أكتوبر 26 2017

تركيا..تاريخ من سرقة المياه


 
يجمع الساسة والمراقبون والباحثون في الجغرافية السياسية وتقارير الأمم المتحدة على أن الصراع على المياه قد يشتعل في المستقبل بسبب شُحّ الموارد المائية لدى دول في مقابل وفرتها لدى دول أخرى.
لكن الامر يتعدى ذلك كثيرا فيما يتعلق بالحالة التركية ومقاربتها لموضوع المياه لاسيما وان تركيا  ليست بلدا غنيا مائيا على مر التاريخ ولهذا كان الحل الاستراتيجي الأمثل  بالنسبة لها هو سرقة مياه الاخرين وتحديدا مياه العرب من خلال السطو على مياه نهري دجلة والفرات بلا ادنى إحساس بالمسؤولية.
بالأمس زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي تركيا وخلال جلسات المباحثات طرح على الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مأزق شحّ المياه الذي يعاني منه العراق بشكل حاد بسبب استحواذ تركيا على مياه نهري دجلة والفرات وسيطرتها على التدفقات المائية المسموح ان تصل الى العراق فما كان من الرئيس التركي الا ان رد بكل اريحية انهم مستعدون لبناء سد مشترك مع العراق لسد حاجة العراق من المياه متجاهلا السرقة الكبرى التي تمت لسنوات لحصة العراق المائية.
ينبع كل من نهري دجلة والفرات من حوض الأناضول بتركيا، ويعبر النهران تركيا وسوريا والعراق، وعندما يلتقي الفرات بنهر دجلة في القرنة شمالي البصرة يشكلان معا شط العرب. وإذا كان هذان النهران لهما مواصفات النهر الدولي إلا أن تركيا ترفض أن يدرجا ضمن النهر الدولي، بل تعتبرهما نهريين تركيين. فنهر الفرات يمتد على طول 2780 كلم من منبعه جبال أرمينيا من تركيا حتى التقائه مع دجلة، منها 761 كلم في تركيا و650 في سوريا و1200 كلم في العراق. وتعتمد سوريا على نهر الفرات بنسبة 90%، بينما يعتمد العراق عليه كليا.
أما نهر دجلة فطوله هو 1950كلم منها 342 كلم في تركيا و37 كلم بمثابة حدود بين سوريا وتركيا و13 كلم بمثابة حدود بين سوريا والعراق و1408 كلم في العراق. وينبع هذا النهر من جبال طوروس بتركيا.

منابع ومصبات نهري دجلة والفرات
منابع ومصبات نهري دجلة والفرات

على خلفية هذه الحقائق الجغرافية لم يتورع الساسة الاتراك بتتابع زعاماتهم وانتهاءا بحكم حزب العدالة والتنمية الاسلامي عن التصريح العلني بالسطو على مياه النهرين وسنتذكر هنا تصريحات الرئيس التركي  الأسبق سليمان ديميريل عندما قال: 
" إن مياه الفرات ودجله تركية ومصادر هذه المياه هي موارد تركية فكما أن آبار النفط تعود ملكيتها إلى العراق وسورية ونحن لا نقول لسورية والعراق إننا نشاركهما مواردهما النفطية ولا يحق لهما القول إنهما تشاركانا مواردنا المائية إنها مسألة سيادة إن هذه أرضنا ولنا الحق في أن نفعل ما نريد".
بناءا على ذلك كان من آخر المشاريع العملاقة التي وضع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الحجر الأساس لها هو مشروع سد اليسو العملاق الذي يبلغ منسوب ارتفاعه (530م) اما منسوب الخزن الفيضاني الاعلى فهو (528م) فيما يبلغ منسوب الخزن الاعتيادي للسد (525م) وحجم الخزن الكلي هو (11.40) مليار متر مكعب والمساحة السطحية لبحيرة خزان السد هي (300) كلم مربع، وسيولد السد طاقة كهربائية تصل إلى 1200 ميگا واط وطاقة سنوية تبلغ 3830 كيلو واط، ويعد سد اليسو اكبر سد سينشأ على دجلة وتبلغ تكاليف انشائه (1.2) مليار دولار وهو محط جدل كبير ومناقشات من دول الجوار منذ فكرته الاولى في نهاية السبعينيات بسبب تأثيراته السلبية العديدة والكبيرة في عدد من المدن الكردية في تركيا وازالته مواقع آثارية وتاريخية مهمة آشورية ورومانية وعثمانية، وتأثيراته الشديدة السلبية على  العراق.
 يعلق الناطق الرسمي لوزارة الموارد المائية العراقية بهذا الخصوص قائلا: " ان كميات المياه الواردة إلى العراق في نهر دجلة ستتاثر بشكل كبير عند اكمال تنفيذ مشروع سد اليسو حيث سيتحكم السد في تحديد كميات المياه المطلقة إلى العراق، وان الوارد المائي الطبيعي لنهر دجلة عند الحدود العراقية–التركية هو (20.93) مليار متر مكعب/سنة وفي حالة تنفيذ المشاريع التركية، فان من المتوقع ان ينخفض هذا الوارد إلى (9.7) مليار متر مكعب/سنة وهو يشكل نسبة 47% من الايراد السنوي لنهر دجلة وان مثل هذا النقص له انعكاسات خطيرة للغاية على العراق في مجالات (الزراعة ، الشرب، توليد الطاقة، الصناعة وبدرجة كبيرة انعاش الاهوار والبيئة).

