أكتوبر 30 2017

اردوغان يستدعي تركمان العراق

لعل من الظواهر الملفتة للنظر في الوضع العراقي هو الحال الذي تعيشه الاقليّات العرقيّة المختلفة التي سرعان ما تجدها منجذبة الى جذورها التاريخية بحثا عن مظلة سياسية او امتيازات او دعم ما.
ولعل تركمان العراق ليسوا بعيدين تماما عن هذه الحالة فهم قد اصابهم ما أصاب العِرقيات الأخرى من نتائج الصراعات والحروب لكن المتغيّر الذي يشهده تركمان العراق اليوم هو انتعاش الامل في الحصول على مكاسب جديدة على الأرض لاسيما بعد هزيمة مشروع الانفصال الكردي عن العراق والذي قاده بارزاني مؤخرا وارتدّ عليه.
هنا يبدو ان التركمان وجدوا في هذا المفصل التاريخي فرصة ذهبية فيما يتلق بالفراغ الذي تعيشه مدينة كركوك الغنية بالنفط في اعقاب هزيمة مسلحي بيشمركة ومسلحي مسعود بارزاني فضلا عن موجات النزوح الكردي عن مدينة كركوك.
من الواضح ان الطرف التركي الرسمي فضلا عن الأقلية التركمانية وجدوها فرصة سانحة سعيا للتمدد في كركوك وملء الفراغ فيها فضلا عن تجديد المطالبة بحقوق التركمان.
وهذا هو الذي دفع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى استدعاء تركمان العراق الى قصره الرئاسي في انقرة بمختلف انتماءاتهم المذهبية وفيهم برلمانيون حاليون وذوي مناصب في الحكومة العراقية الحالية وهو امر فيه بلبلة كبيرة.
الاشكال الذي يبرز هنا هو ازدواجية النهج السياسي الاردوغاني في مقاربة الحالة التركمانية من جهة والعراقية من جهة أخرى فهو بالأمس وخلال لقائه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي كان ينادي بوحدة العراق وان كل ما يجري على الأرض يجب ان يتم بعلم وموافقة حكومة بغداد لكن ما ان يغادر المسؤول العراقي انقرة حتى يسارع اردوغان للتدخل المباشر في الحالة العراقية مستدعيا حشدا من مسؤولي تركمان العراق للأستثمار في الازمة الراهنة كما هو واضح.
الملفت للنظر ان جميع نشاطات الوفد التركماني العراقي ولقائه الرئيس التركي قد احيطت بالكتمان التام فلمن يصدر عن الرئيس أي تصريح يذكر وهو المولع بالتصريحات النارية والاسهاب في الاحاديث والمطالبات واقتصرت لقاءاته على حضور مدير مخابراته والناطق باسم الحكومة فقط دونا عن أي طرف حكومي رسمي تركي آخر.
من جانب اخر بدا الوفد متفائلا للغاية اذ سرعان ما رفع سقف المطالب بعد اللقاء مباشرة حيث نقلت وكالة السومرية نيوز، عن النائب في البرلمان العراقي جاسم محمد جعفر وعضو الوفد الزائر قوله:" إن ما يعرف الهيئة التنسيقية العليا لتركمان العراق عقدت اجتماعا في أنقرة، مع الرئيس أردوغان، وأن المجتمعين تشاوروا بكل وضوح فيما يتعلق بمستقبل التركمان والأمور الاستراتيجية المراد اتخاذها في السنوات القادمة".
وتابع جعفر ان"التركمان لمسوا تاييدا تركيا لمستقبلهم السياسي في كركوك وجعلها تركمانية،وجعل قضائي طوز خورماتو وتلعفر محافظتين، وجعل منصب محافظ كركوك للتركمان.

اردوغان يستدعي تركمان العراق
اردوغان يستدعي تركمان العراق

وبالتزامن شهدت مدينة بورصة التركية استضافة ندوة تحت عنوان  تركمان كركوك "بعد داعش والاستفتاء".
وقد تحدث ارشاد هورموزلو، الذي يطلق عليه تركياً انه (رئيس وقف كركوك في تركيا) وسبق وشغل منصب مستشار الرئيس التركي السابق عبد الله غل ، تحدث الى وكالة انباء الاناضول التركية عن  "أهمية كركوك من حيث إنتاجها 40% من نفط العراق"، لافتا إلى أنها "بالنسبة للعرب والأكراد عبارة عن نفط، أما بالنسبة للتركمان فهي وطن"على حد قوله.
من جانب آخر، قال رئيس الجمعيات التركمانية في تركيا، محمد توتونجي، إنّ "تركيا بدأت بوضع ثقلها على الساحة، والمتابع للإعلام العربي كان يظن أنّ تركيا تهدد بالكلام فقط ، أما بعد عملية درع الفرات (أطلقتها تركيا شمالي سوريا)، عادت تركيا إلى الساحة من جديد، وبدأوا يحسبون حساب كل خطوة تخطوها تركيا.

