نهاية أردوغان.. تَلقّي الدرس الصعب

تلقى رجب طيب أردوغان درساً من أصعب الدروس في السياسة التركية بوصفه رئيساً للبلاد وزعيماً لحزب العدالة والتنمية الحاكم. وإذا لم يستوعب الدرس بعد، فسيكون عليه استيعابه آجلاً أو عاجلاً.

إحدى الحقائق في القيادة التركية هي علاقة التضارب بين الرئاسة وقيادة الحزب. وهناك أمثلة على هذا في التاريخ التركي؛ فبعد انقلاب عسكري عام 1980، صار الجنرال كنعان أورن رئيساً للجمهورية. وفي السنوات التي أعقبت الانقلاب، تولى رئاسة الوزراء تورغوت أوزال المنتمي لحزب الوطن الأم، وهو حزب من يمين الوسط، واكتسب سمعة كأحد السياسيين الأقوى في البلاد. لكن أوزال فقد السيطرة على الحزب بعدما تولى الرئاسة في عام 1989 خلفاً لأورن، وتحطمت طموحاته الكبرى.

بعد ذلك بسنوات قليلة، حدث الشيء ذاته مع سليمان ديميريل، رئيس حزب الطريق القويم؛ فبعد أن انتقل ديميريل إلى مقر الإقامة الرئاسي في جانكايا بمدينة أنقرة، تقوضت علاقته بالحزب، وانتقلت زعامة حزبه إلى كوادر مختلفة. ونجحت القيادات الحزبية الطامعة، والتي كانت تنقصها الكفاءة، في الوصول بالحزبين إلى محطة النهاية.

وقد كانت أطماع أردوغان أكبر. ففي غياب أي معارضة حقيقية، قضى أردوغان على جميع منافسيه المحتملين وعزز نفوذه. وكان هدفه الوصول إلى قمة هرم السلطة، والهيمنة على كل مقاليد الحكم، دون أن يستطيع أحد معارضته، أو محاسبته ومحاكمته. وبعد أن تجاوز القليل من العواصف، نجح أخيراً في بلوغ هدفه من خلال استفتاء 16 أبريل 2017 الذي شكّل نقطة تحول لتركيا نحو نمط حكم الرئاسة التنفيذية.

عند تلك النقطة، بدأت المشاكل تتفاقم. وليس من السهل حُكم تركيا حكماً مركزياً من منطق استعلائي. فقد حاول كلٌ من أوزال وديميريل إحكام سيطرتهما والاستيلاء على صنع القرار في البلاد على كافة المستويات. لكنهما تعلّما الدرس الصعب، وهو أن هناك علاقة عكسية بين طموحاتهما ومنصبهما؛ فبقدر ما عززا أركان حكمهما في منصب الرئاسة، بقدر ما ابتعدا عن السياسة العامة والتنظيم والحوكمة المؤثرة. وأدرك الاثنان في النهاية خطأهما، لكن كان ذلك متأخراً جداً.

وما زال أردوغان في المراحل الأولى من استيعاب هذا الدرس الصعب؛ فحزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه ليس هو حزب العدالة والتنمية القديم. فقد تشرذم الحزب، وصار كل طرف فاقداً للثقة في الآخر، وهو ما قاد الكثيرين إلى الانضمام لصفوف المعارضة. وقد ملأ أردوغان حزبه بالكثير من المستشارين من أصحاب الخبرة الركيكة، الأكثر ولاء له، والأكثر انتهازية، والأقل قدرة من كوادر الحزب السابقة. وكانت النتيجة أن صار حزب العدالة والتنمية أكثر عرضة للانهيار من حزب الوطن الأم وحزب الطريق القويم.

وسيتفرق هؤلاء السياسيون، وسيعيد النواب الأكثر حنكة ترتيب صفوفهم خلف المخضرمين من حزب العدالة والتنمية من أمثال الرئيس السابق عبد الله غول، أو عضو مجلس الوزراء السابق علي باباجان. أما بالنسبة لرئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو، الذي ارتكب أخطاءً لا تُغتفر في السياسة التركية تجاه الشرق الأوسط والقضية الكردية – فإنه في مسار بعيد عن طموحاته.

والنقطة المهمة في هذه المرحلة، هي أن أردوغان ترك ناخبي حزب العدالة والتنمية في حالة من الارتباك وعدم الأمن، ومن دون أي اتجاهات أو خيارات أو بدائل، بإصداره أوامر بإعادة الانتخابات على منصب عمدة إسطنبول التي أًجريت أول مرة في 31 مارس.

