نساء تحت وطأة العنف وتشريعات لا تحميهن

تشكل ظاهرة العنف ضد المرأة واحدة من الظواهر الإجتماعية الخطيرة التي ما يزال المجتمع التركي يرزح تحتها في ظل تشريعات غائبة تحميهن من ذلك الوباء الاجتماعي الفتاك.

ويعد العام 2020 من الأعوام الأشد عنفا ضد المرأة في مجتمع ما تزال طبقات منه تمارس نوعا من السيطرة والاستبداد المفضي الى استخدام العنف.

ووصل العنف ضد المرأة في تركيا إلى مستويات مأساوية، حيث تشير الأرقام إلى مقتل أكثر من امرأة على الأقل يومياً، وسط صمت حكومي وذلك بحسب احصاءات رسمية.

وبحسب موقع مختص بتوثيق أسماء السيدات القتلى نتيجة جرائم في عموم تركيا، فإن عام 2020 شهد حتى الآن مقتل 125 سيدة، بينما شهد عام 2019 مقتل 416، وعام 2018 مقتل 403، وهي إحصائيات لم تؤكدها الجهات الرسمية في البلاد، لكن الكثير من المؤسسات الحقوقية تتحدث عما متوسطة وقوع جريمة قتل واحدة يومياً في البلاد..

“النساء يمتن في تركيا والمشكلة تزداد سوءا، واقع رصدته صوفيا جونز ونيكول تونغ ضمن تحقيق نشرته مجلة سياسات دولية (فورين أفيرز) بالتعاون مع المؤسسة الإعلامية الدولية للمرأة ومشروع فولر الدولي للإبلاغ. ويوثق التحقيق، من خلال قصة عايدة التركية التي قتلها زوجها، والعنف المسلط ضد النساء في تركيا حيث لا أحد يمتثل لقوانين العنف ضد المرأة، في ظاهرة يحذّر الحقوقيون والمهتمون بهذه القضية من أنها في تصاعد خطير.

المرأة

العنف ضد المرأة لم تقابله السلطات بما يتناسب مع جسامة الظاهرة 

ومن هذه الجرائم حادثة طالبة ذات العشرين عاما ضُربت بالعصا وأُحرقت وألقي بها في النهر من قبل سائق حافلة حاول اغتصابها. وقصة مذيعة الأخبار التي ضربها زوجها بقوة إلى درجة أنها أصبحت مشلولة، وحدث ذلك بعد وضعها مولودا بوقت قصير. وأيضا حكاية تلك المرأة التي أطلق عليها زوجها الرصاص في قاعة حلاقة وقتلها بعد أن أطلقت الشرطة سراحه وتحدّى أمرا بتقييد تحركاته.

يقول الأتراك المناضلون من أجل المساواة بين الجنسين إن المحاكم كثيرا ما تنحاز ضد النساء. إذ بإمكان القضاة تقليص الأحكام ضد القتلة والمعتدين بناء على تقديرهم الخاص، فمثلا إذا قام رجل بتبرير عنفه بالادعاء أن زوجته كانت تخونه أو كانت تلبس بطريقة غير لائقة، أو إذا كان سلوكه جيدا في قاعة المحكمة.

ولدى تركيا عموما إجراءات صارمة لحماية النساء في شكل قوانين مكتوبة، لكن المشكلة تتمثل في أن الكثير من القوانين ليست مفعّلة. هذا بالرغم من بعض المكاسب القانونية البارزة، ففي سنة 2012 مثلا وسّعت تركيا في قانون العنف المنزلي ليشمل المرأة غير المتزوجة (في السابق كانت النساء المتزوجات فقط محميات من العنف المنزلي). كما أعطى هذا القانون السلطة لضباط الشرطة عند التعامل مع حالات العنف المنزلي، لكن دون تفعيل لا يقدم القانون حماية تذكر للنساء.

وترى ناشطات ومدافعات عن حقوق المرأة أن جزءا كبيرا من المسؤولية عن حدوث ذلك يقع على عاتق الحكومة الإسلامية المحافظة وعلى الرئيس رجب طيب أردوغان الذي أعلن في أكثر من مناسبة عن آرائه الصادمة تجاه المرأة.

ورغم تجاوب الحكومة مع دعوات السياسيين في الفترة الاخيرة، مازال العديد من النساء التركيات يعتقدن أن تصاعد معدلات العنف ضدهن يرتبط بسياسات أو خطاب الحزب الحاكم في تركيا.

وقالت المحامية هوليا غولبهار التي تتولى الدفاع عن قضايا المرأة  "أن الحكومة دأبت على إطلاق تصريحات دعائية مثل (النساء والرجال مختلفون بطبيعتهم) أو (الأمومة هي دور مقدس للنساء)، ولذا فإننا نواجه عنفا سياسيا هنا".

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال في تصريحات سابقة  إن "النساء لا يمكن معاملتهن على قدم المساواة مع الرجال".

وأكدت الناشطة الحقوقية التركية فيجان ايروزان، أنها، وعدد من الحقوقيين، ينظمون حملات على وسائل التواصل الاجتماعي وبالشوارع؛ لرفض حالة الصمت تجاه ملف العنف ضد المرأة، وتساهل السلطات معه.

اردوغان

المظاهرات والتجمعات والبيانات المطالبة بحماية المرأة من العنف المنزلي لم تتوقف فيما تحشد الحكومة جمهورها للتغطية على الظاهرة

واكدت أنه، ورغم التهديدات الموجهة للناشطات في المجال، "إلَّا أنه لا وسيلة لنا سوى مواصلة المشوار، وكسر حاجز الصمت؛ لإجبار الحكومة على تطبيق القوانين بحزم وجدية».

ويعتبر نشطاء حقوق المرأة أن مثل هذه التصريحات غير ذات مصداقية، خاصة وأن الحكومة التركية قد اتخذت مؤخراً موقفا ضد ما يسمى اتفاقية إسطنبول. أٌبرمت اتفاقية مجلس أوروبا لعام 2011 للحد من العنف ضد المرأة، وبالأخص العنف المنزلي، وتعزيز المساواة بين الرجل والمرأة. وكانت تركيا الدولة الأولى التي وقعت على تلك المعاهدة وجعلتها سارية قانونيا باسم "قانون منع العنف ضد المرأة وحماية الأسرة". يرى النشطاء أن تنفيذ اتفاقية إسطنبول وسيلة مهمة وفعالة للحد من العنف ضد المرأة. وتعهدت الدول الموقعة بتهيئة الظروف المناسبة لذك، ولكن من الناحية العملية لم يتم تطبيق القواعد القانونية لاتفاقية إسطنبول. كما لم يتم تنفيذ العروض المقترحة لتقديم المساعدة والحماية للنساء. ولهذا السبب شكل المؤتمر الذي تم تبنيه قبل تسع سنوات الموضوع الرئيسي خلال المظاهرات التي شهدتها تركيا هذا الأسبوع.

وتجمع البيانات المتعلقة بالوفيات من التقارير الإخبارية وأسر الضحايا، من قبل مجموعة حملة "سنوقف قتل النساء"، التي بدأت في تعقب جرائم قتل النساء بعد أن اعترفت الحكومة بأنها لم تحتفظ بسجلات. والإحصاءات الحكومية المتعلقة بالعنف ضد المرأة الموجودة غير موثوقة وغالباً ما تختلف من مقاطعة إلى أخرى.