نظام أردوغان يدق المسمار الأخير في نعش الاقتصاد

ينص قانون التجارة التركي على ضرورة احتفاظ الشركات بواحدة من 20% من أرباحها الصافية السنوية باعتبارها أموالاً احتياطيّة من أجل استخدامها في الحالات الصعبة والأوضاع الطارئة أو في سبيل أغراض من قبيل تطوير الشركات وخلق فرص عمل جديدة وغيرها. ويجب إيداع تلك الأموال في الأوراق المالية للدين الحكومي أو سندات الخزانة. 

يُلزم القانون أيضًا الشركات العاملة في المجال المصرفي بتخصيص 5% من أرباحها السنوية من أجل المخاطر غير المتوقعة والخسائر المحتملة، وذلك بالإضافة إلى الأموال الاحتياطية التي يتطلبها قانون البنوك والتجارة.

وفي هذا الإطار، يحتفظ البنك المركزي، الذي يعتبر شركة مساهمة، بقدرًا كبيرًا من الأموال الاحتياطية في ميزانيته العمومية من أجل الأيام السوداء والظروف الطارئة. وكان صندوق الاحتياطي الخاص بالبنك المركزي يضم 27.6 مليار ليرة اعتبارًا من نهاية عام 2018، إلا أنه لما تجاوز عجز ميزانية الإدارة المركزية التوقعات بداية من مطلع العام الحالي دعت حكومة أردوغان الجمعية العامة للبنك إلى اجتماع طارئ في 18 يناير 2019، وقررت نقل أرباحه البالغة 37 مليار ليرة إلى الميزانية العمومية سلفًا قبل ثلاثة أشهر من الموعد الأصلي في شهر أبريل. وبفضل هذه الخطوة أعطى رصيد الميزانية في يناير فائضًا قدره 5.6 مليارات ليرة.

ولكن هذا الربح لمرة واحدة لم يكفِ إلا إنقاذ شهر يناير المنصرم فقط. ومع تنفيذ الاقتصاد الانتخابي في الفترة الممتدة من يناير إلى أبريل 2019، فإن العجز في الميزانية تجاوز 54.4 مليار ليرة خلال 4 أشهر في الفترة الممتدة من يناير إلى أبريل الفائت. 

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن العجز المستهدف حتى نهاية العام في قانون موازنة 2019 كان يقدّر بـ80.6 مليار ليرة، إلا أن العجز السنوي المستهدف وصل إلى 67.5% في الأشهر الأربعة الأولى. وإذا استمرت الأوضاع على هذا المنوال فإنه من الواضح أن العجز سيتجاوز الهدف المعلن بنهاية العام ثلاثة أضعاف في الأشهر الثمانية المتبقية، وبمعنى آخر فإن إفلاس الميزانية أصبح في دائرة الإمكان. وقد دفعت هذه التطورات حكومة أردوغان إلى وضع عينها على الأموال الاحتياطية التي يحتفظ بها البنك المركزي من أجل الظروف الطارئة. 

وقد بلغت الأموال الاحتياطية 40 مليار ليرة اعتبارا من نهاية أبريل عام 2019، بعدما بلغت 27.6 مليار ليرة في نهاية العام الماضي. وفي حال الاستيلاء على الأموال الاحتياطية البالغة 40 مليار ليرة، بعد وضع اليد على أرباح البنك المركزي البالغة 37 مليار ليرة في يناير الماضي، فإنه سيتم نقل 77 مليار ليرة (حوالي 13 مليار دولار) من صندوق احتياطي البنك المركزي إلى ميزانية الإدارة المركزية خلال 5 أشهر، تمهيدًا لإنفاقها في سبيل الحسابات السياسية والأهداف الحكومية. 

