نظرة فاحصة في شخصية مصطفى كمال أتاتورك الحقيقية

في يوم العاشر من شهر نوفمبر، إذا كنت تعيش في تركيا فإنك قد سمعت صوت صفارات الإنذار التي انطلقت في الساعة 0905 صباحا. وعلى الرغم من أنه وافق يوم الأحد، إلا أن ذلك لا يمنع حشود الجماهير من المشاركة في مراسم مختلفة لإحياء ذكرى أتاتورك أو الذهاب لزيارة ضريحه.

من شبه المستحيل أن تفكر في تركيا من دون التفكير في أتاتورك. فأغلبية المواطنين في البلاد ينظرون إليه باعتباره منقذا مخلّصا وبطلا وأبا روحيا لتركيا الحديثة، بينما يعتبره آخرون بمثابة عدو للدين لأنه ألغى نظام الخلافة وحظر طوائف دينية مختلفة.

وسواء كان الناس ينظرون إلى أتاتورك بكره ونفور أو يعتبرونه منقذا مخلّصا، فإن عددا لا بأس به منهم لا يهتم حقا بمعرفة حقيقة هذا الرجل. وفي المدارس، لا يتعلمون إلا القليل عن حياته، لكنهم في الغالب يدرسون ما فعله إبان حرب الاستقلال وبعدها. أما طفولته، فلا يُعرف عنها الكثير.

أعتقد أنه من الأفضل أن يرى الجميع الجانب الإنساني لأتاتورك ووحدته، بما في ذلك هؤلاء الناس الذين يتجمعون أمام تماثيل أتاتورك أو يذهبون لزيارة ضريحه في ساعات الصباح الباكر وأولئك الذين لا يحبونه ويسخرون من هذه المراسم.

ما قرأته وما تعلمته على مر السنين هو أن مصطفى كمال لم يستطع أن يعيش الحياة التي كان يريدها أو يبوح بالحقيقة الكاملة عن نفسه بسبب المسؤوليات التي ألقيت على عاتقه.

كانت أول مفاجأة اكتشفتها عن أتاتورك حينما كنت في المدرسة الابتدائية. فجميع الأطفال، بداية من الصف الأول، يتعلمون بالطبع أن عامي ميلاده ووفاته هما 1881 و1938 على الترتيب. وعلى الرغم من ذلك، ثمة واحدة من المقابلات القليلة التي أجريت مع زبيدة هانم والدة أتاتورك نشرت في كتاب "أولاده" (O’nun Çocukları)، الذي طبعته دار ميلييت لمطبوعات للأطفال، إذ تقول زبيدة هانم في هذه المقابلة إن ابنها قد وُلد في العام 1880، وليس العام 1881.

ولكن، هل تحظى هذه المسألة بأهمية كبيرة؟ ربما لا يهم المرء كثيرا أن يكتشف أنه كان مخطئا في عام ميلاد شخص ما، غير أن هذه المقابلة أثارت فضولي، فتساءلت لماذا لم يكن هناك المزيد من البحوث في هذا الصدد، ولم لم يحاول أحد أن يتعلم المزيد عن طفولة مؤسس الجمهورية التركية. علاوة على ذلك، فإن أولئك الذين يعتقدون أن جميع خطوات أتاتورك مرتبطة بالرقم 19 سيصدمون بفكرة ميلاده في العام 1880.

عندما نتفحص حياة أتاتورك من خلال منظور أكثر إنسانية نوعا ما، تظهر أمامنا شخصية فكرية هانم. كانت فكرية هانم ابنة أخ رجب بك، الزوج الثاني لزبيدة هانم، وربما تكون الحب الحقيقي الأول والوحيد في حياة أتاتورك. وعلى الرغم من ذلك، يجري تجاهل ذكر فكرية هانم ورجب بك حين تُدرس لنا حياة أتاتورك الكاملة. لا أعرف الكثير عن رجب بك، زوج أم أتاتورك، لكن فكرية هانم كانت لها مكانة مهمة في حياة أتاتورك.

بادئ ذي بدء، ما يتردد من أقاويل عن أن فكرية هانم هي والدة عبد الرحيم تونجاك ليست معروفة على نطاق واسع. فمن هو عبد الرحيم تونجاك إذن؟ على الرغم من أنه معروف رسميا بكونه ابن أتاتورك بالتبني، إذا صح قول محمد صادق (ابن لطيفة هانم، زوجة أتاتورك الأولى)، كان عبد الرحيم تونجاك ابنا حقيقيا لأتاتورك.

