أكتوبر 16 2017

جان دوندار وثلاثية المبدأ والسجن والمنفى

من يعمل صحفيا في تركيا يجب ان ينتظر السجن، تلك هي الخلاصة التي يقدمها جان دوندار، الصحفي التركي ذائع الصيت الذي تروي سيرته القصيرة والمكثفة جانبا من التراجيديا التي تعيشها الصحافة التركية وحرية التعبير والحريات الصحفية في عهد الاردوغانية الجديدة.

عندما اندلعت احداث حديقة جيزي بمحاذاة ساحة تقسيم الشهيرة في وسط اسطنبول في شهز آيار مايو عام 2013  كان دوندار صحفيا يعمل في صحيفة ميلييت المقرّبة من اردوغان وكان على دوندار أن يغطي اخبار تلك المظاهرات الجماهيرية الحاشدة والقمع الامني بمزيد من الحذر منحازا الى جانب الخطاب الرسمي، لكن دوندار كان يطلق لقلمه العنان ويمس نقاطا حساسة تتعلق بالحقوق والحريّات في ابسط تعريفاتها وبديهياتها وتفشي ظاهرة الاستخدام المفرط للقوة من طرف سلطات الامن في وجه متظاهرين سلميين يطالبون بالابقاء على رمز حيوي من رموز مدينتهم اسطنبول ان لا يجري تجريف المتنزه لانشاء مول ضخم على ارضه. 

تسارع ادارة  صحيفة ميلييت الي اتهام دوندار بأنه يكتب بطريقة حادة وتحريضية لتبدأ سلسلة تصاعدية من المضايقات انتهت بدوندار  الي ترك صحيفة ميلييت والالتحاق بصحيفة جمهورييت اليسارية وهنا وجد دوندار ضالته في الكتابة في مواجهة حكم اردوغان وقبضته الحديدية وممارسات اجهزته القمعية.

خلال ذلك كان دوندار المؤلف و الباحث المتعمّق يواصل مشواره في تأكيد قيم الجمهورية التركية التي لاتعني بالضرورة العبودية لا للنموذج الاتاوركي ولا الاردوغاني وانما النموذج التقدمي غير المنغلق ولا الشوفيني المتصعب.

في مطلع العام 2015 عندما اصبح دوندار رئيسا لتحرير صحيفة جمهورييت، كانت الحرب في سوريا مشتعلة الى اقصاها وكان الدور التركي في اسناد التنظيمات الارهابية لا يخفى على أحد بل كان مطار اتاتورك منفذا معروفا لمرور مئات الارهابيين القادمين من انحاء العالم وكانت المخابرات التركية هي التي تؤمن سلامتهم وتنقلهم الى داخل سوريا لتقوية تنظيم داعش الارهابي وغيرها من التنظيمات الارهابية التي كانت سياسة اردوغان تري فيهم ادادة ضاربة لفرض امر واقع على الارض السورية سيججني ثماره فيما بعد كمثل تصريحه انه ينتظر بفارغ الصبر يوم الصلاة في مساجد حلب اي عندما يقدم له الارهابيون تلك المدينة على طبق من ذهب.

اسراف ودوغمائية ممزوجة بشوفينية اسلاموية ضلت مثل كابوس يؤرق التقدميين الاتراك الذين صاروا يلامسون واقعا مختلفا تتجبّر فيه السلطات وتتضخم اجهزتها الضاربة لتشكيل وعي تركي احادي الجانب تمثل بشكل مشوّه في مقاربة الازمة المصرية والسجال الساذج الذي خاضه اردوغان دفاعا عن الحكم الاخواني.

ظل هذا الواقع يؤرق دوندار ويثير حفيظته: لماذا التحالف مع عصبة من الارهابيين على الارض السورية  ، لماذا محاولة فرض نموذج تركي اسلاموي مشوّه، ما هي الاهداف وما هي النتائج وما الذي سوف تجنيه تركيا؟.

اسئلة ظلت تدور في عقل دوندار ليتوجها بتقديم ادلة دامغة على تورط الحكومة في تسهيل مهمة الارهابيين وتزويدهم بأحدث الاسلحة عن طريق قوافل تحت يافطات المساعدات الانسانية بينما هي كانت شحنات اسلحة مرسلة من تركيا الى الارهابيين عبر الحدود.

يظهر الرئيس التركي ساخطا متشددا وهو يتحدث مباشرة الي دوندار ولكن من غير ان يسميه بالاسم: ستدفع الثمن باهظا.

مباشرة يلقى القبض على دوندار ويزج بالسجن في اواخر العام 2014 ويبقى قابعا فيه لاكثر من ثلاثة شهور وليصرّح ابان التحقيقات معه "سنسلط الضوء على جرائم الدولة. لن ندافع عن أنفسنا، سنفضح جرائم ، إذا كنت صحفيا في تركيا، فالدخول إلى السجن هو جزء من مهنتك".

وأضاف "لكن نحن صحفيون، ولسنا موظفين في خدمة الدولة. واجبنا هو إيصال المعلومة إلى الجمهور حول الأفعال غير القانونية للحكومة".

دوندار الذي اطلقت المحكمة سراحه شرطيّا في اواخر شباط فبراير 2015 استطاع الوصول الى المانيا طالبا اللجواء فيها ومواصلا مسيرته لتلاحقه عقوبة سجنية امدها 6 سنوات وصراخ هستيري من طرف اجهزة النظام بضرورة جلبه عن طريق الشرطة الدولية لكن دوندار يتوقّع لنفسه ما هو اكبر وافضع، أن يجري تلفيق ملف له بأنه كان طرفا في مسرحية انقلاب الخامس عشر من تموز يوليو ضد اردوغان.