أكتوبر 26 2017

الأتراك هم الأقل اندماجًا بالمجتمع الألماني بين الجاليات الأجنبية

يعيش اتراك المانيا وضعا محبطا الى حد كبير  وذلك بسبب انقسامهم ما بين مؤيدين للبلد الذي يعيشون فيه، وبعضهم يحمل جنسيته، وبين مناصرين لبلدهم الأم، كما وجدوا أنفسهم بين مطرقة العنصرية الألمانية وسندان غضب أردوغان.
تجلى ذلك في العديد من المواقف الحادة والتصعيدية ومنها مثلا تصويت البرلمان الألماني لصالح قرار يصف المذبحة التي ارتكبتها القوات العثمانية بحق الأرمن عام 1915 بالإبادة الجماعية، ثم منع السلطات الألمانية مسؤولين اتراك من لقاء الجالية التركيدة ابان الاستفتاء على التعديلات الدستورية ثم زج السلطات التركية بالعديد من الالمان ذوي الأصول التركية في السجون بتهم تقول السلطات التركية انها تتعلق بالإرهاب ومن بينهم صحفيون تقول المانيا انهم كانوا يؤدون عملهم الصحفي بمهنية عالية.
ثم زاد نار الخلافات تسعيرا التصريحات النارية المتعاقبة التي ظل يطلقها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ضد المانيا وبما فيها اتهام حكم المستسارة الألمانية انجيلا ميركل بالنازية، كل ذلك وغيره زاد من انقسام الجالية وتشرذمها وصعوبات اندماجها.
توافد مئات الآلاف من الأتراك إلى ألمانيا، في الستينات من القرن الماضي، في إطار برنامج "العمال الضيوف"، الذي ساعد بشكل كبير على الطفرة الاقتصادية الألمانية. وخشية ألا تكون الحياة في تركيا على الشكل المنتظر عند العودة إليها وأنهم لن يتمكنوا من الرجوع إلى ألمانيا قرر الكثير من الأتراك البقاء، وحتى يبقوا على الجانب الآمن، أتوا بعائلاتهم إلى البلد المضيف لكنهم بقوا محافظين ومنغلقين على انفسهم.
الجالية التركية في المانيا أهم وأكبر جالية تركية في الخارج ويصل عدده الى نحو ثلاثة ملايين ومن بين هؤلاء نحو الربع يعيشون في المانيا  منذ ثلاثين عاما أو أكثر، إضافة إلى 5% يعيشون بألمانيا منذ حوالي عشرة إلى ثلاثين عاما. وتكشف تقارير ودراسات عدة عن أزمة مركبة يعيشها "أتراك ألمانيا" من أهم أسبابها فشل سياسة الاندماج الألمانية للمهاجرين، حيث لم تقم بوضع برامج تضمن دمج أعداد كبيرة من العمال الذين استقدمتهم مطلع ستينيات القرن الماضي، وكانت تهدف لاستبدال هذه العمالة بين الفينة والأخرى، لكن أرباب العمل نجحوا بالحصول على عقود طويلة الأجل للعمال المستقدمين حتى يتخلصوا من التدريب واستبدال العمالة بين مدة وأخرى.
ويرجع بعض الساسة الألمان بعض أسباب فشل سياسة الاندماج إلى أن بعض الدول لا تريد لمواطنيها أن يندمجوا بشكل كامل في المجتمع الألماني خوفا من انقطاع الصلة معهم وهو ما ينطبق على سياسة حكومة الرئيس رجب طيب اردوغان المعروف أصلا برفضه مسألة الاندماج الكامل وان تبقى الجاليات التركية صدى لصوت تركيا الوطن الام.
في المقابل هنالك  من ينتقد الجالية الألمانية نفسها في عدم قدرتها على الاندماج في المجتمع الألماني وذلك بسبب زواجهم من نفس الجالية، ويرى مراقبون آخرون أن الحكومات التركية  المتعاقبة أهملت سياسات دمج المهاجرين، وتلكأت في مواجهة التمييز العنصري الذي يواجهه الاتراك  في ألمانيا.
يشير موقع المعرفة الى أن العاصمة الألمانية برلين هي المركز الاكبر للجالية التركية اذ تضم 120 الف تركي ، ويتمركز ابناء الأناضول في شمال مقاطعة وستفاليا ويقدر عددهم حوالي627 الف نسمة، وخصوصا في المناطق الصناعية التي تتعدد فيها المناجم في حزام اقليم الرور ويشكل الاتراك 7.11 % من قاطني مدينة دويسبورگ ، وهو ما يعادل 60 % من كامل عدد الاجانب المتواجدين في المدينة.ويعيش في ألمانيا نحو 540 الف كردي ، تسعون بالمئة منهم قدموا من تركيا.

الجالية التركية في المانيا
انقسام حاد بين هويتين وصعوبات في الاندماج

من جانب آخر كانت صحيفة العرب اللندنية قد نشرت تحقيقا مطولا عن الجالية التركية في المانيا  ذكرت فيه أن 36 بالمئة من الأتراك في ألمانيا يعيشون تحت خط الفقر مقارنة بـ25 بالمئة من المهاجرين من البلقان وأوروبا الجنوبية الغربية. كما يبين التقرير أن الأتراك لديهم تحصيل تعليمي أقل من المجموعات المهاجرة الأخرى الموجودة في ألمانيا.

