أكتوبر 16 2017

أردوغان يغرق في إشكاليّة "السفير الأرعن"

لم يكن مألوفا في المصطلحات الدبلوماسية السائدة على مستوى العالم الإغراق في الجدل الدبلوماسي الى درجة الخروج على السيطرة هذا الذي شهد الرأي العام التركي والعالمي فصوله في السجال الذي اشعله الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مؤخرا عشيّة أزمة التأشيرات التي اندلعت بين الولايات المتحدة وتركيا.
ببساطة شديدة حسبها أردوغان من فيض معرفتِه العميقة بالدبلوماسية وكيف تسيّر دولة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية علاقاتها وتقاليدها الدبلوماسية الممتدة عقودا طوالا واذا بها تختصر في إشكالية "سفير أرعن" يجب طرده فتستعيد العلاقات بين الطرفين عافيتها وهذه هي كل القصة في عُرف الرئيس التركي وعلى الرأي العام كلّه الرضا والتسليم بالقصة برمتها.
يصرف الرئيس التركي الأنظار ويحرف تغطيات الاعلام عن مسارها ويحصر الامر من وجهة نظره في سفير نزق ومتهوّر لكن ما لم يكن في حسبان الرئيس التركي ان تعلن اميركا على اعلى المستويات ان قرار إيقاف التأشيرات كان قرارا سياديّا وأن الحكومة الأميركية كانت على اتصالٍ وتشاور  دائم مع سفيرها جون باس.
مع كل هذه الحقائق الدامغة ظل الرئيس التركي مصمما على توبيخ السفير الأميركي والامتناع عن استقباله لمناسبة انتهاء مهام عمله فضلا عن منع المؤسسات التركية عن التعامل معه.
لا تخفي أوساط السفارة الأميركية شعورها بالصدمة من جراء القاء القبض التعسفي على احد موظفيها الاتراك الذي كان له دور في التعاون في مجال مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة.
لم تجد أوساط السفارة الأميركية في انقرة ما يشوب سلوك موظفها التركي فكيف وقد الصقت به السلطات التركية تهمة التجسس التي تتبعها من دون شك عقوبة ثقيلة.
هذه الفوضى الدبلوماسية  والغبار المتصاعد منها ليست جديدة  على سلوك اردوغان ومواقفه وتصريحاته فالساحات تشهد له عراكا دبلوماسيا متواصلا شمل شريحة عريضة من الزعامات والمسؤولين من العراق الى هولندا الى مصر الى اميركا الى فرنسا الى أمريكا اللاتينية فالدبلوماسية في عرف الرئيس مبتلاة بالرعونة.
وخلال ذلك كانت الخارجية التركية مجرد صدى لصراخ الرئيس فهي تقتفي اثر عراكه وتطلق عقيرتها بمزيد من التهديد والوعيد وهو ما كان يُرضي الرئيس وينعش فيه تلك النزعة التي تفهم الدبلوماسية على انها اشبه بعراك البلطجية والتشاتم فيما بينهم.
القرارات الفوقية الانفعالية المتعجلة ظلت على الدوام علامة فارقة في سلوك اردوغان حتى حسب ان تلك هي الدبلوماسية التي يريد فرضها على العالم اجمع كما فرضها على الخارجية التركية.
الإشكالية المركبة التي تتعلق بالسلوك الدبلوماسي التركي وبمعنى ادق علاقات تركيا الدبلوماسية مع الخارج ومنها الولايات المتحدة أصبحت مشكلة حقيقية ، فالاتهامات المتراكمة التي تسمعها الإدارة الأميركية بشكل شبه يومي والتلميح بدعمها للمتمردين الاكراد فضلا عن ايوائها من تسميه تركيا الرسمية انه زعيم إرهابي والمقصود بالطبع فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية وهو الذي يستميت أردوغان من اجل جلبه لا من اجل استجوابه او محاكمته بل ربما من اجل اعدامه باتهامه بالخيانة العظمى لاسيما وان المزاج التركي العام صار يكرر صورة نمطية انتجها فريق أردوغان الا وهي صورة غولن مشنوقا وهي الصورة التي تكررت في العديد من التظاهرات التي كان ينظمها حزب أردوغان وموالوه.
الدبلوماسية العاجزة عن الإحاطة بالمشهد والاتهامات الفاقعة بالعمالة وارتكاب الخيانة العظمى كلها صارت علامات فارقة للدبلوماسية التركية حتى توجها أردوغان بمصطلح غير مسبوق ولا مألوف في العرف الدبلوماسي الا وهو مصطلح السفير الأرعن الذي تتحير الأوساط الدبلوماسية في ترجمته و تخريجه وإيجاد منطق ما لتفسيره.