قضية أرغينكون تعكس ثقافة الإفلات من العقاب في تركيا

قالت إرين كيسكين: "هذا وضع فظيع... إنه يدل على مدى الخلط ومدى انعدام المبدأ ومدى أن عقلية السلطة عديمة القيمة في تركيا. الشخص الذي يشغل حالياً منصب رئيس هذا البلد، أعلن ذات مرة أنه (المدعي العام) في هذه القضية والآن جميعهم يقولون كيف كانت هذه البراءات صحيحة وعادلة".

كيسكين محامية حائزة على جوائز دولية ونائبة رئيس جمعية حقوق الإنسان وهي واحدة من أبرز نشطاء الحقوق المدنية الذين يتحلون بالشجاعة والصراحة في تركيا. المحاكمة التي ذكرتها معروفة دولياً باسم أرغينيكون وهي شبكة سرية مزعومة تضمن المشتبه بهم فيها عدداً كبيراً من مسؤولي الدولة وضباطها.

كانت هذه صرختها التي عبرت عنها بشراسة على وسائل التواصل الاجتماعي، عندما برأت محكمة جنائية عليا، بعد 12 عاماً من الإجراءات القانونية الملتوية، 235 من أصل 239 مدعى عليهم في إدارة وعضوية ومساعدة وتحريض منظمة إرهابية على أساس أن أرغينيكون لم تكن جماعة حقيقية.

منذ البداية، كانت قضية أرغينكون مثيرة للانقسام بشدة. عندما تم رفع القضية في عام 2007، كانت أنقرة مكاناً مرعباً وعاصمة عاصفة تنتشر منها الشائعات عن انقلاب مفتوح.

كشفت وسائل الإعلام التركية المستقلة ذات النفوذ آنذاك عن قيام مجموعة أساسية من الضباط بالتآمر للتخطيط للانقلاب للإطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية المنتخبة.

بمعنى ما كانت القضية، التي كُشف فيما بعد أن ممثلي الادعاء فيها كانوا من أنصار غولن، استجابة لاحتواء ومعاقبة الأنشطة المعادية للديمقراطية وإنهاء "ثقافة الانقلابات" طويلة الأمد في تركيا.

كان للكثيرين من بين الفئات المضطهدة في تركيا آمالهم المرتبطة "بإنجاز العدالة"، لكن سرعان ما شاهدوا أن القضية استفاد منها رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان لتدعيم السلطة والاستيلاء على المزيد منها. بات واضحاً بعد سنوات أنه كان يستخدم أنصار غولن لتحقيق هذه الغاية، في حين أن الأخير كان يأمل في أن يحصلوا على حصة الأسد من كعكة السلطة.

وقد تم التعامل مع هذه القضية بشكل سيء، ما أثار فزع خبراء القانون الأجلاء في تركيا. وعلى الرغم من أن الأدلة كانت تبدو كافية لمجموعة صغيرة من المشتبه بهم، فقد تضخم عدد المشتبه بهم إلى المئات إذ أضاف ممثلو الادعاء أي شخص "غير مرغوب فيه" عملياً إلى الملفات.

وكلما زاد عدد الأشخاص المتورطين في قضية أرغينكون، باتت القضية أضعف وفقدت مصداقيتها. وكان على المشتبه بهم، بمن فيهم رئيس هيئة أركان الجيش التركي إيلكر باسبوج وغيره من كبار الضباط والسياسيين والأكاديميين والصحفيين، قضاء أربع سنوات في السجن.

وقد كان من الواضح أن هذه كانت مجرد محاكمة سياسية، وعندما خالف أردوغان تعهداته للإصلاحيين وهدم تحالفه مع أنصار غولن، تحول اتجاه المحاكمة 180 درجة إذ وجد ممثلو الادعاء والقضاة أنفسهم في السجن أو في المنفى.

وبالنظر إلى الملابسات المعادية للديمقراطية، ترمز قضية أرغينكون إلى فشل كبير في النظام القانوني والسياسي في تركيا.

