نزاع قره باغ ليس "حربا بالوكالة"

انتقد المرشح الديمقراطي للانتخابات الأميركية، جو بايدن، إدارة ترامب يوم الثلاثاء لفشلها في بذل جهود دبلوماسية لوقف القتال في قره باغ، وهي منطقة جبلية في جنوب القوقاز، تتنازع عليها أذربيجان وأرمينيا.

وقال في بيان: "يجب على إدارة ترامب التوقف عن حضن أنقرة. إذ أن تزويدها لأذربيجان بالسلاح والخطاب العدائي الذي يشجع على حل عسكري أمر غير مسؤول."

واستحوذ تدخل تركيا على بعض الاهتمام في واشنطن وأثار مخاوف من أن القتال، الذي بدأ في 27 سبتمبر، قد يجر قوى إقليمية أخرى (بما في ذلك روسيا وإيران) إلى صراع أكبر.

لعبت أنقرة دورا في دعم الهجوم العسكري الأذربيجاني، لكن الزاوية الجيوسياسية ليست المفتاح لفهم النزاع المستمر منذ عقود، والذي ظل دون حل منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.

قد يبدو الصراع من الماضي لمن هم خارج القوقاز، لكن القتال الحالي مدمّر مثل أي حرب حديثة بين الجيوش التقليدية. إذ تسببت القذائف الصاروخية والقصف في وقوع إصابات عسكرية ومدنية على الجانبين. وفر الآلاف من ديارهم، مذكّرين بنزوح مئات الآلاف في التسعينيات. وممّا يثير القلق بشكل خاص استهداف أذربيجان للمناطق المدنية بالقنابل العنقودية التي تقتل عشوائيا وتواصل غير المنفجرة منها التشويه والقتل لسنوات عديدة أخرى.

في الماضي، حدّت تركيا من تدخلها في جنوب القوقاز، لتجنّب ما تعتبره روسيا مجال نفوذها. لكنها عزّزت دعمها للحكومة الأذرية هذا العام، وشمل إجراء مناورات عسكرية مشتركة معها في أغسطس.

ودعا الرؤساء المشاركون الثلاثة لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، روسيا والولايات المتحدة وفرنسا، الطرفين إلى وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات.

في المقابل، غرد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: "مرة أخرى أظهرت أرمينيا، التي شنت هجوما جديدا على أذربيجان، أنها تمثل أكبر تهديد للسلام والاستقرار في المنطقة. يدعم اليوم الشعب التركي، مثلما كان ذلك دائما، أخوته الأذربيجانيين بكل الوسائل".

أثار دعم تركيا المتزايد لأذربيجان ومعاهدة الدفاع المشترك بين روسيا وأرمينيا مخاوف من أن تصبح قره باغ جبهة جديدة في "الحرب بالوكالة" بين تركيا وروسيا، والتي تشمل ليبيا وسوريا بالفعل. وعلى الرغم من أن تركيا وروسيا تعتبران لاعبتين مهمتين في الصراع، إلا أن وصفه كـ"حرب بالوكالة" يحجب الديناميكيات المحلية التي تظل المحرك الأساسي للصراع.

كانت روسيا، التي أدارت الصراع بشكل فعال في الماضي، بطيئة في الانخراط في حل النزاع هذه المرة. فلأن القتال يدور خارج الأراضي المعترف بها كأراضي أرمينية، تقول موسكو إنها ليست مضطرة للتدخل دفاعا عن أرمينيا. كما أنها لا ترى أسبابا مقنعة لمعاقبة أذربيجان، التي تعتبرها من نواح كثيرة نموذجا لدولة ما بعد الاتحاد السوفيتي.

ويبقى نفوذ الولايات المتحدة ضئيلا في قره باغ. وبالتالي، قد تتضاءل قدرتها على المساهمة في المفاوضات كرئيس مشارك لمجموعة مينسك إذا ركزت انتقاداتها على تركيا وأذربيجان، مع اتخاذ خطوات غير مسبوقة تجاه أرمينيا.

في مجلس النواب الأميركي، قدم الديمقراطي آدم شيف والرؤساء المشاركون للكتلة الأرمينية قرارا في 1 أكتوبر "يدين العملية العسكرية الأذربيجانية في قره باغ ويدين التدخل التركي في الصراع". وشارك في مشروع القرار خمسون ديمقراطيا وستة جمهوريين.

يوم الجمعة، ذهب شيف إلى أبعد من ذلك في دعم الموقف الأرمني بقوله: "يجب على الولايات المتحدة أن توضح لأذربيجان وتركيا أنهما إذا استمرتا في هذا العنف بدلا من تبني تسوية سلمية للنزاع، فنحن مستعدون للاعتراف بجمهورية أرتساخ كدولة مستقلة والعمل مع المجتمع الدولي لتحقيق ذلك.

سيكون اعتراف الولايات المتحدة بالجمهورية موضع ترحيب من معظم الأرمن. لكن، لن يؤدي في هذه المرحلة إلا إلى تعقيد الجهود المبذولة لتحقيق تسوية سلمية. فعلى الرغم من أن الفكرة دخلت النقاش في واشنطن، من غير المرجح أن يتم العمل عليها بينما تركز الساحة السياسة الأميركية على الانتخابات الرئاسية.

