أكتوبر 17 2017

زمان قصّة نجاح صحافي وفشل سلطوي

لا يمكن الخوض في مسار الصحافة التركية من دون المرور بقصّة صحيفة زمان والفصول الدراماتيكية التي رافقتها من التألق وقمة النجاح الى الوقوع في قبضة الدكتاتورية الاردوغانية وكتم انفاس الصحيفة نهائيا.
خلال ذلك مرّ صحفيو زمان بمراحل ترهيب لم تنته الا باعتقال العشرات منهم على فترات متباعدة ، وكانت تلك مجرد البداية لاستصدار اوامر قضائية بقبر زمان نهائيا والتخلّص من كابوسها الذي اقضّ مضجع اردوغان.
قصّة نجاح زمان بصرف النظر عن الاتهامات التي ظل يطلقها اردوغان وفريقه بأنها تعبّر عن وجهة نظر الكيان الموازي اي بتوجيه من عدو اروغان اللدود فتح الله غولن وحركة خدمة الا ان ملامح قصة النجاح تلك تمثلت في بلوغ هذه الصحيفة ما لم تبلغه ايّة صحيفة أخرى من الصحف التركية.
من العلامات المضيئة لهذه الصحيفة العريقة انها قاربت المليون نسخة توزيعا في عموم تركيا وهو ما لم تبلغه صحيفة تركية غيرها كما أن زمان كانت تصل الى جمهور تركي عريض وجاليات تركية وناطقين بالتركية في العديد من العواصم العالمية
فقد كانت توزع في كل من استراليا واذربيجان وبلغاريا والمانيا ورومانيا وكازاخستان وقرغيزستان ومقدونيا وتركمانستان.
وكانت تصدر بالعديد من اللغات هي القرغيزية والرومانية والبلغارية والاذرية والازبكية والكازاخية فضلا عن طبعة باللغة الانجليزية كانت قد صدرت عام 2007.
هذه الحصيلة والمسيرة الناجحة قدمت خلاصة قصة نجاح ملفت للنظر وغير مسبوق استنادا الى أداء طواقم تحرير عالية الاحتراف وذلك غير مسبوق على صعيد الصحافة التركية.
ولعل الحدث الأبرز الذي اغاظ السلطات التركية فيما يتعلق بتغطيات ومواقف الصحيفة هو تسليطها الضوء على  التسريبات التي ظهرت في العام 2013 والتي افتضح فيها ارتشاء وصفقات فساد في الطبقة الأقرب للرئيس التركي رجب طيب اردوغان وبمن فيهم من اسرته ومنذ ذلك الحين بدأت الحملات الشرسة لأذرع اردوغان ضد الصحيفة.
لم يكن صباح الرابع عشر من ديسمبر كانون الأول 2014 عاديا عندما داهمت قوات الأمن مقر الصحيفة وعلى الفور اعتقلت اكثر من عشرين من المع صحفييها وبمن فيهم رئيس التحرير اكرم دومنلي وعلى اثر ذلك انطلقت ادانات دولية رفضت تلك الممارسات التعسفية التي لاحقت الصحافة والصحافيين ملصقة بهم تهما متكررة تتعلق بالإرهاب.
لم تنقطع التظاهرات والاعتصامات العارمة سواء امام مقر الصحيفة او امام قصر العدل في إسطنبول وتجمعت حشود رفعت لافتات تطالب باطلاق سراح صحفيي زمان وإعادة إصدارها مجددا.
لم يفلح الرأي العام التركي في داخل تركيا وخارجها في ثني السلطات عمّا ارتكبته بحق الصحيفة بل توجت ذلك كله بوضع اليد والاستحواذ الكامل على الصحيفة بأوامر قضائية وذلك في مطلع آذار مارس 2016 .
بعد ذلك ببضعة أيام كانت صحيفة زمان قد ظهرت بحلّة أخرى ومضمون مختلف بعد استحواذ الحكومة وسيطرتها عليها وصارت حالها حال باقي الصحف الرسمية الخاضعة لسلطة الحكومة مكرسة لتلميع صورة اردوغان والدفاع عن سياساته.
لم تنته فصول قصة صحيفة زمان عند هذا الحد بل ظل يقبع في السجون التركية اكثر من عشرين من صحفييها في السجون حتى كتابة هذه السطور بانتظار محاكمتهم باتهامهم بالأنتماء الى تنظيم إرهابي مسلح ومحاولة الإطاحة بالحكومة والبرلمان والنظام الدستوري عبرارتباطهم برجل الدين فتح الله كولن.
من بين من واكبوا تلك الرحلة الشاقة للصحيفة في مواجهة السلطات كانت سيفغي أكارسيزم التي شغلت من قبل موقع رئيس تحرير النسخة الإنجليزية وكانت تعوّ ل على أمل ان لا تطال الإجراءات الحكومية النسخة الإنجليزية من الصحيفة لكنها فوجئت ان الحملة الشرسة وحرف مسار الصحيفة قد شمل كل ما يتعلق بزمان وطبعاتها المتعددة.
حزمت سيغفي حقائبها ورحلت الى بروكسل الى غير ما رجعة على أمل ان تعيد اصدار الصحيفة من اوربا بعيدا عن رقابة وسيطرة الحكومة التركية والرئيس التركي شخصيا.
في مقابلة لها مع موقع صوت المانيا تتحدث سيفغي عن حقيقة الهلع الذي ضرب اركان النظام بسبب نشر ملفات الفساد في العام2013 والتي اقضت مضاجع النظام وافقدته توازنه فاندفع بتهور مستهدفا الصحافيين والمنابر الصحفية التي فضحت ذلك التاريخ المشين من الفساد والاستحواذ على المال العام وشبكات المصالح في مقابل الإيقاع بالخصوم والانتقام منهم بشتى صور الانتقام.
في اعقاب ما جرى لصحيفة زمان وصحفييها وكذلك ما جرى لصحيفة جمهورييت واستنادا الى مجمل المسار الذي سارت بموجبه السلطات التركية مع قضية الصحافة لم يكن مستغربا ان تدرج تركيا في التسلسل 149 للحريات الصحفية في قائمة من 180 بلدا لتحتل تركيا هذا الموقع المتدني.
 تعلق سيفغي على تلك النتيجة قائلة ان الواقع هو أسوأ بكثير وحملات التخويف والترهيب تجاوزت المنطق والمعقول الى الالقاء في السجون بتهم كيدية ونزعات انتقامية.
يروي من تبقى من صحفيي زمان بعد الاستحواذ عليها من طرف حكومة اردوغان انهم اجبروا من طرف الشرطة على الالتحاق بمكاتبهم في الصحيفة وتم ادخالهم تباعا الى المبنى عنوة وطولبوا بالقيام بمهامهم بشكل طبيعي ثم جيء برئيس تحرير مساند للرئيس التركي ومدافعا عن سياساته.
هكذا تم صنع صحيفة مسخ لا علاقة لها بأصل صحيفة زمان التي كانت وستبقى ايقونة الصحافة التركية بصرف النظر عن الاتهامات الرسمية من طرف السلطات التركية بارتباطها بتوجهات رجل الدين فتح الله غولن لكن مسار الصحيفة وتاريخها الطويل ونجاحها المشهود كان دليلا على تاريخ من النجاح سطرته الزمان عبر الزمان.

الاحتجاجات لم توقف تغوّل السلطات ضد الصحيفة
الاحتجاجات لم توقف تغوّل السلطات ضد الصحيفة