نيك آشدون
يوليو 12 2019

قضية أرغينكون انتهت، لكن الملاحقات مستمرة في تركيا

برّأت محكمة في إسطنبول هذا الشهر آخر 235 متهماً في محاكمة جماعية بتهم تكوين منظمة سرية مسلحة تُدعى أرغينكون للإطاحة بالحكومة. بذلك، أغلقت المحكمة صفحة مظلمة في تاريخ العدالة التركية، مهدت الطريق أمام الملاحقات القانونية لمنتقدي الحكومة في هذه الأيام.

شهدت المحاكمة التي بدأت في أكتوبر 2008 توجيه اتهامات بالانتماء لما يُسمى بتنظيم أرغينكون لعدد متزايد من العلمانيين، الذين ينتقدون الإسلام السياسي، ومن بينهم صحفيون وأكاديميون وضباط في القوات المسلحة وأعضاء في منظمات إجرامية. واسم هذا التنظيم مشتق من اسم وادٍ في جبال ألتاي ورد ذكره في الأساطير التركية.

لكن بدا واضحاً أن المحاكمات كانت تستهدف في ذلك الحين العلمانيين الذين كانوا ينتقدون حكم حزب العدالة والتنمية الحاكم وحلفائه من حركة غولن آنذاك. وكان الحزب وحركة غولن يشكّلان جناحي الإسلام السياسي في تركيا، وكان لهما نفوذ كبير على الشرطة والقضاء.

وحُمّلت منظمة أرغينكون مسؤولية جميع التحركات التي كانت تنطوي على عنف سياسي طوال العقدين السابقين. وفي عام 2010، بدأت محاكمة ثانية – في قضية المطرقة – حيث واجه أكثر من 300 شخص، غالبيتهم من الضباط، اتهامات بالتخطيط لتنفيذ انقلاب عسكري.

وفي عام 2013، صدرت أحكام بحق أكثر من 250 متهماً من أصل 275 في قضية أرغينكون، ومن بينهم رئيس أركان الجيش التركي السابق إلكر باشبوغ. لكن تلك الأحكام بالإدانة أُبطلت في عام 2016، وبدأت إعادة المحاكمة في عام 2017. وتمت تبرئة ساحة متهمي قضية المطرقة في عام 2015.

واستحسن الكثيرون في تركيا وفي الخارج تلك المحاكمات في السنوات الأولى لها، انطلاقاً من الرغبة القوية في إبعاد الجيش ومؤيديه القوميين المتشديين عن السياسة. وأطاحت القوات المسلحة التركية بأربع حكومات منتخبة منذ عام 1960، وأقحمت نفسها في السياسة بقوة، خاصة في أعقاب الانقلاب الأكبر والأكثر تدميراً في عام 1980.

وقالت الصحفية أمبرين زمان إن "الشعور العام الذي كان سائداً بين الليبراليين من أصحاب الميول المشتركة هو أن حكومة مدنية تولت زمام الأمور أخيراً بدلاً من الجنرالات، الذين مثل نفوذهم السياسي وعدم المساءلة في عهدم أكبر عقبة في طريق التحول الديمقراطي في البلاد".

أضاف أن الكثير ممن كانوا ينتقدون المحاكمات كانوا فاقدين للمصداقية في نظر الكثير من الليبراليين.

وأردفت قائلة إن "من كانوا ينتقدون المحاكمات لم يكونوا يتمتعون بالمصداقية للأسف، بالنظر إلى دعمهم الطويل للوصاية العسكرية، والنفور من كل ما كان يرمز صراحة للتعاطف مع الحل العسكري للتمرد الكردي واستيعاب الأكراد ودعم ذلك الحل. ومن ثم فإنه حتى عندما كانت انتقاداتهم تستند إلى حقائق، كان رد فعلنا هو رفضهم".

