قانون الرقابة على الإنترنت يعزز سيطرة أردوغان على الإعلام

طرحت تركيا تشريعات جديدة تُسند إلى هيئة رقابية مهمةَ مراقبة البث عبر الإنترنت وتنظيمه، في خطوة أثارت مخاوف من انتهاك جديد لحرية التعبير في البلاد.

وبينما تعكس التشريعات الجديدة حالة القلق الحالية بشأن الأعمال الفنية التي تُصنّف على أنها مخالفة للآداب العامة، فإنها تشكل أيضاً أحدث خطوة في سعي الحكومة المستمر لفرض مزيد من الرقابة على محتوى الإنترنت.

وكانت تركيا في عام 2014 مختلفة كثيراً عما وصلت إليه الآن، حيث كان حزب العدالة والتنمية الحاكم يعاني في ذلك الوقت من فضائح فساد سلّطت عناوين الأخبار الضوء عليها في ديسمبر 2013. وظلت تلك الفضائح في دائرة الضوء مع نشر عدد من المكالمات الهاتفية المشبوهة، وغير ذلك من الأدلة الجنائية، التي كانت تتسرب بشكل مستمر إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار.

ونُسبت تلك التسريبات سريعاً إلى حركة غولن الدينية، التي دخلت في صراع على السلطة مع حزب العدالة والتنمية بعد سنوات من التعاون الوثيق بين الطرفين. ويُعتقد على نطاق واسع أن ذلك الصراع أفضى في نهاية الأمر إلى محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في يوليو 2016، والتي رسمت ملاح جديدة للمشهد السياسي في البلاد ومنحت الرئيس رجب طيب أردوغان سيطرة غير مسبوقة.

في عام 2014، لم تكن هيمنة الحزب الحاكم أمراً مؤكداً بأي حال من الأحوال؛ فقد واجه الحزب احتجاجات في أنحاء البلاد في العام السابق، وجرى التحقيق مع أربعة وزراء وقتها بتهم تتعلق بالفساد، وهو ما اضطرهم إلى الاستقالة من مناصبهم. وتبيّن من التسريبات أن أردوغان لم يكن فقط يحتفظ بمبالغ ضخمة من المال في بيت أسرته، ولكن أيضاً أن نجله بلال لم يكن لديه من البديهة ما يكفي للتخلص منها دون تجريم والده عبر الهاتف.

هزّت تلك الفضيحة صورة الحزب الحاكم، الذي حمّل أنصار غولن مسؤولية التسريبات وتحقيقات الفساد، وأقنع الناخبين بمنحه الفوز في الانتخابات المحلية التي أُجريت في شهر مارس.

بيد أن تلك الفضيحة، والدور المحوري الذي لعبته وسائل التواصل الاجتماعي في احتجاجات عام 2013، أقنعا الحكومة بالحاجة لإحكام قبضتها على الإنترنت. وفي عام 2014، جرى تمرير مشروع قانون شامل، وضع إطار العمل لمزيد من السيطرة الحكومية على الإنترنت، ووصفه النشطاء وقتها بأنه بداية النهاية لحرية الإنترنت في تركيا.

كان مشروع القانون تحديثاً للتشريعات التي شملها قانون للإنترنت عام 2007. وكان القانون جاء بالفعل بعد حملات متقطعة على حرية الإنترنت استمرت لسنوات؛ فقد جرى حظر يوتيوب لفترات طويلة، وكانت المواقع الإلكترونية الكردية تتعرض للحظر من آن لآخر.

لكن مشروع قانون عام 2014 يسمح للإدارات بحجب الوصول إلى الصفحات والمواقع الإلكترونية خلال ساعات، ومن دون الحاجة لإجراء جلسات استماع في المحكمة.

وارتفع عدد المواقع المحجوبة ارتفاعاً كبيراً، حيث زادت القيود في المناخ العام التركي. وتُشير إحصاءات جمعية حرية التعبير التركية إلى نحو 250 ألف موقع جرى حجبهم في عام 2018.

ومن شأن التشريع الجديد وضع قيود مشابهة على مواقع البث عبر الإنترنت، حيث يُلزم تلك المواقع بالحصول على رخصة من الهيئة المعنية بالرقابة في تركيا، المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون، والذي يطالب أيضاً بإغلاق المواقع التي لم تحصل على التصريح اللازم للبث.

وسيكون لهذا أثر على الصحافة التركية، التي تواجه بالفعل قيوداً شديدة على المطبوعات والبث التلفزيوني. واعتادت المؤسسات الإعلامية الناقدة التعرض لأنواع من الضغوط، تتجلى بوضوح في التحقيق مع صحفيين من موقعي أخبار مستقليّن هذا الأسبوع بشأن أخبار ومواد نشراها على مواقع التواصل الاجتماعي قبل أربع أو خمس سنوات.

ووجد الصحفيون الأتراك بيئة حُرة نسبياً في منصة الأخبار التلفزيونية (ميديا سكوب) وغيرها من المنافذ الإعلامية الموجودة على الإنترنت فقط. وتتعاون جهات بث دولية، من بينها هيئة الإذاعة البريطانية، ودويتشه فيله، بالفعل في مشروع للبث المشترك عبر يوتيوب.

