نهاية الإسلام السياسي في تركيا مع تشقق حزب العدالة والتنمية

يبدو أن الأحزاب السياسية المتوقع أن يطلقها قريباً منشقون عن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا باتت أكثر أهمية في أعقاب سلسلة الهزائم المفاجئة التي تكبدها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية هذا العام، بما في ذلك العاصمة أنقرة وأكبر مدينة في البلاد ومركزها المالي إسطنبول.

وتشير تقارير إلى أن علي باباجان، أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية ونائب رئيس الوزراء السابق والذي يُعزى إليه الفضل في النجاحات الاقتصادية التي تحققت في السنوات الأولى لحزب العدالة والتنمية، يمهد الطريق لحزب جديد مع الرئيس السابق عبد الله غول.

وقال باباجان الذي استقال من الحزب الشهر الماضي في بيان إن الاختلافات في القيم والمبادئ تجعل من المستحيل عليه الاستمرار في الحزب. وقال إن تركيا بحاجة إلى رؤية جديدة يتم وضعها بالتشاور مع الجماعات المختلفة.

وفي السابق، انتقد أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء السابق، الرئيس رجب طيب أردوغان علناً في خطاب نشر على موقع فيسبوك بعد الأداء الضعيف للحزب في الانتخابات المحلية التي جرت في الحادي والثلاثين من مارس. وفي الأسبوع الماضي، قال داود أوغلو إنه سيواصل التعبير عن مخاوفه لكنه سيظل عضواً في الحزب، مضيفاً أن الاستقالة من الحزب ستكون الملاذ الأخير.

وقال عمر لاتشينار رئيس تحرير مجلة بيريكيم، وهو مفكر يساري بارز، لموقع (أحوال تركية) إن حزب العدالة والتنمية قد وصل إلى نقطة النهاية وإن الجهود الرامية إلى إنشاء أحزاب منفصلة قد تكثفت إلى حد كبير بسبب المخاوف من أن الحزب سيلحق الضرر قريباً بمصداقية التقاليد الإسلامية المحافظة في تركيا.

ويجادل البعض داخل حزب العدالة والتنمية بأنه يجب على الحزب العودة إلى سياساته الأولى التي تدعو إلى الإصلاح الديمقراطي وسيادة القانون. ويلقون باللوم على الدائرة المقربة من الرئيس، بدلاً من إلقاء اللوم على أردوغان نفسه، في هذا التحول.

ويعتقد لاتشينار أن المشكلة تتمثل في أن المنتقدين داخل الحزب قد فقدوا كل مصداقيتهم. وقال "حتى إذا قال حزب العدالة والتنمية وأردوغان إنهما اكتشفا الأخطاء وأوجه قصورهم واتخذوا خطوات لتغييرها، فإنهم لا يستطيعون فعل شيء سوى السير نحو نهايتهم المحتومة".

حزب العدالة والتنمية نفسه تشكل من خلال الانفصال، تم إنشاؤه عام 2001 بعد أن قطعت جماعة يقودها أردوغان وغول وبولنت أرينج العلاقات مع رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان لاتباع شكل أكثر اعتدالاً من الميول الإسلامية. بعد 18 عاماً، قال رئيس الوزراء السابق أردوغان إن باباجان يقسم الإسلاميين في تركيا بالاستقالة من حزب العدالة والتنمية.

جاء نجاح حزب العدالة والتنمية من خلال توسيع قاعدة الناخبين لجذب الناس الذين دعموا في السابق أحزاب يمين الوسط. لكن تركيا الآن تعيش حالة استقطاب شديدة وتطور الناخبون بمرور الوقت، لذا قد لا يكون هناك أي طريق سهل للعودة.

ووفقاً للكاتب الإسلامي وكاتب العمود وعالم اللاهوت إحسان إلياجيك، كانت تركيا بشكل تقليدي موطناً لثلاث جماعات رئيسة من المحافظين: المحافظون القوميون بقيادة حزب الحركة القومية والمحافظون الدينيون الذين تمثلهم أحزاب تسير على درب أربكان ومحافظو الوسط الذين صوتوا لصالح الأحزاب التي سيطرت على النصف الثاني من القرن العشرين في تركيا. وقال إلياجيك إن حزب العدالة والتنمية قد وحد الثلاث جماعات لسنوات، ولكن الآن بدأ هذا التغيير.

وقال بوراك بيلجهان أوزبيك، الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة توب للاقتصاد والتكنولوجيا في أنقرة إن ثمة انشقاقين يتشكلان، أحدهما بين المحافظين الذين لديهم اتصال محدود مع الفئات الاجتماعية الأخرى وأولئك الذين هم أكثر عالمية.