وأعلن الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه ممثل ادعاء في قضية أرغينكون، وقت أن كان رئيساً للوزراء. وكانت وسائل الإعلام المنتمية لغولن والموالية لحزب العدالة والتنمية وقتها تُهاجم أي شخص ينتقد المحاكمات. وتبين بعد ذلك أن الكثير من الأدلة الرئيسة، خاصة في قضية المطرقة، كانت أدلة ملفّقة. وجاءت الشهادة الأهم من شهود سريين أو غير جديرين بالثقة.

وقالت زمان "تبيّن بعد فوات الأوان أن عدم تعاملنا بجدية مع الإشارات المبكرة على وجود خطر كان خطأً فادحاً". ويشار هنا إلى أن زمان كانت تعمل في صحيفة (ترف) التي كانت من الصحف المؤيدة لتلك المحاكمات.

وقال داني رودريك، الخبير الاقتصادي في هارفارد وصهر الجنرال المتقاعد جيتين دوغان، "كانت الرواية المتداولة حول تلك المحكمات في ذلك الوقت تلقى رواجاً كبيراً". ويشار إلى أن دوغان هو أحد المتهمين الرئيسين في قضية المطرقة، وأحد المخططين لانقلاب 1997.

أضاف رودريك "كانت هناك أخيراً حكومة معتدلة ومحافظة ثقافياً وديمقراطية، تضع في الحسبان العناصر العسكرية والقومية في تركيبة القوة في تركيا. الجيش على وجه الخصوص له تاريخ طويل في تدبير الانقلابات العسكرية. إذن، فقد كانت تلك الاتهامات تلقى قبولاً للوهلة الأولى. لكن لو أن أحداً دقق في الأدلة المزعومة، لكان أدرك أن ما كان يقف وراء هذه المحاكمات لم يكن السعي لتحقيق العدالة، وإنما المؤامرة".

وفي النهاية، أُدرج على قائمة المتهمين في قضية أرغينكون اسم كل من أحمد شيك، وهو صحفي استقصائي يتمتع بسمعة طيبة، وتوركان سايلان (75 عاماً)، وهو طبيب وأكاديمي ومؤسس إحدى منظمات العمل الخيري، ويعاني من مرض السرطان. ويشار إلى أن شيك كان من منتقدي حركة غولن والجيش في كتاباته. وقد انتحر عدد من المتهمين في القضية.

وكان غاريث جنكينز، وهو باحث وخبير في العلاقات المدنية العسكرية في تركيا، أول من خاضوا في تفاصيل لوائح الاتهام في قضية أرغينكون. وكتب تقريراً في عام 2009 أشار فيه إلى أدلة رئيسة تستند إلى شاهد واحد غير جدير بالثقة أبداً، بالإضافة إلى عدم وجود أدلة على وجود منظمة تُدعى أرغينكون أو مخطط للإطاحة بالحكومة، فضلاً عن لوائح اتهام كُتبت على عَجَل وغلبت عليها نظريات المؤامرة المسعورة واتهامات تنطوي على ارتكاب جُرم لمجرد التبعية.

وأبلغ موقع أحوال تركية قائلاً "تسمعون الناس يقولون إن محاكمة أرغينكون بدأت على المضمار الصحيح، لكنها بعد ذلك خرجت عن ذلك المضمار. هذا هراء".

وقد تركت المُحاكمات الجماعية إرثاً أسوداً في الثقافة السياسية والقانونية التركية.

وقال هنري باركي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ليهاي والزميل الأول في مجلس العلاقات الخارجية، "أعتقد أننا سنعيد النظر ونقول إن أرغينكون كانت نقطة تحول جعلت الأمور أسوأ بكثير، وإنها مسؤولة إلى حد ما عن الوضع الذي وصلنا إليه اليوم".