آرتساخ هو الاسم الذي يطلق على قره باغ في حكومة ستيباناكيرت. وفي العام الماضي، قال رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، "آرتساخ هي أرمينيا، وهذا كل شيء". لكن لا توجد دولة، ولا تعترف حتى أرمينيا بأرتساخ رسميا كدولة مستقلة. إذ ستنظر الحكومة في باكو إلى ذلك على أنه استفزاز كبير، فقد زعمت دائما أن قره باغ لا تزال منطقة تابعة لأذربيجان.

أنتج سقوط الاتحاد السوفياتي عددا من النزاعات المحلية في القوقاز وأماكن أخرى، ولا يزال العديد منها دون حل. ونظرا لوجود هياكل حكم فعلية في العديد من المواقع بما في ذلك قره باغ، غالبًا ما تعتبر هذه النزاعات مجمدة.

لعب الموروث السوفيتي دورا رئيسيا في أصل نزاع قره باغ، لكن وصفه بالـ"صراع المجمّد" يقوض الحقائق الفريدة التي تميزه عن صراعات ما بعد الاتحاد السوفيتي الأخرى.

أعاد مدير برنامج القوقاز بمعهد تشاتام هاوس الملكي، لورانس برويرز، تعريف العلاقة بين أذربيجان وأرمينيا على أنها "تنافس دائم". فبمرور الزمن، لم تظل العلاقة "مجمدة"  بل انحسر العداء وبدت آفاق حل للنزاعات.

يتطلب تحليل الخلاف الحالي، وهو الأسوأ منذ وقف إطلاق النار في 1994، الذي حدد خط التماس الفاصل بين القوات الأرمنية والأذرية، فهم سبب احتفاظ البلدين بموقف متشدد في النزاع.

كانت قره باغ مأهولة بأغلبية أرمنية، وألحقت بجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفياتية في عشرينيات القرن الماضي. واشتكى السكان الأرمن لموسكو من قمع الأرمن في أذربيجان السوفيتية، واكتسبت حركة تقرير المصير زخما في سنوات الاتحاد السوفيتي الأخيرة قبل اندلاع الحرب بين أذربيجان المستقلة حديثا وأرمينيا من 1992 إلى 1994.

ومع ذلك، لا يعد وضع قره باغ حالة واضحة لتقرير السكان الأرمن لمصيرهم في الإقليم. فقد ترك وقف إطلاق النار في 1994 سبع مناطق أذربيجانية أخرى تطوق قره باغ بالكامل على الجانب الأرميني من خط التماس، مما أعطى مصداقية لباكو التي تزعم أن أرمينيا تحتل أراضيها السيادية. وزاد خطاب "الاحتلال" الأذربيجاني من تأجيج انتقال المستوطنين الأرمن إلى مناطق كان يسكنها مئات الآلاف من الأذريين الذين شردتهم الحرب الأولى.

أثار قتال قصير وعنيف على طول خط التماس في يوليو الشعب الأذربيجاني، وأثار احتجاجات كبيرة في باكو وأماكن أخرى. وكان من مصلحة الرئيس إلهام علييف، الذي كان يخشى على مصير حكمه بسبب تفاقم الأزمات الاقتصادية والصحية، تصعيد الصراع لتعزيز مكانته القومية.

في العقد الماضي، اكتسبت أذربيجان ميزة عسكرية من خلال مشتريات الأسلحة من إسرائيل وروسيا وتركيا. لكن، ومع سيطرة أرمينيا على التضاريس الجبلية في قره باغ، لم تتمكن أذربيجان من تحقيق مكاسب كبيرة. اتسعت حرب الاستنزاف بسرعة لتشمل هجمات الصواريخ والمدفعية والطائرات دون طيار بعيدا عن خط التماس، مما زاد من استهداف حياة المدنيين وممتلكاتهم.

على الجانب الأرمني، عززت الأعمال العدائية دعم باشينيان. فعند اندلاع القتال، قال في خطاب إن أذربيجان أعلنت الحرب على الشعب الأرمني بأكمله، لكن الأرمن مستعدون لذلك لأنهم أدركوا أن الكراهية والعداوة التي كانت الديكتاتورية الأذربيجانية تغذي بها شعبها لعقود لا تؤدي إلى أية نتيجة غير الحرب.

لا يؤدي تصلب القومية إلا إلى دفع احتمال تفاوض البلدين بعيدا، مما يقلل من احتمالية وقف إطلاق النار وتجديد مفاوضات السلام المثمرة. سيحتاج أعضاء مجموعة مينسك، وعلى رأسهم روسيا وتركيا، إلى المساهمة في خفض التصعيد. لكن الأمر يرجع إلى البلدين اللذين يخوضان الحرب.

ويشير بيان بايدن الأخير إلى أنه يدرك حاجة الجانبين إلى حل وسط للعودة إلى عملية السلام. وقال إن إدارة ترامب يجب أن توضح أنها لن تتسامح مع الجهود الأذربيجانية "لفرض حل عسكري"، وأن تؤكّد لأرمينيا أن "المناطق المحيطة بقره باغ لا يمكن احتلالها إلى أجل غير مسمى".

دعا وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو على تويتر يوم الثلاثاء إلى وقف إطلاق النار ووقف استهداف المناطق المدنية، لكن بايدن انتقد ترامب وبومبيو لفشلهما في إجراء مكالمة هاتفية واحدة مع زعماء أذربيجان وأرمينيا.

أثناء ذلك، ناقش الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين الصراع عبر الهاتف يوم الأربعاء.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/nagorno-karabakh/nagorno-karabakh-conflict-not-proxy-war
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.