نهاية الطريق في قبرص

بعد مرور عامين على أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، واجهت الولايات المتحدة تهديدًا آخر للسلام العالمي بعد أن هددت تركيا قبرص بالغزو. ولكن في رسالة إلى رئيس الوزراء التركي عصمت إينونو، أوضح الرئيس الأميركي آنذاك، ليندون جونسون، أنه في حالة التدخل السوفيتي، لا يمكن لتركيا الاعتماد على دعم الناتو.

وفي رسالته، وصف جونسون قضية قبرص بأنها "واحدة من أكثر المشاكل تعقيدًا على وجه الأرض". وحتى اليوم، فإن توحيد الجزيرة، إلى جانب أيرلندا والقضية الفلسطينية، لا تزال قضايا بعيدة المنال.

قمت بزيارة قبرص ثلاث مرات، وعقدت عددًا من المناقشات وكتبت العديد من المقالات حول هذه القضية، وأتيت كذلك لمشاركة رأي الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم، الذي وصفها بأنها "أكثر مهمة محبطة واجهته".

بدأت المحادثات بين الطوائف في عام 1968 ولكنها توقفت بسبب تدخل تركيا في يوليو 1974، بعد أن أطاح متطرفون من القبارصة اليونانيين، بدعم من المجلس العسكري في أثينا، بالرئيس القبرصي رئيس الأساقفة مكاريوس الثالث بقصد إعلان الاتحاد مع اليونان.

ومنذ عام 1975 فصاعدًا، بدأت محادثات إعادة التوحيد تحت رعاية الأمم المتحدة، لكن المحاولة الأخيرة لتأمين اتحاد ثنائي المنطقة والطائفة انهارت في كرانس مونتانا بسويسرا في عام 2017.

وفي تقريره إلى مجلس الأمن، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إن فرصة تاريخية قد ضاعت في كرانس مونتانا وأعلن انفتاحه على الأفكار الجديدة.

لكن إرهاق عملية إعادة التوحيد بدأ، لا سيما بعد انتخاب أحد أفراد حاشية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إرسين تتار، رئيسًا للجمهورية التركية لشمال قبرص في أكتوبر.

وقال جيمس كير ليندسي، الأستاذ الزائر في كلية لندن للاقتصاد، لموقع أحوال تركية قبل الانتخابات "من الواضح أن هناك شعور بالإحباط والتعب على المستوى الدولي بشأن قضية قبرص. لن يرغب أحد في استثمار الكثير من الوقت والجهد وحتى المال في متابعة شيء لا يأمل في أن يصل إلى نتيجة مرضية بشأنه. إذا انتخب القبارصة الأتراك شخصًا لا يهتم كثيرًا بالتوصل إلى تسوية بشروط واقعية، فإن ذلك حتماً سيؤثر على التصورات".

وفي ديسمبر، بصفتي الشخص الوحيد غير القبرصي، دُعيت للمساهمة في إصدار خاص لصفحة "في العمق"، وهي الصفحة الالكترونية لمركز قبرص للشؤون الأوروبية والدولية بعنوان "سياسة قبرص الخارجية - الطريق إلى الأمام".

يعد اقتراح تركيا لحل الدولتين متجذراً منذ الخمسينيات وحتى الصراع الحالي. تلقّى تقييمي في صحيفة الغارديان، "التاريخ الفاضح لقبرص"، استحسانًا، لكن قوبل بدراسة من 125 صفحة نشرها البروفيسور مايكل موران بعنوان "قبرص: شذوذ أوروبي".

وكان موران هو الذي، في دراسة أخرى، ضمّن الرسالة الودية للمفوض السامي البريطاني من عام 1969، حيث قال "قد لا تكون قبرص في الواقع مركز الكون، ولكن من المثير للاهتمام أن يتم نشر هذه الرسالة في دولة يعتقد شعبها أنها مركزاً للكون". 

ومهما كان الأمر، فقد كانت قبرص مقبرة سياسية لعدد لا يحصى من الأمناء العامين والمبعوثين للأمم المتحدة. وحتى ريتشارد هولبروك، الذي توسط في اتفاقات دايتون، وجد قضية قبرص صعبة للغاية بحيث لا يمكن حلها. وفي تقرير لاحق لمجلس الأمن، اشتكى غوتيريش من "القيام بعملية بلا نتيجة في هذه القضية التي أزعجت أفضل جهود المجتمع الدولي لأكثر من خمسة عقود".

كانت خطة تركيا لإقامة دولة منفصلة في شمال قبرص مطروحة على الأوراق منذ عقود، وتم تعزيزها بإعلان جمهورية شمال قبرص التركية في عام 1983. ويعد الشمال هو المقاطعة رقم 82 لتركيا، أو كما حددتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان "إدارة محلية تابعة".

أصبحت جمهورية قبرص عضوًا في الاتحاد الأوروبي في عام 2004، ولكن تم تعريف الشمال المحتل بأنه "المناطق التي لا تمارس فيها حكومة جمهورية قبرص سيطرة فعلية". وبدورها، رفضت تركيا الاعتراف بجمهورية قبرص، وأطلقت عليها اسم "الإدارة القبرصية اليونانية لجنوب قبرص".

ومع ذلك، أوضح رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو، مهندس السياسة الخارجية "العثمانية الجديدة" لتركيا، نوايا تركيا بوضوح في كتابه "العمق الاستراتيجي الذي نشر عام 2001 "حتى لو لم يكن هناك تركي مسلم واحد هناك، سيتعين على تركيا الاحتفاظ بقبرص. لا يمكن لأي دولة أن تكون غير مبالية بجزيرة كهذه، في قلب موقعها الحيوي".

ومن 27 إلى 29 أبريل، ستجتمع الأطراف الخمسة المعنية (قسما قبرص والضامنون الثلاثة، بريطانيا واليونان وتركيا) في جنيف لتقرير ما إذا كانت هناك أرضية مشتركة كافية لإجراء مزيد من المحادثات. لكن تركيا وقبرص التركية مصرتان على حل الدولتين وليس الحل الفيدرالي. بالإضافة إلى ذلك، تم الآن ترقية المطالبة بالمساواة السياسية بين مجتمعات الجزيرتين، إلى مطالبة بالمساواة في السيادة.

يمكن للنموذج الكونفدرالي السويسري، الذي يمنح قبرص شخصية دولية واحدة مع الحفاظ على حق تقرير المصير للدول الفيدرالية، أن يوفر نقطة البداية لحل قابل للتطبيق. وكما أشار الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون في عام 2010 "ستكون مكاسب السلام الإجمالية ضخمة"، وسيزيل هذا عقبة رئيسية أخرى تقف في طريق العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/cyprus/end-road-cyprus
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.