نظام الرئيس الحزبي غرس تركيا في عُمق الاستبداد

 

العلاقة بين الاستبداد والنظام الرئاسي الحزبي علاقة تاريخية، فبينما يولد هذا النظامُ الاستبدادَ، فإن الاستبداد هو نتيجة حتمية لهذا النظام. 
كان معظم الكماليين واليساريين لا يرغبون في رؤية هذا الرابط، كما أن المتدينين أيضا لا يرغبون في ذلك بسبب وجود حزب العدالة والتنمية في السلطة.
من المعروف أن أول رئيس حزبي هو مصطفى كمال أتاتورك الذي أسس حزب الشعب في عام 1923. فأعلن النظام الجمهوري في 1923، وجعل اسمه "حزب الشعب الجمهوري" وتحولت مبادئ الحزب في عام 1937 إلى مبادئ دستورية. وتم إسكات المعارضة وتعليق القانون في نظام استبدادي أحادي. 
ثم خلفه (عصمت إينونو) ليكون ثاني رئيس حزبي للنظام الرئاسي للحزب في عام 1938، وكانت فترته أيضا استبدادية لم يُسمح فيها بالمعارضة.
وبعد فوز الحزب الديمقراطي في الانتخابات التي أجريت في عام 1950 دخلت البلاد فترة تعدد الأحزاب، واستقال إينونو من الرئاسة، فتم انتخاب جلال بايار، الذي غادر حزب الشعب الجمهوري وأسس الحزب الديمقراطي، رئيسًا للبلاد، فاستقال من رئاسة الحزب ليقوم بمهام رئاسة البلاد، إلا أنه لم يستطع الحفاظ على الحيادية الكاملة.
ولما أطيح بجلال بايار في الانقلاب العسكري في 27 مايو 1960 تم انتخاب قائد القوات البرية جمال كُورْسَلْ رئيسا رابعا للبلاد، لتدخل تركيا بذلك مرحلة الرؤساء من أصول عسكرية. ثم تولى هذا المنصبَ الجنرال جودت سونايْ، تلاه فخري كورو تورك. وجاء بعدهما قائد الانقلاب العسكري في عام 1980 الجنرال كنعان أَفْرين. وقد كانت فترة ما بعد 1971 تتسم بدخول البلاد تحت وصاية الجيش فتم تقييد الحريات والقوانين حسب توجيهات الجنرالات.
وبعد أن انتهت فترة كنعان أفرين استقال تورغوت أوزال من منصبه وترشح للرئاسة، فانتخبه مجلس النواب ليصبح الرئيس الثامن. ولما توفي أوزال في عام 1993 استقال (سليمان دَمِيرَل) من رئاسة حزبه ليصبح الرئيس التاسع. وبعده جاء أحمد نجدت سَزَرْ الذي كان قاضيا سابقا. وبعد انتهاء مدة ولايته استقال عبد الله غول من حزبه وانتُخب رئيسا في عام 2007. كان الدستور ينص على أن يكون الرئيس محايدا وغير مرتبط بحزب، وبالفعل حاول الرؤساء السابقون أن يراعوا اليمين الدستوري الذي أكدوا فيه على التزام الحياد.
وبعد الاستفتاء العام الذي أجري في عام 2014 على التعديل الدستوري الذي فتح الطريق أمام انتخاب الشعب مباشرة للرئيس تم انتخاب رجب طيب أردوغان رئيسًا للبلاد. وهو بدوره استقال من حزب العدالة والتنمية وأقسم بأنه سيصبح رئيسًا محايدًا. ومع ذلك بدا أن أردوغان لن يتصرف مثل الرؤساء الآخرين ولن يحاول الحفاظ على الحياد. 
وقد أظهر هذا الانتهاك الفعلي للدستور بأن هناك حاجة ملحة إلى تعديل المادة الدستورية التي تنص على التزام الرئيس للحياد. وبدلا من البحث عن الحلول الناجعة لمشاكل النظام الحالي ساد الاعتقاد بأن الحل الوحيد هو تبديل النظام بالنظام الرئاسي. 
وبدلا من أن تناقش تركيا القضايا الديمقراطية المهمة أصبح شغلها الشاغل مناقشة النظام الرئاسي. وظل أردوغان يشرح للجماهير مزايا النظام الرئاسي على النمط التركي، وكيف أنه سيحل كل المشاكل بسرعة وستتقفز البلاد إلى الأمام. وأخير استقر رأيهم على أن يخترعوا نظاما رئاسيا على النمط التركي. 
