشمال أفريقيا وشرق البحر المتوسط؟ هل سيؤدي ذلك إلى حدوث انهيار مالي في تركيا بما سيؤدي إلى تدفقات هائلة من اللاجئين إلى الاتحاد الأوروبي؟ أم ينبغي عليهم تطبيق عقوبات مستهدفة كحجر السفر على كبار المسؤولين الأتراك؟ من سيلاحظ ذلك مع قيود السفر التي فرضتها الجائحة عالميا؟ نرى في يد الأوروبيين بعض الحلول لإبعاد أردوغان عن مغامراته الدينية القومية. لكن، هل لديهم الإرادة اللازمة لاتباعها؟

مرة أخرى، تبدو مناورات أردوغان دون رادع. فحتى لو عكس مساره، فسيكون ذلك بعد نجاحه في إرسال رسالة إلى مؤيديه وآخرين مفادها أنه لا ينبغي مواجهته، وأن الغرب وجيران تركيا يرقصون على لحنه، وليس على أنغامهم الخاصة. لكن هذا الأمر محفوف بالمخاطر، فعلى الرغم من أنه يريد تصوير بلاده على أنها امتداد للحكم العثماني على المسلمين وغير المسلمين في الشرق الأوسط، يقرأ العرب وغيرهم تاريخ الوصاية العثمانية من زاوية مختلفة.

ومع تدهور الاقتصاد، قد يكتشف أردوغان في الانتخابات القادمة أن الأتراك لا يحنّون مثله إلى أيام الحكم العثماني.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/nagorno-karabakh/washington-has-little-leverage-south-caucasus