اهوار العراق كانت جنة الله على الارض
اهوار العراق كانت جنة الله على الارض

من المعلوم ان نسبة كبيرة من سكان العراق تعتمد في تأمين احتياجاتها على نهر دجلة وتظهر الحسابات الفنية انه في حالة نقص (1) مليار متر مكعب/سنة من واردات النهر فان ذلك سيؤدي إلى تجميد مساحات زراعية تقدر بحوالي 62.500 الف هكتار، فكيف اذا انخفض الوارد المائي إلى (9.7) مليار متر مكعب/سنة؟
اما مشروع غرب الاناضول العملاق او المعروف بمشروع GAP فأنه سيجهز عند اكتماله على آخر امل في حل ازمة شح المياه في العراق والملاحظ ان تركيا تعمدت انشاء هذا المشروع العملاق في منطقة غرب الاناضول ، اذ تختلف منطقة غرب الأناضول تماماً عن جنوب شرق تركيا وذلك لقلة هطول الأمطار وندرة المياه فيها، ولذا فهنا تكمن أهمية منطقة مشروع غاب باعتبارها المصدر الأساسي للمياه في تركيا.
يذكر الباحث صافي الياسري والباحثة في شؤون المياه ديبورا اموس ان مشروع (GAP) يتكون من 22 سداً ضخماً اهمها السدود الاتية : (اتاتورك، كيبان، قارقيا، براجيل، قوم قايام) ومشروع تخزيني ومحطات طاقة كهربائية وشبكة اروائية كبيرة حيث تقدر مساحة الأرض التي يرويها المشروع بنحو (1.7) مليون هكتار من الاراضي الزراعية التي تشتهر بزراعة الفواكه والمحاصيل الاستراتيجية، وتولد المحطات الهيدروكهربائية نحو (23) مليار ميگاواط/ساعة، وتقدر القدرة التخزينية للمشروع بنحو 100 مليار متر مكعب، وهذه القدرة تمثل ثلاثة اضعاف القدرة التخزينية للسدود العراقية والسورية مجتمعة وتبلغ كلفة بناء المشروع اكثر من 35 مليار دولار استطاعت تركيا توفير جزء من هذا المبلغ عن طريق الميزانية التركية والباقي عن طريق الاستثمار الأجنبي وعن طريق بيع الأراضي في مشروع (GAP)، وعند اكتمال جميع المشاريع والأعمال والسدود ستتمكن تركيا من التحكيم ب90% من مياه نهر الفرات.
 اما  سد اتاتورك فأنه رابع أضخم سد في العالم بدئ العمل به في عام 1990 واكتمل بناؤه عام 1992 ويصل ارتفاعه إلى 180 متراً وعرضه قرابة 1820 متراً، أما كمية المياه في بحيرة السد فتقدر ب70 مليار متر مكعب، وهو أكبر خزان في مشروع (GAP) وتقدر مساحة الأرض التي ترويها مياه خزان السد ب740.000 هكتار من الأراضي الزراعية يتم توصيل المياه لها عبر قنوات مائية تعد الأولى عالمياً، حيث تم حفر هذه القنوات في الجبال ويبلغ طولها 27 كيلومتراً وعرضها نحو 7.5 متر وتستطيع المحطات الهيدروكهربائية الملحقة بالسد إنتاج نحو 9 ملايين كيلو واط سنوياً من الكهرباء.
تشير أوساط وزارة الموارد المائية العراقية الى تناقص  الإيرادات المائية الحالية لنهري دجلة والفرات كثيراً عن معدلاتها الطبيعية مقارنة بالسنوات السابقة، إذ كان المعدل السنوي لـواردات نهر دجـلة 19.43 بليون متر مكعب ويبلغ المعدل العام لإيراداته مع روافده 49.48 بليون متر مكعب، ولنهـر الفرات 30.3 قبل إنشاء مشروع GAP التركي.

المشاريع التركية على نهري دجلة والفرات
مشروع G A P من أضخم المشاريع التركية للاستحواذ على مياه نهري دجلة والفرات

أما معـدل الإيرادات المتوقعة بعد اكمال هذا المشروع ، فتقدر بـ8.45 بليون متر مكعب لنهر الفرات و9.16 بليون متر مكعب لنهر دجلة، وذلك بفرضية اكمال المشاريع الخزنية والري المخطط تنفيذها في تركيا وسورية، وكذلك عند غياب اتفاق يحدد الحصص المائية لكل بلد.
وتصل الحاجات الحالية لمختلف الاستخدامات 60 بليون متر مكعب، عدا المتطلبات لإدامة الأهوار بالمنسوب المطلوب والبالغ 16 بليون متر مكعب، أما الحاجات المائية المستقبلية فتبلغ 76.952 بليون متر مكعب.
الحاصل ان تركيا بسطوها على المياه العربية من خلال تحكمها بالموارد المائية لسوريا والعراق سوف تصل عندما تكمل مشاريعها العملاقة الى السيطرة المطلقة على أكثر من 80% من مياه دجلة والفرات، وسيزحف التصحر باضطراد الى عموم المساحات الزراعية في العراق فضلا عن زحف الجفاف على مناطق الاهوار التي كانت بالأمس جنة الله على الأرض فصارت بالتدريج قاعا صفصفا بسبب امعان تركيا الاردوغانية في سرقة المياه ضاربة بعرض الحائط اتفاقية لوزان وسائر الاتفاقيات الدولية التي تفصل في حقوق الدول المتشاطئة بينما تركيا ترفض ذلك كليا وربما تعد ما تطلقه من مياه شحيحة انه صدقة يتصدق بها اردوغان على العراقيين والسوريين ليرووا عطشهم وارضهم التي يتهددها الجفاف.

الجفاف والتصحر
الجفاف والتصحر بانتظار العراق بعد استحواذ تركيا على مياهه

هنا فيلم توضيحي لمراحل المشروع التركي العملاق G A P الذي سوف يجهز على مياه نهري دجلة والفرات على طريقة مصائب قوم عند قوم فوائد.