في التاريخ الرسمي، كان مصطفى كمال نائب قائد جبهة القوقاز الثانية حين التقى أول مرة مع عبد الرحيم تونجاك وتبناه عندما كان صبيا في الثامنة من عمره بعدما فقد أبويه في الحروب الروسية التركية. وعلى الرغم من ذلك، تقول نوراية تشولها ابنة تونجاك إن عبد الرحيم بدأ العيش مع زبيدة هانم حين كان ابن ثلاثة أشهر ونصف الشهر وإنه كان يناديها بـ"جدتي".

أما كلام عبد الرحيم تونجاك نفسه، فيشير فيه إلى إحدى ذكرياته الأولى حين كان يبلغ من العمر ثلاث سنوات ونصف السنة قائلا: "... وأنا أجلس في حجر أمي زبيدة في المنزل الكائن في أكاريتلر...".

ولم يذكر عبد الرحيم تونجاك قط كيف التقى مع مصطفى أتاتورك، وقال إنه سيدفن سره معه. وعلى الرغم من أن هناك مقابلة معه محفوظة في أرشيف التلفزيون الرسمي، إلا أنه لم يتم الكشف عنها أبدا.

ولربما كانت أعظم هدية قُدمت إلى تونجاك، الفرد الوحيد في العائلة الذي كان حاضرا عندما نُقل جثمان أتاتورك إلى الضريح، تلك التي منحه إياها الدكتور محمد هابيرال من جامعة باشكنت الذي افتتح متحفا يضم لقبيهما جنبًا إلى جنب: عبد الرحيم تونجاك أتاتورك. تجدر الإشارة أيضا إلى أن تونجاك وأتاتورك متشابهان كثيرا من الناحية الجسمانية.

لن يكون من الخطأ اليوم أن نعتبر أتاتورك دعامة الجمهورية التركية. وتلك الجماهير الغفيرة التي تؤمن بأن البلد الذي أنقذه سيعود في يوم من الأيام إلى حالته السابقة وسيواصل الازدهار تجلب معها هذه الأفكار إلى ضريح أتاتورك والمنزل الذي وُلد فيه بمدينة سالونيك.

وعلى الرغم من ذلك، أشعل هجوم بالقنابل على المنزل الكائن في سالونيك شرارة أعمال شغب إسطنبول في السادس والسابع من شهر سبتمبر في العام 1955، وتختلف المسألة كثيرا حين نفكر فيمن خطط للهجوم وزرع القنبلة. من المهم أن نزور منزل أتاتورك، ولكن من غير الملائم أن نناقش تورط الاستخبارات والجيش التركيين في الحادث.

ومع ذلك، وفي أعقاب التفجير، ظهر اسم أوقطاي إنجين (الذي عمل محافظا في محافظتين) وفقا للجنة التحقيق في الانقلابات والمذكرات التابعة لمجلس الأمة التركي الكبير، وإن كان إنجين قد نفى تلك المزاعم.

لا نعرف تاريخ ميلاد أتاتورك بالضبط، وليس لدينا معلومات كاملة عن ابنه، ولا يزال الغموض يكتنف روح المرح والدعابة لدى أتاتورك وما إذا كان يحب السينما. وحتى اليوم، لا يمكن رسميا إثبات أو نفي الأقاويل الكثيرة التي راجت حوله.

يبدو الأمر كما لو أن أتاتورك هو نتاج حملة علاقات عامة، وأن الجمهورية كانت بحاجة إلى صورة مثل صورته لفترة طويلة. ومع ذلك، لم يتمكن سوى عدد قليل للغاية من اكتشاف الشخصية الحقيقية التي تقف وراء هذه الصورة، وعدد أقل فصل تلك الصورة عن شخصيته الحقيقية التي تجسدت على أرض الواقع. ما من شيء يذكر يمكن أن يصف وحدة مصطفى كمال.

في العاشر من شهر نوفمبر، في تمام الساعة 0905 صباحا، تنطلق صفارات الإنذار ويقف معظم الأتراك دقيقة صمت إحياء لذكرى وفاة أتاتورك. لعلهم يفعلون ذلك وهم لا يعلمون شيئا عما يتردد عن وفاته فعليا في الساعة 0705، وأنه تم تأخير وقت وفاته ساعتين لأن الناس اعتقدوا أن أتاتورك سيُنسى في وقت قصير من دون مراسم لإحياء ذكراه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/mustafa-kemal-ataturk/getting-know-real-mustafa-kemal
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.