مدينة بورصة التركية تستضيف ندوة عن تركمان كركوك.
ندوة بورصةعن تركمان كركوك

يذكر الباحث إبراهيم الساعدي في بحث مطول عن أصول التركمان في العراق ان موطنهم يمتد من قضاء تلعفر شمال محافظة الموصل، وينحدر إلى جنوب شرقها باتجاه محافظة أربيل ( نصف سكان أربيل من التركمان من بقايا الدولة الاتابكية التركمانية)، ويمتد جنوبا إلى ناحية التون كوبري باتجاه محافظة كركوك، ثم جنوبا باتجاه ناحية قضاء طوزخورماتو، ثم ناحية بيات وقضاء كفري، وينحدر إلى جنوب شرق العراق إلى محافظة ديالى وخاصة قضاء الخانقين، وناحية زرباطية والسعدية وجلولاء.
 يقطن في محافظة بغداد اليوم  بحدود (50) ألفا من التركمان، من الناحية المذهبية ينقسم التركمان إلى حوالي 55% من السنة، و45% من الشيعة.
لا توجد إحصائية رسمية معتمدة حتى الان لاعداد التركمان اذ ان تعدادهم بحسب إحصائية التعداد السكاني لعام 1957 (950 ) الف نسمة. فيما قدرت المصادر الحكومية عددهم عام 1997 بـ ( 900) الف نسمة فقط ، ويقدر عدد نفوسهم حاليا بـ (2.5) مليون نسمة، ومصادر اخرى فتقدره بـ (5.3) مليون نسمة.

تركمان العراق
تركمان العراق بزيهم التقليدي

مدينة كركوك، النائمة على النار الأزلية، تبدو مثل مرجل يغلي.  الأكراد والتركمان والعرب يتنازعونها وفيما تتصاعد الدعوات لجعلها عراقا مصغرا يشتمل جميع القوميات والطوائف تأتي دعوة اردوغان لتركمان العراق لاعادة رسم الخارطة وإعادة النظر في الجغرافيا السياسية للمدينة.
لعل تركيا الاردوغانية من خلال سياستها الانتهازية في اللعب على الازمات وقطف ثمارها هي التي دفعت اردوغان الى استدعاء تركمان العراق على عجل خاصة بعد حدثين مهمين هما تحرير الموصل وسقوط المشروع الكردي.
كانت وكالة انباء الاناضول الرسمية التركية قد تحدثت عن ذلك بوضوح قبيل تحرير مدينة الموصل بعودة تركيا الى تركمان العراق بعد ان تركتهم سنين طوالا في مهب الريح يعانون الاذلال والتهجير.
قالت الوكالة يومها:"علينا ألا ننسى أنَّ وجود التركمان وتنظيمهم السياسي، ووعيهم الجمعي داخل المجتمع العراقي، متجذر، لهذا من الممكن إحياء دور التركمان بشكل فاعل وقوي داخل العراق، ولتحقيق ذلك يجب اتخاذ العديد من التدابير العاجلة، على رأسها، إعادة الثقة للتركمان بأن تركيا على قدر المسؤولية، في الحفاظ على حياتهم، وأنها تقف خلفهم".
وتختتم الوكالة تقريرها قائلة:"وأخيرا من أجل حفظ أرواح تركمان العراق وهويتهم الثقافية لا ينبغي لتركيا الاكتفاء بالقوة الناعمة، بل امتلاك زمام المبادرة في تفعيل أدوات القوة الخشنة إن لزم الأمر".
لا شك ان المناورة ما بين القوة الناعمة والخشنة هو ما يشتغل عليه اردوغان فيما يخص مقاربة مشكلة تركمان العراق ومن الواضح انه سوف يستخدم الورقة التركمانية لجني مزيدا من المكاسب على الأرض فضلا عن ان الثروات الطبيعية الهائلة التي تكتنزها مدينة كركوك التي تسيل لعاب السلطات التركية مسارعة لأخذ زمام المبادرة.