أكتوبر 31 2017

بينار سيليك..امرأة في مواجهة دولة

في العام 1998 كان الصراع بين الدولة التركية ومسلحي حزب العمال الكردستاني ما زال مشتعلا وعمليات الكر والفر بين الطرفين متواصلة في اطار حرب استنزاف اشتعلت منذ العام 1984 وكلفت الطرفين عشرات الوف الضحايا من دون ان يلوح في الأفق أي امل في الخلاص من ذلك المأزق المرير.
في تلك الاثناء كانت باحثة شابة تبلغ السابعة والعشرين من العمر تدعى بينار سيليك تواصل طموحها الشخصي في دراسة علم الاجتماع بالانتساب الى جامعة سالسبورغ في فرنسا وخلال مراحل دراستها في مقاربة الظواهر الاجتماعية في بلدها الام تركيا تصدت لاهم ظاهرتين بارزتين هما قضية القومية الكردية في بلادها وقضية إبادة الأرمن التي تمتنع الحكومة التركية عن الاعتراف بها.
دفعها استقصاء القضية الأولى الى لقاء العديد من الشخصيات الكردية في مختلف المواقع واجراء مقابلات شخصية معهم وهو ما كان تحت سمع وبصر السلطات الأمنية التركية من دون ان تفطن بينار الى ما سيقع لاحقا عندما دوى انفجار كبير في وسط إسطنبول في التاسع من تموز يوليو 1998 ولتعقبه مداهمة لمنزل بينار وتفتشيه بدقة ومطالبتها بأسماء من اجرت لقاءات معهم.
تم اتهام حزب العمال الكردستاني بالمسؤولية عن الانفجار واتهمت بينار بانتمائها الى تنظيم إرهابي وشراكتها في التفجير ولم تفلح كل الأدلة التي اثبتت براءتها لكن مجرد رفضها الافصاح عن من اجرت لقاءات معهم كان سببا كافيا لادانتها.
لم يكن زج بينار في السجن حدثا عاديا فهذه المرأة عرفت بنشاطها الاجتماعي على نطاق واسع وخاصة دفاعها عن قضايا المهمشين في المجمتع ومنهم الفقراء والمشردين فضلا عن دفاعها عن قضايا المرأة وتعمقها في دراسة القضة الكردية وجذرو الصراع المفضي اليها.
الصدمة الكبرى كانت هي الحكم على بينار بالسجن خمسة عشر عاما وهو الخبر الذي هز الرأي العام التركي ولم تفلح معه الاعتصامات والتجمعات التي شارك فيها ناشطون مدنيون ومدافعون عن حقوق الانسان وكتّاب اتراك مرموقون ومنهم الكاتب الكبير يشار كمال وكتّاب آخرين.

بينار سيليك
والد بينار والسياسي التركي سليمان جلبي و الكاتب التركي الكبير يشار كمال والكاتب الالماني غونتر ولراف في وقفة تضامنية من بينار

في العام 2000 قررت المحكمة تبرئة بينار استنادا الى أبحاث جنائية اثبتت ان لا صلة لها بحادث الانفجار الذي اعتقلت من اجله لكن حكم البراءة ما لبث ان تبعه حكم اخر استئنافي اعادها الى السجن  لتمكث تحت التعذيب مدة إضافية أخرى.
ظلت قصة سجن بينار تدور في أروقة المحاكم من حكم الى استئناف بين السنوات 2006 و 2008 و 2011 في واحدة من اكبر المهازل القضائية في تاريخ تركيا لتتوج بالحكم عليها بالسجن مدى الحياة بقرار قضائي صدر في العام 2012.
تقول بينار وهي تحكي قصة 15 عاما من فوضى المحاكمات التعسفية في أروقة المحاكم التركية:" عندما نتحرى عن الفقر والظلم والعنف عادةً ما نسأل انفسنا:هل السعادة ممكنة؟".
تضيف:" أنني واحدة من الذين يحتاجون إلى الحرية والعدل ليعيشوا الفترة القصيرة والجميلة لوجودهم في هذه الحياة. هذا ما أُناضل للحصول عليه، ليس لأُنقذ الآخرين، أو لأكون سعيدةً، ولكن لأغير حياتي التي تربطها صلات عميقة بالآخرين ، أنا أفتح عيناي وأعاني بدلاً من إغلاقهما وأكون تعيسة".
في العام 2010 وفي اطار الحملة العالمية للتضامن مع بينار، قام الكاتب الألماني الراحل الحاصل على جائزة نوبل للآداب 1999 غونتر غراس برحلة تضامن الى تركيا دفاعا عن بينار ، غراس الرئيس الشرفي لنادي القلم الألماني، حل في  تركيا حاملا نداء التضامن الذي وقع عليه حوالي خمسمائة أديب ومفكر اوربي والماني ، تعبيراً عن الوقوف إلى جانب الكاتبة سيليك، التي أصبحت من الشخصيات النسائية البارزة في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات الدينية، ومن دعاة السلام مع الأكراد، وألفت العديد من الكتب ونالت العديد من الجوائز.

