أكتوبر 27 2017

الأحلام الميّتة للأسلام السياسي وكيف يطهّر اردوغان شعبا

 ليست الانقلابات وما يتبعها من اعتقالات ممارسة غريبة ولا بعيدة عن اذهان الشعب التركي، بل ان تركيا تعد دولة انقلابات بامتياز وكلما وقع متغير حرف مسار الحكم باتجاه ما، كان هنالك عسكر يتربصون وينتظرون لحظة انقضاض الجيش على الحكومة.
كان الجنرالات هم حرّاس مبادئ الجمهورية التي سنّها اتاتورك وهم الذين تقع على عاتقهم مسؤولية اصلاح الأوضاع دونما تردد ويوما ما كان مجلس كبار الجنرالات من قادة الجيش التركي لا يكاد يُمَس وعلى هذا سار نهج الحكومات التركية المتعاقبة.
كان الإعلان عن وقوع انقلاب امرا شائعا ومن الممكن ان يقع في اية لحظة، ذلك هو شكل الديموقراطية التركية الهشة والمتهالكة التي من الممكن ان تتهاوى تحت جنازير دابابات العسكر التي لا تقهر.
الديموقراطية التركية كانت صالحة ومسموحا بها ما دامت تحت طوع بنان العسكر،تسير وفق ما يرسمون وتفكر كما يفكرون ، لا تقترب من الإسلام السياسي ولا مناليسار الثوري ولا تنادي بحقوق شعبية وما الى ذلك ،هي ديموقراطية نمطية بمواصفات تركية خالصة لا علاقة لها بما عداها.
واقعيا لم تكن تركيا العلمانية وليدة العهد الاتاتوركي في توثيق علاقتها بالغرب وفي محاكاة نظام الحكم بل يمتد ذلك الى عقود طوال ما قبل قيام الجمهورية التركية لكن ومع استبداد الدولة العثمانية كان من المسلمات أن يأخذ الاتراك من الغرب ما شاؤوا شرط ان لا يقتربوا من نظام الحكم بأي شكل من الاشكال.
وعودا على قصة الانقلابات التركية المتعاقبة، سوف نتذكر انقلاب العام 1960الذي كان قد أطاح الحكومة الديمقراطية المنتخبة وأطاح رئيس البلاد أيضا ، حيث قام 38 ضابطاً بقيادة الجنرال جمال غورسيل بانتزاع السلطة، كما تم إيقاف نشاط الحزب الديمقراطي الحاكم واعتقال رئيس الجمهورية جلال باير، ورئيس الحكومة عدنان مندريس، الذي أعدم على يد الانقلابيين عام 1960.
بعد ذلك بعقد من الزمن وما زالت ذاكرة الاتراك لم تتعافى من الانقلاب السابق وقع انقلاب جديد في العام 1971 وأطلق عليه "انقلاب المذكرة"، حيث أرسل الجيش مذكرة عسكرية إلى الحكومة التي كان يترأسها آنذاك سليمان ديميريل استلم بموجبها الحكم، بدل تحريك القطع العسكرية، كما فعل في الانقلاب السابق.

الجنرالان كنعان إيفرين و تحسين كايا
انقلابيون مخضرمون:الجنرالان كنعان إيفرين و تحسين كايا قائدا انقلاب 1980

ولقد جاء ذلك، وسط تفاقم النزاع الداخلي في عموم البلاد، وظهور التيارات السياسية المتناحرة، خاصة التيارات اليسارية واليمينية والقومية، لكن في نهاية الأمر لم يحدث هذا الانقلاب تغييراً يذكر لإيقاف هذه الظاهرة.
 بعد عقد من الزمن وفي عام 1980، حصل أشهر انقلاب في تاريخ تركيا الحديث، وقاد الانقلاب كنعان إيفرين، الذي قام بعمليات قمع غير مسبوقة، وأقدم بعد عامين من انقلابه بتقديم دستور للاستفتاء الشعبي، أصبح بموجبه رئيساً للجمهورية حتى عام 1989.
عام 2014 صدر حكم بالسجن على إيفرين مع قائد القوات الجوية الأسبق تحسين شاهين كايا، بتهمة قلب النظام الدستوري واشتراكهما في انقلاب 1980.
عام 1997 حدث انقلاب على الحكومة، أطلق عليه "الانقلاب الأبيض"، كما عرف بـ "انقلاب ما بعد الحداثة" وذلك بعد وصول حزب الرفاه ذو التوجه الإسلامي بزعامة الراحل نجم الدين أربكان إلى السلطة سنة 1995، الذي يعتبر أول رئيس للحكومة التركية من خلفية إسلامية.

