نوفمبر 01 2017

المراهنة التركية الخاسرة على بارزاني

راهن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان طويلا على حليفه السابق مسعود بارزاني أيام كان يتمتع بالجاه والنفوذ في إدارة إقليم كردي شبه مستقل عن الحكومة العراقية.
لم يكن الوضع مريحا لاردوغان بالطبع ولكنه رأى أن من الأفضل الاستثمار في الازمة الكردية واللعب بالمصالح وكل ذلك قبيل اندلاع القتال مجددا مع حزب العمال الكردستاني والمواجهات مع الاكراد الاتراك التي اندلعت مجددا في العام 2014.
كان مسعود بارزاني مطيعا للقيادة التركية منفذا امينا لسياساتها فضلا عن ان مصالح الطرفين التقت في مجال الاستثمار بتجارة النفط ، بارزاني كان يسيطر بشكل شبه كامل على حقول النفط الغنية في كركوك وكانت حكومة اردوغان تبيعه في الأسواق العالمية فيما الأموال تتدفق على الطرفين المستفيدين.
لاشك ان اردوغان كان على بينة من فساد بارزاني وعائلته الحاكمة وكان يراقب عن كثب كيف كانت أموال البترول تصب في حسابات شخصية لبارازني وعائلته ولكن البراغماتية السياسية التي يجيد اردوغان التلاعب بها واستثمارها كانت تجعله يغض الطرف عن ممارسات بارزاني.
ومن جهته نجح بارزاني في توفير متطلبات الجانب التركي اذ أتاح للجيش التركي ان يضرب أينما شاء ما يشك انه تواجد لحزب العمال الكردستاني التركي المحضور فكانت الطائرات القاصفة التركية لا تتوانى بمناسبة وأخرى عن دك جبل قنديل في شمال العراق.
كذلك لعب اردوغان بانتهازيته المعهودة على الخلافات العراقية في داخل الطبقة الحاكمة في العراق وظل يناكف رؤساء الحكومات العراقية على التتابع مرددا مقولته الشهيرة:"انهم ليسوا بمستواي".
لكن ما قلب الامور رأسا على عقب هو ما اقدم عليه بارزاني في الخامس والعشرين من سبتمبر أيلول 2017 عندما اجرى استفتاءا كانت السلطات التركية قد حذرت منه ومن تداعياته لكن بارزاني لم يعط اذنا صاغية لا لاردوغان ولا لغيره واجرى الاستفتاء رغما عن انف الجميع.
لا شك ان ذلك الحدث آذى تركيا بشدة واستفزها لاسباب عديدة أهمها ما هو ذا بعد جيوسياسي لجهة الحساسيات العرقية الكامنة في الموضوع وكذلك كانت له نفس الاصداء المؤذية على الطرف الايراني.

المراهنة التركية الخاسرة على بارزاني
اكراد تركيا كانوا يترقبون نتائج استقلال شمال العراق

عشية الاستفتاء اطلق اردوغان تصريحات نارية قائلا:
 "ان تركيا قادرة على مواجهة الأزمة التي تسبب بها استفتاء الانفصال في كردستان العراق حيث انه سوف يشعل أزمات خطيرة في المنطقة، أن هذا الاستفتاء نار ستحرق من أشعلها، وأن من أصر على إجرائه في سبيل مصالحه لن يستطيع مواجهة دول المنطقة في المستقبل".
لكن ابشع وصف لحق ببارزاني من طرف الرئيس التركي انه خائن وانه مستعد لانزال العقاب به.
لعل من الواضح ان أسباب الخيانة تتعلق بتفرد بارزاني بالقرار ومضيه في الاستفتاء بصرف النظر عن نتائجه وعن اضراره الإقليمية.
يتحدث الباحث د.سمير صالحة في مداخلة له عن الإشكالية التي تسبب بها استفتاء بارزاني  لتركيا والتي دفعتها الى دعم الخيار العسكري لبغداد، "ان ذلك الموقف ليس مرتبطا بالامن القومي التركي فقط ، ولا ومواجهة خطر الدولة الكردية على حدودها مع العراق، بل بسبب قطع الطريق على خطر آخر، قادم من الجنوب هذه المرة، والمتمثل في احتمال قيام دولة كردية في شمال سورية أيضا".
من المؤكد ان كل ذلك دفع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى الإعلان، من دون تأخير، أن بلاده جاهزة لتقديم العون لبغداد في عمليتها العسكرية، يأتي موضوع التركمان في الإقليم ومستقبل الجغرافية التركمانية في كركوك وجوارها، وإنهاء الوجود المسلح لحزب العمال الكردستاني في قنديل وسنجار هاجس أنقرة الأول.

المراهنة التركية الخاسرة على بارزاني
استثمر اردوغان زيارة بارزاني لتهدئة الاكراد في ديار بكر التركية 2013

قبيل الاستفتاء كان وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو قد زار بارزاني في مقره في شمال العراق ، وتحدث معه بشأن الاستفتاء وأكد على أن بلاده تؤمن بحقوق الشعب الكردستاني وتتفهم الأزمة ومعاناتها، مستدركا أن بلاده ترى بان إجراء الاستفتاء في هذا الوقت قد يخلق المشكلات ويعرض استقرار المنطقة إلى المخاطر.
من جانبه شرح بارزاني بإسهاب الأسباب التي دفعته لأجراء الاستفتاء وأن يخطو نحو الاستقلال رافضا بشكل قطعي الطلب التركي لالغائه وهو الموقف المتشنج الذي اثار حفيظة تركيا على اعلى المستويات ودفعت اردوغان لاطلاق تصريحات متشددة ضد خطط بارزاني.
بعد تلك الزيارة ونتائجها المخيبة للامال صرح رئيس الوزراء التركي بن على يلدريم :"إن الحكومة التركية حذرت مسعود بارزاني ولكنه لم يفهم، ولكن سوف نتحدث معه باللغة التي يفهمها جيدا".
ما الذي جناه مسعود بارزاني وما الذي جناه الحليف التركي من الاستفتاء كمحصلة نهائية؟
لا شك انه كشف انتهازية الطرفين وان كل منهما كان يتعامل مع الطرف الاخر على أساس مساحة من المصالح الضيقة والانية فتركيا راضية عن بارزاني مادام يؤمن لها امران: الأول هو مساندتها في قتال أبناء جلدتهم الاكراد من تنظيم بي كا كا وتقديم جميع التسهيلات على الأرض والمعلومات الاستخبارية عن تحركات مسلحي التنظيم اما الامر الثاني فهو مساحة المصالح الاقتصادية وبما فيها تصدير نفط الإقليم واستثمارات الشركات التركية في شمال العراق.
اما بارزاني فقد كان يوفر كل تلك الخدمات في مقابل ما يجنيه من عوائد مالية وفي سياق مشاكساته مع حكومة بغداد التي لم تكن على الدوام على وئام مع اردوغان ونظامه وبهذا لعب بارزاني على وتر عدو عدوي صديقي لكنه فشل في إتمام اللعبة فضلا عن ان ذلك الفشل فضح مراهنات اردوغان قصيرة الأمد والمتسرعة التي تضر بمصالح تركيا اكثر مما تنفعها.