أكتوبر 16 2017

الخروج من الوهم

بحماس ملفت للنظر انجذبت مساحات لا يستهان بها من الرأي العام العربي الى ممارسات لم تكن مألوفة اقدم عليها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان ، فقد صنع بشكل محبوك ومحكم قصة حصار السفينة مرمرة التي راح ضحية احتجازها والهجوم عليها في شهر ايار مايو 2010 العديد من المتضامنين الاتراك بشكل خاص ومعهم عدد من الجرحى.
قبل ذلك وفي اواخر  شهر كانون الثاني يناير 2009 كان اردوغان قد افتعل معركة كلامية حامية مع الرئيس الاسرائيلي شيمون بيريز ابان احدى ندوات منتدى دافوس في سويسرا وكانت مسرحية ممتعة لجمهور متحمّس اعاد لاذهان العامّة شخصية البطل العثماني الاسطوري الذي اقدم على فعل عجز عنه عامة الحكّام العرب وانطلت اللعبة المحكمة على الرأي العام واستقبل اردوغان استقبال الابطال في مطار اتاتورك بعد تركه اعمال مؤتمر دافوس ليعود بالنصر والظفر الذي عشش في اذهان جمهور متعطش لمثل تلك الكاريزما.
اما الحلقة الثالثة في ذلك الهياج الانفعالي المسرحي المحبوك لاصطياد جمهور يبحث عن كاريزما بمواصفات اردوغانية فقد تمثلّت في الاستثمار فيما عرف بثورات الربيع العربي وصعود التيار الاخواني وخاصة في مصر وتونس وهما الساحتان اللتان اراد اردوغان الاستثمار فيهما على اوسع نطاق ممكن لكن اسقاط حكم الاخوان في تموز يوليو 2013 كان فرصة سانحة لاردوغان للاستثمار في الازمة ، من منطلق مناصرة المظلوم على الظالم ومنذ تلك اللحظة واردوغان يطلق اصابع كفه الاربعة كناية عن مسجد رابعة الاخواني في مصر الذي تحوّل الى علامة على ما يعرف بالقمع الدذي تعرض له جمهورهم بفض اعتصامهم المعروف في مسجد رابعة في القاهرة.
ما يجمع هذه الاحداث الثلاثة أنها أسست افتراضيا لشخصية كارزمية وجد فيها جمهور عربي متعطش للخيال الرومانسي الكارزمي بديلا خياليا بالدرجة الاولى وبعيد عن الواقعية ، ظاهرة مسرحية واداء تمثيلي حماسي أجج في ذلك الجمهور رغبة جامحة في تبني النموذج الاردوغاني لحزب العدالة والتمنية بوصفه بديلا عن حالة الاحباط التي يعيشها العالم العربي.
كان اردوغان وبالرغم من العلاقات الاستراتيجية الوثيقة مع اسرائيل في السر والعلن مطالبا بالمضي في فصول المسرحية الى نهايتها مع تحمل بعض العواقب المؤقتة ومع استمرار ارسال الرسائل الودية لاسرائيل لكي يعاد حبل الود والوصال في اقرب الاجال وهو ما شهدناه لاحقا.
ومع افتضاح تلك المسرحية الا ان الدوغمائية  الأخوانية زادت من الرضا بالمتناقضات الصارخة التي انطوت عليها شخصية اردوغان ، فهو من جهة راضخ لمبادئ الدولة العلمانية الاتاتوركية بكل حذافيرها بما فيها الحريات الفردية والزواج المدني والمساكنة من دون زواج واباحة المشروبات الروحية ونوادي القمار والدعارة وغير ذلك كثير مما لا علاقة له بالخيال الرومانسي الاسلاموي ، ومن جهة اخرى يمثل دور الرائد في المزاوجة بين الاسلام والديموقراطية في نظر اتباعه.
نموذج حزب العدالة والتنمية بكل ما انطوى عليه من متناقضات ظل التيار الاخواني يروّج له بصرف النظر عن ما يواجهه اردوغان نفسه من مصاعب في فرض الامر الواقع على الشعب التركي ولو بالقوة وهو ما صار يأخذ منحى تصاعديا منذ احداث ساحة تقسيم 2013 وحتى الان.

 لا يكاد يخلو يوم من حياة الاتراك منذ ذلك التاريخ وحتى الساعة من اخبار اعتقالات وسجون وتعذيب وطرد من الوظائف وحملات تشهير وكراهية وانقسام مجتمعي خطير ثم كانت مسرحية الانقلاب العسكري المزعوم في الخامس عشر من تموز يوليو من العام الماضي هي مسك الختام اذ تحت خيمتها طبق اردوغان سياسة تطهير مجتمعية غير مسبوقة ومع ذلك ظلت الابواق الاخوانية ترحب بأجراءات اردوغان القمعية والقاء عشرات الالوف في السجون بالوشايات والضنّة والتهم الكيدية والاستدراج والخداع مما هو ليس خاف على المجتمع التركي.
مريض الوهم هي احدى مسرحيّات الكاتب الفرنسي الساخر موليير ومن روائعه ايضا وهي تكرّس في مضمونها من يعيش في وهم سواء اكان مرضيا او غيره وانه يجب ان يخضع الى امتحان عسير لكي يدرك كم هو غارق في الوهم وكم هو ضروري ان يخرج منه وكذلك محاولة الخروج من الوهم الذي تمثله الظاهرة الاردوغانية المزيفة.