وأضاف أوزبيك "المحور الآخر يقسم المحافظين الذين يحتاجون إلى الموارد العامة وبالتالي التوزيع التقديري لتلك الموارد من قبل السلطة السياسية من أجل البقاء وزيادة ثرواتهم، وأولئك الذين لا يحتاجون إلى ذلك ويمكنهم البقاء من خلال عملهم ومهاراتهم".

وقال أيضاً إن أنصار حزب العدالة والتنمية الذين لا يعتمدون على رعاية الحزب بدأوا في تغيير تفضيلاتهم. وأضاف "كما أعلن المحافظون الذين لم يصوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية أنهم يفرقون بين القدرة على الحكم وهوياتهم. لقد كان هذا موقفاً علمانياً واعتراضاً على التفسير السياسي للإسلام".

يمكن لحزب سياسي جديد بقيادة باباجان أن يقدم بديلاً من الخبراء لهؤلاء المحافظين. وقال أوزبيك "وسط المحافظين، هناك كثيرون ممن يعتقدون أن الخطاب الذي يرضي القلوب لا يفيد في إدارة مختصة وأنه في الحقيقة يشلها".

سيكون للحزب الذي يقوده باباجان أيضاً هالة من النجاح الاقتصادي من حوله، وهي فكرة جذابة إذ يواجه الناخبون الأتراك بطالة مرتفعة وتضخماً مزعجاً.

وقال أحمد إردي أوزتورك وهو باحث مقيم في معهد كروك لدراسات السلام الدولية بجامعة نوتردام وفاتيه سيران وهو طالب دكتوراه في السياسة التركية المعاصرة في جامعة ستراسبورغ، لبرنامج الديمقراطية المفتوحة هذا الأسبوع "مشكلة أردوغان هي أن باباجان كان في قيادة الاقتصاد التركي خلال السنوات الناجحة لحزب العدالة والتنمية".

وقال "إذا كان الاقتصاد الآن هو نقطة ضعف أردوغان، فإن ثنائي باباجان وغول يصوبان النار عليها تماماً"، وأضافا أن باباجان "سيظهر كمنقذ محتمل إذا تدهور الوضع الاقتصادي أكثر".

وقال فرحات كنتيل، أستاذ علم الاجتماع في جامعة شهير إسطنبول، إن أردوغان سيحاول على الأرجح منع الانتقادات داخل حزبه في محاولة لمنع الآخرين من الرحيل.

وأردف قائلاً "هناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى أن أسطورة أردوغان قد انتهت وأن البالون على وشك الانفجار ... أعتقد أن نجاح أو فشل الخطوات التي اتخذها الأشخاص والجماعات الذين تركوا حزب العدالة والتنمية سيحدد مصير الدعوات للتغيير داخل الحزب".

ويقول الخبراء إنه على الرغم من أن خسائر مارس كانت بمثابة ضربة لحزب العدالة والتنمية، إلا أن الهزيمة في إعادة انتخابات إسطنبول في الثالث والعشرين من يونيو، والتي رفع فيها مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو هامش فوزه من حوالي 14 ألف صوت إلى 800 ألف صوت، قد ألحقت به الضرر. وقال كنتيل إن النتيجة الأخيرة كشفت الانقسام بين ناخبي حزب العدالة والتنمية.

وسيستهدف باباجان الناخبين المحافظين الذين يتركون حزب العدالة والتنمية، وفقاً لإلياجيك، في حين يناشد إمام وغلو، الذي فاز بصفته معتدلاً في الحزب العلماني الرئيسي، نفس المجموعة.

وقال أوزبيك إن صلاح الدين دميرطاش، الرئيس المشترك الكاريزمي السابق لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، يجب ألا يُترك خارج المعادلة، لأنه يشدد هو وإمام أوغلو وباباجان جميعهم على سيادة القانون وأهمية المؤسسات، جنبا إلى جنب مع السياسة الاقتصادية السليمة.

وأضاف أوزبيك أن أردوغان بنى مسيرته السياسية على قدراته الخطابية ومن خلال وضع نفسه في معارضة الآخرين، وسيحاول على الأرجح الاحتفاظ بالسلطة من خلال مزج القومية بالإسلام والتركيز على السياسات التي تركز على الأمن.

ولكي ينجح ذلك، تحتاج تركيا إلى مواجهة مواقف استثنائية تتطلب وحدة وطنية. وقال أوزبيك "إن القومية التي لها ما يبررها والتي تعززها الخلافات بشأن السياسة الخارجية، ستستمر في الانصهار بالتحفظ المدعوم بالموارد العامة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-local-elections/turkeys-akp-faces-looming-threat-splinter-parties
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.