أكتوبر 23 2017

الروائي اورهان باموق الذي نعى الإسلام السياسي

لا يستطيع الكاتب الحر في تركيا ان يفلت من مواجهة حقيقة النظام الحاكم ولا ان يتغاضى عن ابداء رأي واضح في القضايا الأكثر سخونة التي تلامس الحياة اليومية للمجتمع التركي فضلا عن المواقف السياسية التي تشهد تقلبات ملحوظة من جراء سياسات الرئيس رجب طيب اردوغان فتارة هنالك ازمة مع الاتحاد الأوربي وتارة مع الولايات المتحدة وثالثة مع الاكراد وأخرى مع بعض الدول العربية وهكذا.
الكاتب التركي المعروف اورهان باموق ليس مختلفا عن تلك الشريحة من الكتاب الذين تطرح امامهم مثل هذه التساؤلات او هم انفسهم يطرحون اسئلة حول عدد من الإشكاليات المهمة ومنها مثلا مذابح الأرمن. في فبراير/شباط 2003 صرح باموق لمجلة سويسرية بأن "مليون أرمني و30 ألف كردي قتلوا على هذه الأرض، لكن لا أحد غيري يجرؤ على قول ذلك".
على اثر ذلك تمت ملاحقة باموق قضائيا أمام القضاء التركي بسبب "إهانة الهوية التركية"،ولشخصية شبه مقدسة عند الأتراك وهي شخصية (مصطفى كمال أتاتورك) وهما جريمتان يعاقب عليهما القانون ، ولكنه أعفي من الملاحقة القضائية في نهاية سنة 2006 لكن ذلك لم يوقفه عن نقد الحالة التركية ونظام الحكم في تركيا.
باموق الذي يتنقل بين الولايات المتحدة الأميركية وبلرده تركيا والحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 2006 هو مواليد في إسطنبول سنة 1952 وهو ينتمي لأسرة تركية مثقفة. درس العمارة والصحافة قبل أن يتجه إلى الأدب والكتابة كما يعد أحد أهم الكتاب المعاصرين في تركيا والعالم وترجمت أعماله إلى 34 لغة حتى الآن، ويقرأه الناس في أكثر من 100 دولة.

اورهان باموق
الكاتب في مكتبه

تحضر الحياة في إسطنبول في مجمل اعماله بقوة وتأخذ منحى واقعيا في الغالب ، يتحدث هو عن واحدة من رواياته الأخيرة وهي  رواية "شيء غريب في رأسي"  قائلا : "إنها قصة بائع جوال يبيع مشروب تركي ساخن مصنوع من اللبن ومرتبط بنظرة رومنسية للحياة العثمانية، والهدف من هذه الرواية وصف الحياة اليومية في اسطنبول على مدى أربعين عاما وتتبع تطورها".
يتحدث باموق بشغف عن مدينة اسطنبول، فمنذ أنهى رواية "جودت بك وابناؤه" في العام 1982، باتت المدينة محور قصصه. ويقول :"كانت اسطنبول على مدى كل هذه الأعوام ورشة كبيرة"، فالمنازل الخشبية التي رآها في طفولته أتت عليها الحرائق، وأستبدلت بمنازل اسمنتية سرعان ما أزيلت هي الأخرى لترتفع مكانها أبراج شاهقة. ويضيف: "لم أعد أعرف من ملامح اسطنبول سوى البوسفور ومساجدها ومعالمها الأثرية".
ويصف باموق تطور المدينة بأنه صفحات حضارية تمحو الواحدة منها أثر سابقاتها لتعاد وتمحى هي أيضا. ويغوص الكاتب في الحديث عن السياسة في تركيا التي يتنازعها الانتماء الى آسيا والانتماء إلى أوروبا، والتقليد في مواجهة الحداثة، والإسلام في مقابل العلمانية. ويستعيد مقولة شائعة عن تركيا "إنها باخرة تبحر الى الشرق وعيون ركابها تحدق في الغرب".
في يومياته التي هي اشبه بالسيرة الذاتية و المترجمة الى العربية بعنوان " إسطنبول الذكريات والمدينة " يذكر الناقد نبيل منصر ان تلك المذكرات ترسم ملامح مدينة عتيقة، اخترقتْ علاماتها روحه منذ الولادة، في بيت أرستقراطي كثير الأفراد، إلى حين بلوغ سن النضج، الذي يُؤرِّخ له الكاتب، رمزيا، بالانفصال عنْ جاذبية الرسم واتخاذ قرار أنْ يُصبح كاتبا. 
 يَستعيدُ باموك ذكريات مدينة، من خلال تفاصيل صغيرة ترتبط بحياته داخل البيت أو تجواله في الشوارع أو على البوسفور أو تأمله لمعالم المدينة وما اعترى عمارتها وعلاقاتها من تحولات، مُشدِّدا، في آن، على التقاط المعنى من رسوم وكتابات أتراك وأجانب، قادتهم فتنة الشرق إلى الإقامة باسطنبول، واستلهام حياتها وروائحها وأخيلتها في شحذ قريحتهم بروح الغرابة وميثولوجيا الماضي.