فيما نشر استطلاع آخر حول الاندماج والدين من وجهة نظر الإثنية التركية في ألمانيا، أجراه قسم الدين والسياسة في جامعة مونستر، وأظهر أن 47 بالمئة ممن شملهم الاستطلاع من المسلمين ذوي الجذور التركية يوافقون على جملة "اتباع التعاليم الإسلامية أهم بالنسبة إلي من قوانين الدولة التي أعيش فيها".
ومن جانب اخر يشكل الثقل الانتخابي لاتراك المانيا رهانا مهما للرئيس التركي، حيث إنه هناك بين الثلاثة ملايين تركي او شخص من اصل تركي 1,4 مليون يمكنهم التصويت في عمليات اقتراع في تركيا. وبالتالي تمثل المانيا رابع اكبر دائرة انتخابية لجهة عدد الناخبين بعد اسطنبول وانقرة وازميروكثيرا ما يزور مسؤولون اتراك هذه الجالية في المانيا، ويتمتع إردوغان بدعم قوي في صفوف افرادها. 
لقد فاقم من صعوبات اندماج الجالية التركية الضخمة في المانيا المتغيرات السياسية في داخل تركيا لاسيما ان الرئيس اردوغان لا يكاد يخرج من ازمة حتى يدخل في ازمة جديدة تشهد الجالية انقسامات منذ الانقلاب الفاشل لاطاحة الرئيس رجب طيب اردوغان مع تبادل الاتهامات والتهديدات، لدرجة ان الوضع بات يقلق السلطات الالمانية.
وبعد ايام من عمليات التطهير في تركيا، ابدى وزير الداخلية الالماني توماس دو ميزيير حزما بالقول "نرفض ان تتحول مثل هذه النزاعات التي تقع في تركيا الى اعمال عنف في الشارع في المانيا".
ولدى وقوع الانقلاب مثلا تجمع عدة الاف من مناصري الرئيس اردوغان امام السفارة التركية في برلين ملوحين بالاعلام التركية ورافعين صورا للرئيس.
وقال حينها  نائب رئيس حزب الخضر جيم اوزديمير التركي الاصل "كل الذين ينتقدون اردوغان يعتبرون على الفور مؤيدين لغولن او حزب العمال الكردستاني". واضاف "ربما يفعل اردوغان ما يحلو له في تركيا وهذا خطير بما في الكفاية لكن رجاء ليس في المانيا".
واكد النائب عن برلين ارول اوزكراكا المعارض لاردوغان انه يتعرض لشتائم. واضاف النائب الذي ينتمي الى الحزب الاشتراكي-الديموقراطي لوكالة فرانس برس انه ينعت بالكاذب والخائن من انصار غولن ، وكل هذه الحماقات".

الجالية التركية في المانيا
الجالية التركية في المانيا هي الاقل اندماجا

التهديدات هي الاكثر خطورة وتتهدد السلم الأهلي وتفاقم من مشكلات الجالية المنقسمة على نفسها وبحسب موقع صوت المانيا فأن تلك التهديدات واجواء الاستقطاب كانت كثيرا ما تتزامن مع الاحداث الكبرى التي تقع في دخل تركيا نفسها ومنها مثلا عملية الاستفتاء لصالح التعديلات الدستورية التي سنها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وكان ملفتا للنظر ان قرابة 400 الف الماني من اصل تركي صوتوا لصالح تلك التعديلات.
وبحسب الموقع نفسه ساد غضب وتوتر واضح على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من طرف العديد الألمان أو الأتراك الذين يرفضون التعديلات الدستورية لصالح تقوية المؤسسة الرئاسية. ومن بين هذه التعليقات مثلا: "من صوت ب "نعم" لا يستحق العيش في دولة ديمقراطية."
لقد كان من نتائج الاستفتاء في تركيا انه فتح النقاش من جديد حول مدى اندماج الجالية التركية في المجتمع الألماني وفشل سياسة الاندماج الألمانية تجاه الأتراك. وسرعان ما تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى منابر لتبادل الاتهامات والشتائم وأيضا مطالب عنصرية  بـ "الترحيل الجماعي لأتراك ألمانيا". 
في سياق متصل كان  رئيس الجالية التركية في ألمانيا قد حذر من ما وصفها بـ "توجهات معادية للمسلمين في المجتمع الألماني". وقال في تصريحات صحفية ، إن المسلمين في ألمانيا أصبحوا مدرجين على قوائم الاشتباه العام بشكل متزايد بسبب الهجمات الإرهابية التي وقعت في البلاد.
وانتقد"المساواة المتعمدة بين المسلمين الذين يعيشون في ألمانيا منذ سنوات واندمجوا بشكل جيد في المجتمع، وبين جناة أفراد نفذوا هجمات". وأضاف أن "المزاج العام في ألمانيا أصبح معاديا للمسلمين"، محذرا من أن "العنصرية المقنعة" اكتسبت بذلك شرعية.
الجالية التركية في المانيا المنقسمة على نفسها أصلا في ظل الاستقطاب الحاد الذي تتسببت به حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس رجب طيب اردوغان تجد نفسها اليوم في وضع اصعب مع صعود اليمين الشعبوي المتطرف في الانتخابات الاخيرة.

*هذا الفيديو القصير من انتاج يورو نيوز يعرض جانبا من الحياة اليومية للجالية التركية في المانيا.