الاستاذ وتلميذه: اردوغان في احضان اربكان
الاستاذ وتلميذه: اردوغان في احضان اربكان

هذا الانقلاب جاء بعد قرارات صادرة عن قيادة القوات المسلحة التركية في اجتماع مجلس الأمن القومي في 28 شباط / فبراير 1997 التي عجلت باستقالة رئيس الوزراء نجم الدين أربكان من حزب الرفاه وإنهاء حكومته الائتلافية، كما أجبرت الحكومة على الخروج دون حل البرلمان أو تعليق الدستور.
بعد 5 سنوات من الانقلاب الأبيض، حقق حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان، فوزاً ساحقاً في انتخابات 2002، ويرى محللون أن نجاح هذا الحزب الوليد جاء نتيجة رد فعل على الانقلاب.
ثم تحدثت الأوساط التركية اعتباراً من نهايات العقد الماضي، عن وجود تنظيم سري، انتشر في صفوف الجيش والقضاء ومختلف مفاصل الدولة، يسعى للوصول إلى الحكم وإبعاد العدالة والتنمية، وقام الجيش بتشجيع منه على محاولة الانقلاب عام 2009، فيما عرف حينها بـ "خطة القفص"، والتي زعم أنها خطة انقلاب من قبل عناصر الجيش التركي، خاصة من داخل قيادة القوات البحرية.
تبدو تلك الانقلابات المتلاحقة مختلفة في الشكل والسيناريو عن الانقلاب الأخير في الخامس عشر من تموز يوليو 2016 فهذا الانقلاب الذي قيل ان هدفه اطاحة حكم الرئيس رجب اردوغان يبدو في نظر الكثير من المحليين والمراقبين اقرب الى المسرحية غير جيدة الإخراج.
وبصرف النظر عن من تورط في الانقلاب ممن تم استدراجهم ومراقبتهم بدقة والاجهاز عليهم فيما بعد فأنه كان الفرصة الثمينة التي كان اردوغان  ينتظرها بفارغ الصبر.
لقد استثمر اردوغان ونظامه هذا الانقلاب المزعوم احسن استثمار لصالحه، فمن جهة استثمره لتلميع نجوميته في أوساط تيار الإسلام السياسي سواء في داخل تركيا او خارجها بل ان الإسلاميين العرب رأوا في الانقلاب معجزة إضافية تضاف لرصيد اردوغان.
أحلام الحكم التي ولدت ميتة في داخل التنظيم الدولي للاخوان كان اردوغان ينعشها في هذا التنظيم في كل مرة ويديم الصلة مع عناصر التنظيم بل ان تركيا صارت ملاذا لكثيرين منهم ممن هم مطلوبون للعدالة في بلادهم.

انقلاب يلد آخر
انقلاب يلد آخر: انقلاب 2016 الذي اطلق يد اردوغان

اما النجاح الاخر الذي حققه اردوغان وجيّره لصالحه فأنه تمثل في تكريس نظام الحكم الرئاسي الذي ظل يحلم به وينادي به وهو النظام الذي أتاح له الاستحواذ على صلاحيات واسعة لم تكن متاحة بموجب الدستور التركي السابق ما قبل التعديلات الأخيرة.
اطلقت العديلات الدستورية يد اردوغان لكي يتدخل في كل مفاصل الدولة من الجيش الى القضاء الى الاعلام والصحافة الى أجهزة الامن السرية والشرطة وحركة المحافظين وتعيين وعزل الوزراء حتى صار الرئيس هو الحاكم بأمره.
الفقاعة الأصولية التي صنعها اردوغان ولدت ميتة هي الأخرى ولهذا لم يجد بديلا لكي ينقذ نموذجه في الحكم الا باستخدام الانقلاب غطاءا للقيام بأكبر حملة للتطهير ضد المعارضين في تاريخ تركيا الحديث.
لم يحدث في تاريخ تركيا الحديث ان يتم الزج بعشرات الوف المعارضين للحكومة في السجون ويطال التطهير عموم المجتمع لا يسثني أحدا ويستهدف كل من يشتبه به ان في داخله مثقال ذرة من المعارضة او الرفض او الانتقاد لحكم اردوغان ولأردوغان شخصيا الذي اصبح بموجب قوانين الطوارئ التي تلت العملية الانقلابية شخصا لا يُمَس ولا يجرؤ احد على انتقاده.
هذا النموذج للنظام القمعي والاستبدادي المصادر للحقوق والحريات يقدم صورة للاحلام الميتة لخيالات الإسلام السياسي في تطبيقاته القائمة على الانفراد بالحكم والسيطرة على مقدرات البلاد على ما في ذلك من غلو واستبداد.

احلام الاسلام السياسي ولدت ميتة
احلام الاسلام السياسي ولدت ميتة

في المقابل تجد تيارات الإسلام السياسي في كل الممارسات الدكتاتورية الظالمة بحق الشعب التركي التي مارسها اردوغان ونظامه ، تجد في ذلك مشروعية وتبريرا لحكم الضرورات الذي يتحكم في قرارات رئيس صار مع مرور الوقت هو الحاكم بأمره.
لعل إشكالية الإسلام السياسي العربي انه قد زج نفسه في المكان الخطأ وذلك بتماهيه وترويجه للنموذج التركي على انه البديل الاحدث من بين أنظمة الحكم وهو تجريد انفعالي وخيالي لا أرضية له في الوقع ذلك ان الحالة التركية لا تشبه الحالة العربية ولا يشبه النظام ولا المجتمع التركي نظيرا له في العالم العربي.
تركيا الاردوغانية تحاول قتل الوقت بتمرير مزيد من الشعارات التي تلهب حماس المهووسين بالشكل الاستبدادي التركي الراهن لكنها في كل مرة تثبت انها شاهد على نعي الإسلام السياسي اقله بسبب البراغماتية المطلقة التي يعمل بموجبها النظام التركي والتي لا تمت للسرديات الاسلاموية بصلة لجهة التصرف المطلق بجميع مقدرات الشعب التركي والدولة التركية.