اورهان باموق
من روايات اورهان باموق المبكرة

وعبر كل ذلك يبدي باموك حرصا خاصا على تتبع خيوط الحزن الدقيقة،التي راحت تتكاثف حتى استوتْ غيما يظلل سماء المدينة العتيقة، ويُطل من وجوه أناسها المستسلمين لقدرهم.
 من رواياته التي ترجمت الى اللغة العربية : الوان أخرى ،جودت بك وابناؤه،إسطنبول الذكريات والمدينة،البيت الصمت ،القلعة البيضاء،الكتاب الأسود،ثلج،متحف البراءة. .
تتميز رواية رواية ثلج بأنها تركز على التطرف الديني والسياسي, كانت أولى رواياته التي تواجه التعصب السياسي في تركيا المعاصرة، ولقد أكَدت مكانة باموق خارج تركيا، فيما انقسمت بشأنه الآراء بالداخل.
وتتسم كتب باموق بالتباس أو فقدان الهوية الناجم جزئيا عن الصراع بين القيم الغربية والشرقية، فهي مزعجة ومثيرة للقلق، لكنها تحتوي على حبكات وشخصيات معقدة،وغالبا ما تناول باموق التوترات المتجذرة الممثلة في ثنائية التقليدي / الحداثي  والمعاصرة/ العلمانية.
لم يسلم باموق خلال مسيرته من حملات خصومه في تركيا  ومنها اتهامه بأن بعض أجزاء من أعماله قد تأثرت بشدة بكتابات كتاب آخرين، وأن بعض الفصول قد اقتبست بالكامل تقريبا من كتب أخرى، وباموق نفسه قال إن أعماله قد استلهمها من كتابات الشاعر الثائر قاضي نذر الإسلام.  “KaziNazrul Islam”
واتهم الكاتب مراد برداقجي وهو القومي والمؤرخ المعروف ،اتهم باموق على صفحات جريدة حريت التركية بالتزوير والاحتيال.
لكن كل ذلك لم ينقص من شعبية باموق شيئا وظل رواجه بلا منافس تقريبا من بين الكتاب الاتراك المعاصرين.
لم يتوان باموق عن توجيه  انتقادات إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، قائلا "في السنوات الخمس أو الست الأولى من حكمه، كان يغازل الاتحاد الاوروبي تجنبا لوقوع انقلاب عسكري عليه، ولكنه بعدما تمكن من الحكم تراجع اهتمامه بالديموقراطية".
ويقول أورهان إن لدى عودته العام الماضي من الولايات المتحدة حيث كان يلقي دروسا في جامعة كولومبيا في نيويورك، انه شعر "بمناخ من الخوف" أرجعه إلى أجواء الانقلابات العسكرية التي شهدتها تركيا بين الستينات والسبعينات من القرن العشرين. ويضيف "لا يوجد في تركيا سوى ديموقراطية انتخابية، أما حقوق التعبير وحقوق الانسان فتنتهك كل يوم".
سجل باموق موقفا ملفتا للنظر بصدد ما عرف بموجة الإسلام السياسي وهو ربط تلك الظاهرة بما شهدته بلاده في عام 2013 من احتجاجات بأن تلك الاحداث آذنت ببدء انحسار الحكم الحالي. ليضيف  "لقد تبددت أسطورة الاسلام السياسي ورونقه".

رواية اسمي احمر
من رواياته المترجمة والاكثر شهرة