قبرص المقسمة في قلب عزلة تركيا في شرق البحر المتوسط

تمثل الانتخابات الرئاسية المقبلة في جمهورية شمال قبرص التركية، وهي دولة انفصالية لا تعترف بها سوى تركيا، صورة مصغرة لتوترات تركيا مع اليونان وعزلتها المتزايدة على الساحة الأوسع لسياسات شرق البحر المتوسط.

وقال سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن ومؤلف كتاب (إمبراطورية أردوغان: تركيا وسياسة الشرق الأوسط)، لموقع (أحوال تركية) إن تركيا ترى في شرق البحر المتوسط "خصومها القدامى اليونان وقبرص والجدد مصر وإسرائيل، يترابطون في عدد من المبادرات المتعلقة بالطاقة والغاز الطبيعي والأمن ويمنعون مشاركة تركيا".

وقبرص مقسمة منذ أن غزت تركيا الثلث الشمالي للجزيرة في عام 1974 رداً على انقلاب للقبارصة اليونانيين طالب بالوحدة مع اليونان.

وظلت الحرب التي تلت ذلك صراعاً دون حل. ولا يزال هناك حوالي 35 ألف جندي تركي يتمركزون في شمال قبرص التي يقطنها القبارصة الأتراك وتقوم قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بدوريات على حدودها مع جمهورية قبرص المعترف بها دولياً، والتي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2004.

وفي بداية حملته لإعادة انتخابه لرئاسة جمهورية شمال قبرص التركية هذا الشهر، دعا مصطفى أكينجي إلى زيادة الجهود الرامية إلى إعادة توحيد الجزيرة. وحذر من أن الفجوة بين جانبي الجزيرة أصبحت راسخة وأنه إذا استمر الوضع الراهن، فإن الأراضي التي يحكمها ستصبح مقاطعة تركية بحكم الأمر الواقع.

وقال جاغابتاي "لقد سعت تركيا فعلاً إلى التوحيد في عام 2002 أثناء محادثات خطة عنان عندما أيدت الحكومة التركية المحادثات وصوت القبارصة الأتراك لصالحها. في ذلك الوقت، كان القبارصة اليونانيون هم الذين صوتوا ضدها". وأضاف أن المحادثات انهارت مرة أخرى في الآونة الأخيرة "بسبب اعتراضات القبارصة اليونانيين".

ومع ذلك، تقدم تركيا الآن دعماً قوياً لخصم أكينجي البارز في انتخابات أبريل، رئيس الوزراء الشعوبي أرسين تتار، الذي يرفض المصالحة مع الجنوب. كان ممثلو الائتلاف الحاكم في تركيا قد انتقدوا أكينجي بشدة وطالبوا باستقالته.

وقالت سيبيل أوقطاي، أستاذة العلوم السياسية المساعدة بجامعة إلينوي سبرينجفيلد، إن موقف الرئيس رجب طيب أردوغان من القضية القبرصية مرتبط دائماً بالسياسة الداخلية.

وتابعت قائلة "اعتاد أن يكون بطلاً لإعادة التوحيد منذ ما يقرب من عقدين من الزمن عندما كان ذلك مفيداً له في الداخل". وأضافت أن ذلك ساعد أردوغان "على زيادة نفوذ تركيا في الاتحاد الأوروبي وتأسيس أوراق اعتماده كزعيم ليبرالي بمظهر غربي وواقعي في وقت كان فيه الجميع تقريباً يشكون في سياساته".

وقالت أوقطاي "الآن، فإن علاقته الغريبة مع رفيقه (زعيم حزب الحركة القومية المتطرف دولت بهجلي) وقاعدته الانتخابية تمنعه بشدة من تبني خطاب مؤيد لإعادة التوحيد. لن يرغب أردوغان في الخوض في التاريخ كزعيم خسر قبرص. هذا إرث رهيب في السياسة التركية".

ومما زاد الأمور تعقيداً، الاكتشافات الكبرى لاحتياطيات الغاز الطبيعي قبالة قبرص والأراضي المجاورة لإسرائيل ومصر مما دفع هذه الدول إلى التقارب. ودون اكتشافاتها غير المتنازع عليها، تبدو تركيا عازمة على الاستفادة من قضية قبرص التي لم تحل لتحدي حقوق الجزيرة في احتياطيات الغاز المؤكدة.

