نظام الوساطة لفض المنازعات لا يصب في صالح العمال الأتراك

 

تأتي المنازعات، التي تنشب بين العمال وأصحاب العمل، في مقدمة الأسباب الرئيسة، التي تؤدي إلى اللجوء إلى القضاء بين الطرفين. ومن أهم أسباب اللجوء إلى القضاء، في هذا النوع من المنازعات بين الطرفين، فصل العمال، وحرمانهم من مكافأة نهاية الخدمة، أو فسخ التعاقد المُبرم بين العامل وصاحب العمل، دون الاستناد إلى مبررات حقيقية، أو دفع العامل قسرًا إلى تقديم استقالته، أو تعمد معاملته بشكل سيء، أو حرمانه من المكافآت السنوية، ومكافآت العمل الإضافي.  
وتمثل مكافأة نهاية الخدمة، على وجه الخصوص، عبئاً إضافياً على أرباب العمل. ولذلك، قد تستمر مشكلة صرف مكافأة نهاية الخدمة لسنوات عديدة، حتى يتم تحويل الأموال بتدخل من اتحاد الغرف وأسواق المال في تركيا. وعلى الرغم من وجود صناديق مخصصة لصرف مكافآت نهاية الخدمة للعاملين، إلا أن أصحاب العمل عادةً لا يتركون طريقاً إلا ويسلكونه؛ من أجل فصل العاملين، دون أن يحصلوا على مكافأة نهاية الخدمة الخاصة بهم.
وتلجأ بعض الشركات أيضًا إلى حيل أخرى، كأن تقوم بفصل عمال على الورق فقط، قبل نهاية العام، وبذلك تحرمهم من الحصول على مكافأة نهاية الخدمة أيضاً؛ حيث لا يستحق، قانوناً، العامل، الذي يتم الاستغناء عنه على الورق، الحصول على مكافأة نهاية الخدمة، على الرغم من عمله فعليًا لسنوات في هذه المكان.
وعلى الرغم من أن قانون العمل في تركيا ينص على أن عدد ساعات العمل الأسبوعية لا تتجاوز 45 ساعة، إلا أن العديد من أماكن العمل لا تلتزم بهذه المدة، وتجبر العاملين لديها على العمل لفترات إضافية. وفي المقابل، تضن عليهم، وتحرمهم من أية مكافآت إضافية. ناهيك عن الإجحاف الكبير لحقوق العاملين، الذين يُضطرون إلى العمل في العطلات الأسبوعية، وفي الأعياد. 
وعلى الرغم من أن السوابق القانونية، التي أقرتها المحكمة العليا، قد منحت الحق للعاملين، الذين لم يستفيدوا من الإجازات السنوية لأسباب مختلفة، في الحصول على بدل نقدي عن هذه العطلات عند انتهاء فترة تعاقدهم، أو في نهاية الخدمة، إلا أن  أرباب العمل أيضاً غالباً ما يُحجمون عن دفع حقوق هؤلاء العمال.
 يضطر العمال في تركيا، خلال فترة خدمتهم، إلى الإذعان لأرباب العمل، وعدم رفع أصواتهم للمطالبة بحقوقهم؛ حتى لا يفقدوا وظائفهم. ولهذا السبب، لا يلجأ السواد الأعظم منهم إلى القضاء، إلا بعد فصلهم من العمل. وقد لجأت الحكومة التركية في عام 2018، تحت زعم تزايد الأعباء الواقعة على المحاكم المختصة بالفصل في المنازعات بين العاملين وأرباب العمل، إلى تطبيق نظام الوساطة، الذي يمنع العامل من اللجوء إلى القضاء، قبل التقدم بطلب لفض المنازعة، عن طريق نظام الوساطة.
وبِناءً على هذا،  ربطت الحكومة، اعتبارًا من الأول من يناير 2018،  رفع العامل دعوى قضائية على صاحب العمل بتطبيق نظام الوساطة أولاً. أو بمعنى آخر، قيَّدت الحكومة رفع القضايا على أرباب العمل بالعرض على وسيط يتولى مهمة التوفيق بين الطرفين في البداية. لهذا السبب، صار لزاماً على العاملين المتضررين من الحرمان من مكافأة نهاية الخدمة أو مكافآت العمل الإضافي، وعطلات نهاية الأسبوع، والعطلات السنوية، أن يتقدموا بطلب إلى الوسيط أولاً قبل اللجوء إلى القضاء.
ومع ذلك، من الممكن أن يلجأ العامل إلى القضاء بعد فشل الوسيط في التوفيق بين العامل وصاحب العمل، مع استثناء المنازعات الناشئة عن حوادث العمل، والأمراض المهنية، من هذا الشرط.