الكاتب الالماني غونتر غراس متضامنا مع بينار
الكاتب الالماني غونتر غراس متضامنا مع بينار

ولدت بينار سيليك في اسطنبول عام 1971 ونشأت ضمن محيط سياسي يساري، سُجن والدها بعد انقلاب عام 1980 لمدة خمس سنوات، بدأت دراستها لعلم الاجتماع عام 1992 في جامعة معمار سنان.أثناء الدراسة كانت تقضي الكثير من الوقت في الشوارع مع الأطفال والكبار المشردين.
 في عام 1995، ساهمت في تأسيس "ورشة فناني الشارع"، وقد شارك فيها أطفال وغجر وربّات منزل وطلاب ومتنوعي الاتجاهات الجنسية وعاملي وعاملات بغاء.  
أنهت دراسة الليسانس بدراسة عن تحول الصحافة والإعلام في تركيا، وأنهت الماجستير بدراسة تحمل عنوان:"شارع ألكر، مكان للإقصاء"، عملت فيها على رصد حي للعاملين والعاملات في البغاء والمتحولين جنسياً. بالتوازي، كانت قد ابتدأت أبحاثها عن المسألة الكردية وقامت بعدة رحلات بين ألمانيا وفرنسا وكردستان، وأجرت أكثر من ستين مقابلة ضمن مشروع للتاريخ الشفاهي الكردي.
من أهم ما نشر لها مترجما عن التركية كتابها :"لأنهم أرمن"، تناولت فيه قرناً كاملاً من العلاقات مع الأرمن بعد المذبحة الأرمنية ، ثم كتاب "ازحف ازحف لتصبح رجلاً" وتناولت فيه عسكرة المجتمع التركي كأحد النواظم الأساسية لصنع الهوية التركية ، ثم كتاب "بعيدة عن بيتي ولكن حتى أين؟"، تحدثت فيه عن منفاها الإجباري وتأملاتها عن العلاقة مع المكان.

بينار سيليك
بينار مع المشردين وابناء الشوارع

في حورات سابقة لها تقول بينار:
"لقد ترعرعت في جو يساري وفيما كانت الوطنية الكمالية تقوم بترسيخ  صورة المرأة لصالحه كان هناك نموذج المرأة الجمهورية، ثم أصبح هناك نموذج المرأة الثورية اليسارية". 
"لقد خرجت من هذا المنظور لأفكر في علاقات هيمنة الإنسان على الانسان لذلك أقوم بأبحاث، أفكر وأقاوم وأناضل، ضد فكرة الهيمنة المطلقة السائدة في المجتمع التركي وهو يتشكل توتاليتاريا بشكل ما".
 "لقد ألفتُ كتاباً، تُرجم إلى الفرنسية، بعنوان ازحف ازحف لتصبح رجلاً اردت من خلاله فهم العلاقات الاجتماعية وبنية الهيمنة في داخل المجتمع التركي وفي بنية مؤسسة الدولة التركية ، ومن ذلك أيضا  الهيمنة الذكورية".
وتتحدث بينار عن النسوية التركية السائدة قائلة : "أن النساء في مجتمعنا يتعرضن لحرب حقيقية ، معدل الوفيات نتيجة العنف الأسري مرتفعة جداً، الاغتصاب، إلخ إلخ.. النساء يعشن كل ذلك كل يوم، في لحظة ما علينا إيقاف هذا، لا يمكن لهذا أن يستمر. هن يتعرضن لذلك لأنهن نساء، علينا ألا ننسى علاقات الهيمنة في المجتمع". 
وبصدد علاقات الهيمنة في المجتمع التي طالما تحدثت عنها  ، تقول: "ان علينا أولا أن نغير الأداء الاجتماعي،علينا أن نفهم أن النساء يتلقين ذلك لأنهن نساء، دون أن ننغلق في هذه الهوية: "المرأة"، أو نبالغ بها أو أن نضفي عليها طابعاً متخيلاً غير حقيقي، وفي ذات الوقت علينا أن نحاول الخروج من هذا الانغلاق بتجريب طرائق حياة مختلفة". 

بينار اثناء اعتقالها
بينار اثناء اعتقالها

هذه الإشكاليات وغيرها ما انفكت بينار تثيرها من خلال الندوات التي تعقدها في الجامعات ومراكز الأبحاث كاشفة عن إشكاليات معقدة تتعلق ببنية المجتمع التركي وما آلت اليه الأحوال اليوم بعد حقبة من أنظمة الحكم العسكرية والتوتاليتارية المغلقة.
بعد الانقلاب الأخير المزعوم في الخامس عشر من تموز يوليو 2016 تحدثت بينار عن ذلك الحدث وعن ظاهرة الانقلابات عموما في الحياة التركية قائلة:
"أنّ الأتراك عرفوا دائماً الانقلابات، ولطالما كان العنف جزءاً من يومياتنا، معتبرة أنه "في كل فترة توتر، نقطع رأس المشكلة بانقلاب جديد، من دون أن نحلها أبداً على المستوى الهيكلي، فيما يصبح العنف أقوى وأقوى، وهذا ما قد يواجهه الأتراك بدءاً من اليوم بفعل دخولهم في عهد جديد، عنوانه :الحياة في ظل دولة أردوغان".

* في هذا الفيديو القصير  تتحدث بينار عن نفسها وعن جوانب من حياتها وظروف سجنها