وقالت أوقطاي "يعد التنقيب عن المواد الهيدروكربونية حافزاً كبيراً لتركيا لإبقاء جمهورية شمال قبرص التركية تحت جناحيها". لكنها أضافت أن السياسة الخارجية التركية بشأن قبرص قصيرة النظر، مشيرة إلى تكلفة الحفاظ على الوضع الراهن "في الوقت الذي يتم فيه إقامة شراكة استراتيجية بين اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل بدعم من الولايات المتحدة".

ويوجد لدى كل من قبرص وإسرائيل ومصر معاهدات ثنائية رسمية ترسم الحدود البحرية لمناطقها الاقتصادية الخالصة وقد اتفقت على بناء خط أنابيب تحت البحر مع اليونان لربط الإنتاج البحري بالأسواق الأوروبية. يمكن أن تقدم تركيا طريقاً أرخص للغاز، لكنها تعارض بشدة التعاون في مجال الطاقة مع جيرانها.

وقال جاغابتاي إن أنقرة كما ترى "يجب أن تكون تركيا الأكثر تشدداً في شرق البحر المتوسط فيما يتعلق بقبرص، وهي الحلقة الأضعف في المحور القبرصي اليوناني - الإسرائيلي - المصري الذي يحاصر تركيا".

وأرسلت تركيا سفن تنقيب ترافقها سفن حربية لاستكشاف مكامن الغاز المعترف بها على نطاق واسع على أنها جزء من المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص ولا تعترف بمبدأ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تقول إن الجزر مثل قبرص وكريت اليونانية يمكن أن تتمتع بحقوق المناطق الاقتصادية الخالصة.

وقال جاغابتاي إن تركيا من أجل أن تتحدى "الجدار البحري الظاهر الذي يمتد من أثينا إلى تل أبيب، تدفع بقوة من أجل انتصار الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس في الحرب الأهلية الليبية، وهي الحكومة التي وقعت معاهدة مع أنقرة ترسم حدوداً بحرية بين تركيا وليبيا وتسمح لتركيا باختراق هذا المحور اليوناني القبرصي - المصري - الإسرائيلي عبر خط القطع التركي الليبي".

ومع ذلك، فقد لاقت المعاهدة ادانة على نطاق واسع. وأكدت اليونان وقبرص، بدعم من الاتحاد الأوروبي، أن الاتفاق باطل وينتهك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. ووصفتها مصر بأنها غير قانونية وقالت إسرائيل إنها تهدد السلام والاستقرار.

وغيرت الولايات المتحدة أيضاً استراتيجيتها في شرق البحر المتوسط للاعتماد على شراكات قوية مع اليونان وقبرص وإسرائيل. وقد تم إقرار قانون شراكة الطاقة والأمن لشرق المتوسط من الحزبين في إطار قانون تفويض الدفاع الوطني للولايات المتحدة للعام المالي 2020.

وقالت أوقطاي "إنه إجراء لمواجهة المصالح الروسية في المنطقة بشكل أساسي ويحد من الطموحات التركية على طول الطريق، أو على الأقل يبعث رسالة سياسية قوية مفادها أن تركيا يتم تهميشها".

وبالإضافة إلى طلب تقرير حول الأنشطة الروسية في المنطقة، يرفع قانون شراكة الطاقة والأمن لشرق المتوسط الحظر الذي تفرضه الولايات المتحدة على الأسلحة منذ فترة طويلة على قبرص، ويسمح بتقديم مساعدة أمنية جديدة إلى قبرص واليونان ويطلب من وزير الخارجية تقديم استراتيجية لتعزيز الأمن الأميركي والتعاون في مجال الطاقة مع دول المنطقة.

وخلصت أوقطاي إلى قول "إنه فوز لكل الدول المشاركة في هذه الشراكة وخسارة استراتيجية ضخمة لتركيا".

قد تعتقد تركيا أن دعم مرشح إعادة التوحيد لمنصب رئيس جمهورية شمال قبرص التركية سيساعدها في تقويض التعاون بين خصومها في المنطقة، لكن ذلك قد ينتج عنه تأثير معاكس يتمثل في تشديد التحالف ضدها في شرق البحر المتوسط.

لقد أثبت أردوغان استعداده للسعي إلى إعادة توحيد قبرص من قبل، لكن في ظل وجود عدد قليل من الحلفاء في المنطقة، من المرجح أن يتمسك الآن باستراتيجية عداء تركيا الأحادي الجانب بشأن السياسة القبرصية والتنقيب عن النفط والغاز ورفض المطالبات البحرية اليونانية والقبرصية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/cyprus/divided-island-heart-turkeys-isolation-eastern-mediterranean
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.