تهدف الحكومة التركية، من وراء تطبيق نظام الوساطة، إلى حل النزاعات المتعلقة بالحياة المهنية، في وقت أقصر، ودون الحاجة إلى اللجوء إلى القضاء، ومقاضاة أرباب العمل؛ حيث يقدم العمال طلباتهم إلى مكاتب الوساطة الموجودة في المحاكم. ومن ناحيتهم، يسعى المحامون المعتمدون للتوفيق بين الشاكي وصاحب العمل؛ بغية التوصل إلى صيغة توافقية بين الطرفين. وتُحَدَّد مدة ثلاثة أسابيع من تاريخ تقديم الطلبات للتوصل إلى نتيجة في موضوع المنازعة. ويجوز تمديد هذه الفترة لمدة أسبوع واحد في حالة الضرورة فقط. ويتقاضى الوسيط مبلغ 170 ليرة عن الساعة الواحدة. وإذا لم يتوافق العامل وصاحب العمل، تتولى وزارة العدل سداد أجر ساعتين، أما إذا ارتضى الطرفان صيغة واحدة، فحينئذٍ يتحملان معًا رسوم الوساطة بالكامل.
مرّ الآن عامان على بدء تطبيق نظام الوساطة. وعندما ننظر إلى مدى كفاءة هذا النظام في حل المنازعات، التي تنشب بين العاملين وأرباب العمل، يتبين لنا  أن جزءًا كبيرًا من الذين تقدموا بطلبات لتسوية منازعات من هذا النوع، قد توصلوا بالفعل إلى صيغة توافقية. وطبقًا للبيانات الصادرة عن وزارة العدل، فقد تم خلال عامين تقريباً، منذ بداية تطبيق هذا النظام في الأول من يناير 2018 وحتى 19 ديسمبر 2019، تعيين وسطاء لفحص 740 ألف ملف؛ تقدم به عمال تضرروا بسبب أحد الأمور السابقة، ونجح الوسطاء في التوصل إلى صيغة توافقية ﻟ 460 ألف منازعة منها؛ أي بما يعادل 65% من الملفات الموجودة، في حين عجز الوسطاء عن التوصل إلى حل ﻟ 246 ألف منازعة؛ أي بما يقارب 35%.
السؤال الآن: هل جاء نظام الوساطة لصالح العمال أم ضدهم؟ 
بادئ ذي بدء، يمكن القول إن هذا النظام قد قام بدور إيجابي في التوصل إلى حلٍ ناجز لهذا النوع من المنازعات. وبالنظر إلى أن المنازعات التجارية يمكن أن تستمر لسنوات، حال اللجوء إلى القضاء، وأن هذا النظام قد أتاح الفرصة للتوصل إلى حلٍ لهذا النوع من المنازعات في مدة لا تتخطى أربعة أسابيع، فحينئذٍ لا نبالغ إذا قلنا إن هذا النظام يُعد إنجازًا مهماً. ومن مزايا هذا النظام كذلك انخفاض رسوم الطلبات، مقارنة بمصروفات القضاء.
ومع هذا، فإن العاملين، الذين يُضطرون للذهاب إلى الوسيط؛ بسبب رغبتهم في الحصول على نتائج في أسرع وقت بسبب ظروفهم الاقتصادية السيئة، غالباً ما يتعرضون لضغوط تجبرهم على تقديم تنازلات، كما تؤدي توجيهات الوسيط وضغوطه المستمرة على العاملين، لقبول شروط التصالح، دوراً كبيراً في اتجاه تسوية الخلاف، حتى إن جاء هذا على بعض حقوق العاملين. 
من ناحية أخرى، من المعروف أن قانون العمل يقضي بأن يُفسر أي غموض أو خلل في تلك المنازعات لصالح العامل؛ لذلك كانت دائماً ما تنحاز القرارات الصادرة من المحكمة العليا والمحكمة الدستورية إلى جانب العامل ضد صاحب العمل، على أساس أن العامل هو الطرف الأضعف؛ ومن ثم كانت معظم القرارات، في الدعاوى القضائية، تأتي لصالح العاملين؛ وبالتالي فإن تطبيق نظام الوساطة، في هذه النقطة تحديدًا، لم يأتِ لصالح العاملين؛ لأنه حال دون لجوئهم إلى القضاء مباشرة، مما اضطر كثير من العاملين إلى القبول بمكاسب ضئيلة للغاية، عن طريق نظام الوساطة، مقارنة بما كان يحصل عليه أقرانهم عبر اللجوء إلى القضاء..
 

-    هذا المقال يعكس آراء الكاتب، ولا يشترط أن يأتي متوافقًا باستمرار مع سياسة التحرير والنشر في موقع "أحوال تركية".

-    يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

 

https://ahvalnews.com/tr/isci-haklari/arabuluculuk-sistemi-isciye-mi-yaradi-isvereni-mi