وبسبب قراراته الشاردة في السياسة الداخلية والخارجية – والأهم من ذلك مكابرته التي قادت البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي – لا يبدو من الممكن أن يعود أردوغان إلى وضعه السابق. إذن، سيواصل أردوغان مسار البطة العرجاء الذي يسير فيه، وسيكون السبيل الوحيد لتجنب هذا المسار عبر اتخاذ خطوات نحو الوصول إلى حل يفتح الباب أمام إعادة الوضع إلى طبيعته.

غير أن التحول الجذري سيحتاج إلى التخلي عن وضع "الرئيس التنفيذي السوبر" الذي تبناه في أبريل 2016 بخيلائه. وسيكون عليه أن يُحد من سلطاته، وأن يعيد القضاء إلى وضعه المستقل، وأن يُطلق سراح عشرات الآلاف من السجناء السياسيين الذين سُجنوا ظُلماً، وأن يتبنى نهجاً حكيماً في الشأن الاقتصادي، وأن يتخلى عن مغامراته في السياسة الخارجية. بمعنى آخر، فإنه ستيعين عليه أن يتنازل عن قدر أكبر من وضعه السياسي، الذي بات مهدداً بالفعل. وبالنسبة له، فإن فعل ذلك يتعارض مع كل ما فعله إلى الآن.

لهذا السبب فإن أردوغان، وكما أشار في خطابه الأخير، يأمل في استمرار "تحالف الشعب" الذي شكّله بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية اليميني المتطرف. ولا يتعلق الأمر بأنه لا يملك خيارات أخرى، ولكن ربط بقائه بقوى الظلام الموجودة في التحالف.

ولا يختلف الوضع الخارجي عن هذا؛ فأردوغان يعرف جيداً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يثق فيه بما يكفي. لذا فإنه يسعى لحلول توصله إلى اتفاق مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكنه في واقع الأمر يسعى وراء قضية خاسرة؛ فهو لا يدرك أن قدرة ترامب على مساعدته ستكون محدودة، ما لم يتراجع تماماً عن سعي بلاده لشراء الصواريخ إس-400 من روسيا.

هنا تكمن المفارقة؛ فالرئيس التركي يعتمد في الداخل على شركاء ائتلاف معادين للغرب بشدة. لكن خلال اجتماعه مع ترامب في اليابان بعد الصفعة التي تلقّاها، سيعطي أردوغان إشارة على أنه يعيش في حِمى الرئيس الأميركي. سيفعل أردوغان أي شيء يريده منه ترامب.

إذن، فإن أردوغان الذي يحكم تركيا حالياً، هو رجل دخل في صراع يهيمن عليه تضارب المصالح الدولية ويُنذر بالخطر، إذ يحاول جاهداً اللعب على أوتار هذا التضارب من أجل إطالة عمر نظامه. وألقت ميرال أكشينار، زعيمة الحزب الصالح المنتمي ليمين الوسط، كلمة في الآونة الأخيرة حذّرت فيها من أن الشتاء قادم. وربما كانت أكشينار تُلمّح إلى خريف أردوغان أو سقوطه.

لقد بدأ العد التنازلي للانهيار داخل حزب العدالة والتنمية في البرلمان، الذي عفا عليه الزمن بعد استفتاء 16 أبريل. ويُدرك أردوغان ما ينتظره؛ لذا، فقد يسعى لحمل غصن الزيتون والتوجه به لمؤسسي حزب العدالة والتنمية ببرغماتيته المعتادة، لكي يستعيد سيطرته على الحزب من جديد. ولا يمكن التكهن بفرص نجاحه. غير أنه خلق وضعاً صعباً يجعله في طريق مسدود بلا مخرج في نهاية المطاف.

وفي إعادة انتخابات إسطنبول في الثالث والعشرين من يونيو، حصد مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو 806 آلاف صوت وحقق نصراً أحدث ضجة كبيرة. وكان شعار حملته التي قادته إلى الفوز بمنصب العمدة "كل شيء سيكون على ما يرام"؛ وقد يؤتي هذا الشعار ثماره، أو لا يؤتيها، لكن الأمر المؤكد في حياة أردوغان السياسية هو أن كل شيء لن يكون على ما يُرام من الآن فصاعداً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/recep-tayyip-erdogan/erdogans-dead-end-learning-difficult-lesson
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.