أكتوبر 16 2017

المواطن التركي بوصفه مشروع اعتقال

لا تكاد تبتعد كثيرا عن رواية جورج اورويل 1984 وانت تشهد تشكّل المجتمع التوتالياتري الذي يسهر اردوغان ورهطه على تأسيسه مستخدما كافة امكانات الدولة التركية.
هنا في الرواية لا صوت يعلو على صوت الاخ الاكبر وفي تركيا لا صوت يعلو على صوت اردوغان فما يقوله هو الصواب وهو في مصلحة الامة التركية وهو البديل وهو المنقذ وهو كل شيء.
الكل يتشابهون اولئك الافراد الذين رسمهم جورج اورويل روائيا وهنا في طول تركيا وعرضها تمّة صورة نمطية للمواطن التركي الذي يجب ان يتبع رئيسه المحترم ولا يعصي له أمرا ابدا وينظر بعين الريبة لخصوم المسيرة العظيمة لحزب العدالة والتنمية.
في المقابل فأن خصوم المسيرة كثرٌ ويجب الاقتصاص منهم بشتي الطرق والوسائل لكي يبقى الوطن التركي للاردوغانيين الخلّص فقط وعلى هذا صار المجتمع بأسره والافراد هم مشروع اعتقال لا يعصم اي مواطن تركي لا عمره ولا موقعه ولا تاريخه ولا انتماؤه فالاوامر البوليسية من الممكن ان تصدر في أية لحظة ومن دون سابق انذار ولا اشعار ، مشهد تكرر عشرات الوف المرات في جميع المحافظات التركية حتى غصّت السجون التركية بمن يسمّيهم اعلام اردوغان الخونة والمارقين.
ولن يكتفي اردوغان بذلك بل سينزل بنفسه الى الميدان رافعا اكثر من 1800 دعوى قضائية ضد خصومه او من انتقدوه سواء في مقالات في الصحف ومواقع الانترنيت او من خلال برامج تلفزيونية او مجردة تعليقات او تغريدات في وسائل التواصل الاجتماعي ونتج عن ذلك الزج بعشرات من خصوم الرئيس في السجون بل انه تمادى باتجاه خصوم آخرين في خارج البلاد كما فعل في مقاضاته الممثل الكوميدي الالماني يان بويرمان بسبب نشره قصيدة تسخر من اردوغان.

 ما عرف بالمحاولة الانقلابية التي وقعت في منتصف تموز يوليو 2016 كانت فرصة سانحة لاردوغان للاجهاز على الشعب برمته وشن حملات تطهير واسعة النطاق حيث منح نفسه صلاحيات مفتوحة من خلال فرض  حالة الطوارئ وعلى اثرها بدأت حملة قمع واسعة واعتقل أكثر من 43 ألف شخص ولا تزال حالة الطوارئ قائمة مع بدء المحاكمات في اكبر عملية قضائية في تاريخ البلاد.

 في سينكان قرب العاصمة التركية أنقرة تمت محاكمة 330 شخصا يشتبه بكونهم ضالعين في محاولة الانقلاب الفاشلة وقد حكم عليهم بالسجن المؤبد.

لم يكتف الرئيس التركي بعقوبة المؤبد فقد لمح مؤخرا بإمكانية إجراء استفتاء على إعادة العمل بعقوبة الإعدام، وتعني هذه الخطوة نهاية محادثات انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي. بعد ان الغيت تلك منذ ما يقارب الاثنى عشر عام في إطار ترشيح أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

تقول الأمم المتحدة إن نحو 2000 شخص قتلوا وإن أحياء كاملة دمرت في جنوب شرق تركيا خلال 18 شهرا من العمليات الأمنية التي شنتها الحكومة والتي شابها دمار هائل وانتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وبحسب مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان في تقرير عن الفترة بين يوليو تموز 2015 وحتى ديسمبر كانون الأول 2016 إن ما يصل إلى 500 ألف شخص معظمهم أكراد نزحوا عن ديارهم بينما أظهرت صور بالأقمار الصناعية نطاقا هائلا للدمار الذي لحق بالمساكن بسبب استخدام الأسلحة الثقيلة.

ووثق محققو الأمم المتحدة عددا كبيرا من عمليات القتل والاختفاء والتعذيب إلى جانب انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان. ووقعت أشد الانتهاكات خلال فترات حظر التجول التي فرضت لعدة أيام في ذلك الوقت. وقال التقرير إن تركيا رفضت دخول المحققين إلى المناطق المعنية.

وقال روبرت كولفيل المتحدث باسم المفوض السامي إن التحقيق يمكن أن يكون دوليا أو تركيَّا لكن يتعين أن يكون مستقلا ومحايدا. وأضاف أن الأمم المتحدة ستواصل التحقيق وقد تنشر تقارير عن تركيا كل ثلاثة أشهر أو نحو ذلك مشيرا إلى أن العمليات الأمنية مستمرة على فترات متقطعة بحسب رويترز.

ويضيف التقرير أن من بين حالات القتل الموثقة مقتل ما يصل إلى 189 شخصا حوصروا لأسابيع في أقبية ببلدة الجزيرة في أوائل 2016 دون مياه أو طعام أو رعاية صحية أو كهرباء إلى أن لقوا حتفهم بنيران ناجمة عن قصف. وقال التقرير إن هناك أسرة تسلمت "ثلاث قطع صغيرة من اللحم المتفحم" أشار تحليل الحمض النووي إنها كل ما تبقى من جثة ابنتها وتم توجيه اتهام لشقيقتها التي كانت قد طالبت باتخاذ إجراء قانوني بارتكاب جرائم ذات صلة بالإرهاب.

في المقابل لن يهدأ اردوغان من نزعته الثأرية ضد خصوم اليوم وحلفاء الامس خاصة ضد اتباع خصمه اللدود فتح الله غولن الذي كان بالامس هو ملهمه ومعلمه وهو الذي كان أحد اسباب ما وصل اليه من مناصب سياسية ، لكنه اندفع ناكثا العهود فتخلص من اتباعه واحدا بعد الاخر ليخلو له الحكم حاكما بأمره في قصره المنيف لا يكاد يمر يوم  من دون ان تكون له صولات جديدة ضد خصومه وهو ينتظر بفارغ الصبر زج المزيد منهم في السجون وايقاع اشد العقوبات قسوة في حقهم وهو ما يسعى اليه في ايقاع عقوبة الاعدام بحق المشاركين في المحاولة الانقلابية.

من جهة اخرى تحمل وسائل اعلام اردوغان في كل يوم تقريبا اخبار اعتقال مشتبه بهم جدد يتبعون من يسمون الكيان الموازي او المتهمين بالتجسس والارهاب وجلهم مناوئين شرسين لسياسة اردوغان وبهذا صار المجتمع برمته هو مشروع اعتقال ومن الممكن لاي مواطن تركي ان يتم تقييده بالاصفاد ورميه في السجون رجلا كان او امرأة وبالرغم من ان تلك السجون غصت بعشرات الوف الاتراك بتهم مختلفة الا ان اردوغان لم ينته من وليمته بعد  في الاجهاز على المزيد سجنا وتشريدا.

 .