وما إن تم تطبيقه حتى انجرفت تركيا إلى هاوية الاستبداد والفاشية؛ فاستُبدِل الأيديولوجية القائمة على العلمانية الأحادية بأيديولوجية أحادية قائمة على التدين المُسَيَّس. وإذا بالمجموعات الدينية التي كانت يوما من الأيام تحت الضغط والتعسف، تتعسف وتضغط على الآخرين.
أخذت السلطة المركزية في النظام الجديد تحتكر كل السلطات وتمتعت المؤسسات البيروقراطية بسلطات واسعة وأصبحت الرقابة القانونية في مهب الريح.
وبعد إلغاء منصب رئاسة الوزراء أصبح الرئيس على رأس السلطة التنفيذية وتم نقل جزء كبير من صلاحيات السلطة التنفيذية إلى الرئيس بما في ذلك تعيين السفراء ورئيس الأركان وأعضاء الهيئات القضائية العليا والمؤسسات الرقابية.
وقد كان البرلمان يتمتع بصلاحية الرقابة على الحكومة، في حين أن الرئيس الذي يترأس الحكومة الجديدة أصبح لا يخضع لأي رقابة برلمانية. وهذا يعني إلغاء الدور الرقابي للبرلمان.
وكان من صلاحيات مجلس الوزراء إصدار قرارات لها قوة القانون ولكن التعديل الدستوري نقلها إلى الرئيس الذي يستطيع أن يصدر مراسيم رئاسية. 
ولا ننسى أن الهيئة العليا المُشْرِفة على القضاة والمدعين العامين يترأسها وزير العدل الذي يتم تعيينه من قِبل الرئيس الحزبي، مما يعني انعدام الأمن القضائي.
ولا شك أن هذا النظام الذي يسيطر عليه شخص واحد بصلاحيات مطلقة قد تَحوَّل إلى نظام استبدادي وتَسبَّب في انهيار أخلاقي عام.
أما في الولايات المتحدة فإن هناك علاقة بالنظام الفيدرالي الذي تتمتع فيه الولايات بصلاحياتٍ واسعة مما يضع توازنا في الصلاحيات. كما أن صلاحيات الحكومة المركزية تتوزع بين الرئيس والكونجرس والقضاء. وذلك يحافظ على تماسك الدولة الفيدرالية من جانب، ويوفر الحرية الكافية للحكومات المحلية من جانب آخر. فلكل ولاية في الولايات المتحدة دستور خاص، بالإضافة إلى دستور فيدرالي ينظم العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات. ولكل ولاية حاكم منتخَب، وهيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية. 
وبالنسبة لدول أمريكا الجنوبية، وكذا في معظم البلدان الإفريقية وإيران، فلا حاجة لشرح مدى فشل هذا النظام فيها وتدني مستويات التنمية بكل أشكالها. 
لقد أدى هذا النظام الرئاسي الحزبي في تركيا إلى الانحراف عن المسيرة الديمقراطية التي تهدف إلى التعددية والتشاركية والتمسك بالقانون. 
إن غياب الديمقراطية وسيادةِ القانون في تركيا متعلق في معظمه بانعدام الثقافة الديمقراطية والتقاليد القانونية لدى المؤسسات البيروقراطية والسياسية. فينبغي لحل هذه المشاكل ألا يحترم المجتمعُ السياسيين الذين يطالبون بسلطات مطلقة ولا يراعون الثقافات والتقاليد الديمقراطية.
إن المجتمع يحتاج إلى شخصية تعانق الجماهير بأكملها وتقوم بدور الحَكَم المحايد. وتلك الشخصية هي "رئيس الجمهورية" الذي يمكنه استخدام هذه السلطات الرمزية. 
وإذ نتطلع إلى إعادة البناء من جديد فإن النموذج الإداري ينبغي أن يكون النظام البرلماني الذي يهدف إلى تفويض السلطات ويستند إلى وضع التوازن والتفاعل بين السلطة التنفيذية والقضائية، ويوفر الأمن القضائي.

 

 
-    يمكن قراء المقال باللغة التركية أيضًا:
https://ahvalnews.com/tr/erdogan/yeniden-otokrasi-partili-cumhurbaskanligi-sistemi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.