وأشار إلى أن تركيا لم يكن لديها أبداً قضاء مستقل، حيث كان القضاء يخضع في السابق لنفوذ الجيش وكان القوميون العلمانيون يفرضون عليه الكثير من الخطوط الحمراء. لكن أرغينكون كانت سابقة انبأت بمستوى جديد من التسييس. مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة من عام 2002، بدأ حلفاؤه أنصار غولن هيمنتهم على القضاء.

أضاف "لقد فتحت لهم الدولة الباب، لأن أردوغان لم يكن لديه الأشخاص الذين يقومون بهذه المهمة".

وبعد الشقاق العنيف الذي وقع بين حزب العدالة والتنمية وأنصار غولن في عام 2013، تم إقصاء كوادر حركة غولن وحل محلهم أشخاصٌ موالون للحكومة من عديمي الخبرة.

وأردف باركي قائلاً "نحن اليوم في منطقة مجهولة فيما يتعلق بالقضاء. يمكنهم أن يفعلوا ما يحلو لهم... لقد بات القضاء الآن يقف موقف المُنتَظِر الأوامر التي تأتي من القصر ليُصدر أحكامه بناء عليها".

وقال باركي إن كل الأصوات المستقلة باتت عُرضة للاستهداف بصورة تعسفية، مثل محاكمة نشطاء منظمة العفو الدولية في عام 2017، أو محاكمة غيزي الدائرة، والتي تستهدف رجل الأعمال الخَيِّرعثمان كافالا الذي ظل قابعاً في السجن لأكثر من 600 يوم.

وأردف قائلاً "إذا نظرتم إلى لائحة الاتهام الموجهة لعثمان كافالا، ستجدون أنها مثيرة للضحك".

وجاء الشقاق الأخير بين حزب العدالة والتنمية وأنصار غولن في يوليو 2016، عندما حاولت أطراف منتمية للجيش، تم الربط بينها وبين حركة غولن، تنفيذ انقلاب عسكري ضد أردوغان. لكن تلك المحاولة باءت بالفشل عندما طلب الرئيس من الشعب التصدي للدبابات.

ويُلاحَق أنصار غولن، وكل شخص يعتقد أنه من أتباعه، وغير هؤلاء من منتقدي الحكومة، في الوقت الحالي بالطريقة ذاتها التي اتُّبِعت في الماضي مع العلمانيين. فقد حل اسم منظمة فتح الله الإرهابية – وهو الاسم الذي تطلقه الحكومة على حركة غولن – محل أرغينكون.

وقال جنكينز "الآن باتت حركة فتح الله تقف خلف كل شيء. هناك الآن هذا القالب المُوَحّد لمنظمة تتحمل مسؤولية كل شيء خطأ يحدث، لكن الاسم تغيّر".

أضاف "كان هناك رد الفعل القبائلي مع أرغينكون. الناس الذين لا يحبون الجيش لن بنبسوا ببنت شفة بشأن الانتهاكات التي تُرتَكب في قضيتي أرغينكون والمطرقة، لأنهم لا يريدون أن يُنظر إليهم على أنهم يدافعون عن الجيش أو الدولة العميقة. نحن نواجه المشكلة ذاتها في محاكمات غولن هذه، حيث لا يرغب الناس في الإشارة إلى ذلك الزيف المروّع وغياب العدالة باسم ملاحقة حركة غولن".

وقال باركي إن حالة القمع الحالية أكثر تعسفاً من الماضي، حيث لم يسلم من الاستهدف حتى من فتحوا حسابات مصرفية بحسن نية في بنك خاضع لسيطرة أنصار غولن.

أضاف "حاشية أردوغان، والوزراء الذين جمعتهم صور مع غولن وكانوا من أنصاره، لم يمسهم سوء. لكن الرجل البسيط الذي فتح حساباً مصرفياً في بنك آسيا يُفصل من وظيفته ويُحرم من جواز سفره. هذا يظهر لكم أن الوضع تجاوز بكثير ما كان عليه حتى أيام أرغينكون".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/ergenekon/ergenekon-trial-ends-witch-hunts-turkey-continue
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.