ويتعين على هؤلاء أن يتقدموا بطلبات للمجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون للحصول على رخصة للبث، ويواجهون خطر الحجب في تركيا، إذا رأت الحكومة أن التقارير التي يبثونها تُوجب سحب تلك التراخيص منهم.

ولم يكن الأثر على الصحافة النقطة الرئيسة التي ركز عليها النقاش حول التشريع الجديد في تركيا، لكن الأرجح أنه كان من النقاط المهمة. وشددت الحكومات المتعاقبة قبضتها على وسائل الإعلام الرقمي من خلال تشريعات جديدة، وهو ما جعل مؤسسة فريدوم هاوس تُدرج تركيا ضمن الدول "غير الحرة" على مؤشرها للإنترنت.

وفرضت الحكومة التركية حظراً على تويتر خلال فترة الاحتجاجات، قبل أن تتجه لاستهداف محتوى محدد على الموقع، وهو ما جعلها تتصدر قائمة الأطراف الثالثة التي تتقدم بطلبات حجب المحتوى لمنصة الإعلام الاجتماعي بإجمالي عدد 466 طلباً من أصل 513 في النصف الثاني من عام 2017. ويمنح التشريع الجديد الحكومة وسائل أخرى للسيطرة على المحتوى المنشور عبر الإنترنت.

لكن التركيز في تركيا كان على آفاق الرقابة التي يفرضها القانون على خدمات البث حسب الطلب عبر الإنترنت، مثل خدمة نتفليكس.

يتعلق هذا إلى حد كبير بتوقيت تطبيق التشريع، الذي جاء بعد وقت قليل على الهجوم الذي شنه عاكف بيكي، الكاتب في صحيفة (قرار) الإسلامية اليومية، على نتفليكس، حيث اتهم الخدمة بأنها تبث حلقات تروّج للمثلية الجنسية.

وفي مقال لاحق، نفى بيكي أن يكون قصَد بأي شكل من الأشكال تشجيع الرقابة على موقع البث، مشيراً إلى أن البرلمان وافق على التشريعات العام الماضي، قبل وقت طويل على مقاله الذي أثار هذا الصخب.

غير أن ذلك الربط كان قد حدث بالفعل. ودافع إسماعيل كيليتش أرسلان، الكاتب في صحيفة (يني شفق) الإسلامية الموالية لأردوغان، عن هذا القانون، الذي قال إنه خطوة تأخرت كثيراً.

أضاف أن القانون ضروري لحماية الأتراك من "سيف الساموراي البتار" الذي يتجسد في العروض المنافية للآداب العامة، التي تقدمها خدمات العرض التلفزيوني بالطلب.

وسيشكل هذا الفهم لدور المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون خطراً حقيقياً آخر على الأتراك، الذين يقدّرون الإعلام المستقل.

فقد وفّرت المواقع التي تقدم خدمات البث حسب الطلب عبر الإنترنت، مثل (بلو تي.في) و(بوهو تي.في) للأتراك بديلاً، ومنصة لسلسلة من الحلقات المتميزة التي فتحت آفاقاً جديدة.

على الجانب الآخر، فإن شاشات التلفزيون التركي، نخضع لرقابة شديدة. وإذا فُرضت قيود مشابهة على قنوات البث، فإن ذلك سيكون من شأنه انتقاص منصة فنية مهمة من يد صناع الأفلام التركية.

فضلاً عن ذلك، فإن حدود الرقابة مسيّسة بشدة. ومن غير المرجح حذف مشاهد العنف التي تتضمنها الحلقات التلفزيونية ذات الطابع القومي. ويعطينا هذا الصخب بشأن علاقات المثلية الجنسية على نتفليكس فكرة عمّا سيكون.

ومن المهم الإشارة أخيراً إلى أن رموزاً لها نفوذ في الحكومة أعلنت معارضتها لما تسميه عدم وجود ما يكفي من الإنتاج الثقافي القومي الأصيل لدى تركيا.

وفي تغريدة نشرها العام الماضي، عبّر فخر الدين ألتون – مدير اتصال أردوغان، الذي نادراً من نراه الآن بعيداً عن الرئيس – عن اشمئزازه من مجموعة من الكتب التي ألّفتها شخصيات بارزة من المعارضة وباتت تُعرض في المكتبات التركية. وكان ذلك قبل وقت قليل على تعيينه.

وقال ألتون "يجب أن نتخلّص من عُقدة النقص وأن نثق في أنفسنا. كما رأينا التطبيع والتحول إلى الديمقراطية في عالم السياسة، يجب أن يكون الوضع على هذا الحال أيضاً في الجانب الثقافي".

وبالنسبة لحكومة تنظر إلى القطاع الثقافي على أنه ميدان معركة، فإن القانون الجديد قد يمثل لها نجاحاً منقطع النظير.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/freedom-expression/internet-censorship-law-extends-turkish-governments-reach-over-journalism
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.