إلا أن تحويل الأموال الاحتياطية إلى ميزانية الإدارة المركزية يتطلب تغييرًا في القانون. ولهذا يتعين على الحكومة تغيير القانون الخاص بالبنك المركزي بشكل عاجل، حتى تتمكن من استخدام تلك الأموال في الحالات الاقتصادية الطارئة. وتخطّط الحكومة طرح هذا التغيير القانوني على البرلمان قبل إعادة انتخابات إسطنبول في 23 يونيو المقبل، لكي تستطيع استغلال تلك الأموال في تمويل انتخابات إسطنبول المعادة.
لم يعلّق أي من الرئيس أردوغان أو وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق أو مسؤولين آخرين من البنك المركزي على خبر وكالة رويترز حول الاستعداد للاستيلاء على احتياطيات البنك المركزي، في خطوة تتعارض مع كل الأعراف الاقتصادية المعروفة، الأمر الذي اعتبره مراقبون إقرارًا منهم بصحة مضمون الخبر. ومن المتوقع أن هذه الخطوة سيعقبها تسريع عملية طباعة النقود بدون غطاء. 

في ظل كل هذه المؤشرات السلبية، استطاع وزير الخزانة والمالية بيرات البيرق أن يخرج مؤخرًا على الشاشات ويدلي بصريحات تزعم أن الاقتصاد التركي سيشهد توازنًا إيجابيًّا، وأن التضخم سينخفض بشكل كبير، وأن الضوء بدأ بالظهور في نهاية النفق، مشيرًا إلى أنهم سيعلنون قريبًا عن حزمة قروض جديدة بفوائد منخفضة وطويلة الأجل. هذه التصريحات تدل على أنهم يستعدون للتضحية بالمصارف العامة مرة أخرى من أجل فوز حزب العدالة والتنمية بانتخابات إسطنبول، في مرحلة تتجاوز فيها معدلات فوائد القروض التجارية الحقيقية 30%، واتجه البنك المركزي في الشهر الماضي لزيادة أسعار الفائدة بصورة خفية. بمعنى أن حكومة العدالة والتنمية ستسعى لوضع الاقتصاد في العناية المركزة لكي يتنفس اصطناعيًّا حتى تاريخ إجراء انتخابات إسطنبول من خلال فتح صنابير الائتمان للشركات والمستثمرين. 

يرى نائب حزب الشعب الجمهوري من مدينة إسطنبول أردوغان توبراك أن تصريحات وزير المالية والخزانة حول "ظهور الضوء في نهاية النفق" تهدف إلى إخفاء إفلاس الاقتصاد، ويؤكد أن الأسوأ لم يتحقق بعد على عكس مزاعم الوزير. وينوّه أيضًا بأن خزانة الدولة أصبحت فارغة، لذا وضعت الحكومة عينها على الأموال الاحتياطية للبنك المركزي المخصصة للظروف الطارئة، وهو الخطوة التي لم تقدم عليها أي حكومة سابقة. وذكر توبراك أن الفريق المسؤول عن إدارة دفة الاقتصاد لم ينفِ صحة الأخبار التي انتشرت حول اتخاذه هذه الخطوة بسبب أن الحكومة لا تمتلك الأموال لتدفع مكافآت العيد للمتقاعدين.   
وتابع توبراك قائلاً: "بالإضافة إلى الميزانية، فإن آخر تقرير نشاط لمؤسسة الضمان الاجتماعي كشف أن نظام الضمان الاجتماعي هو الآخر على وشك الإفلاس. فعلى الرغم من الدعم البالغ 57.5 مليار ليرة من الخزانة، فقد وصل الدعم المقدم من الخزانة إلى مؤسسة الضمان الاجتماعي 73.2 مليار ليرة، بعدما بلغ عجزها 15.7 مليار ليرة. وإذا وضعنا في الحسبان أن مؤسسة الضمان الاجتماعي لم تستطع تحصيل العلاوة البالغة 83 مليار ليرة، ومعظمها تعود لبلديات حزب العدالة والتنمية، فإننا أمام إفلاس الدولة بكل مؤسستها الاقتصادية"، على حد تعبيره.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/hukumet-merkez-bankasinin-kara-gun-parasina-goz-diker-mi&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.