كانت كيسكين على حق عندما احتجت على أحكام البراءة، لا سيما بالنسبة للأكراد والنشطاء اليساريين، والمشتبه بهم الرئيسيين في محاكمة أرغينيكون والذين كان من السهل تحديد أن أيديهم كانت ملطخة بالدماء في عمليات قتل وتعذيب خارج نطاق القانون.

وقالت في مقابلة مع موقع (أحوال تركية): "كلنا نعرف أشخاصاً مثل جمال تميزوز وفيلي كوجوك"، مشيرة إلى اثنين من الأسماء سيئة السمعة من مسؤولي الجيش. وقالت "نتذكر كيف هاجمونا أثناء محاكمات (الصحفي الأرمني المقتول) هرانت دينك والكاتب (الحائز على جائزة نوبل) أورهان باموق، وبهذه البراءات، سيتعين علينا، نحن المستضعفين، أن ندفع تعويضاتهم من أموالنا الضريبية".

ووصف مؤيدو المشتبه بهم محاكمة أرغينكون بأنها محاكمة زائفة، لكن بالنسبة لأمثال كيسكين وآخرين، فهي مجرد حالة أخرى من حالات "ضياع العدالة" في تقليد الإفلات من العقاب المستمر في تركيا منذ عقود من الزمن. وقد أصبح حزب العدالة والتنمية جزءاً من الثقافة.

ربما ليس من المستغرب، أنه لم تكن هناك قضية واحدة خلال حكمه أدت إلى إدانة مسؤولي الدولة أو ضباط الجيش بما تسميه كيسكين "جرائم ضد الإنسانية".

فُقد حوالي 17 ألف شخص، معظمهم من المدنيين الأكراد، أو أصبحوا ضحايا في العقود الثلاثة الماضية، وعلى الرغم من نشر مقالات إخبارية وكتب تقدم أدلة كافية، سمحت محكمة تلو الأخرى بالإفراج عن المتهمين لسبب لم يتم الكشف عنه وهو أنهم "رجال الدولة".

وقالت كيسكين إن مثل هذه البراءة قد تغير حقيقة ما تعتقد مع ملايين آخرين: أن الدولة العميقة في تركيا لا تزال سليمة وتعمل.

وأردفت كيسكين قائلة "هنا، يسود الإفلات من العقاب... لم يصدر حكم في أي جريمة ارتكبتها قوات الدولة. ما زال التعذيب مستمراً. ترفض أنقرة التوقيع على معاهدات دولية بشأن (المفقودين قيد الاحتجاز). لا يتغير شيء. يسير الأمر كالمعتاد".

وأضافت "أصبح أردوغان الدولة من خلال التوصل إلى اتفاق مع الهياكل العميقة للدولة. الآن، يمثل حزب العدالة والتنمية الجناح الإسلامي للإيديولوجية الرسمية".

لدى المشتبه بهم في محاكمة أرغينكون سبباً للشعور بالبهجة. إن حلفاءهم الذين يشبهونهم في التفكير يتعاونون في الغالب مع دوائر سلطة أردوغان. ومع ذلك، فإن تعقيدات العصر، عندما كانت تسير محاكمة أرغينكون، ستبقى في الذاكرة. فقد تم الكشف عن دوره الماكر في كتاب لأحمد سيفير قبل عام.

كتب سيفير، الذي عمل لفترة طويلة مستشاراً للرئيس التركي السابق عبد الله غول، قائلاً "لقد تم تنفيذ جميع العمليات في القضاء من قبل أنصار غولن والجواسيس وممثلي الادعاء الذين كانوا على اتصال وثيق مع أردوغان وبعلمه وموافقته، وكان زكريا أوز المدعي العام في محاكمة أرغينكون يعمل مباشرة تحت إمرة أردوغان".

لذا، فإن أحكام البراءة في محاكمة أرغينكون تمثل تذكيراً بالقاعدة الذهبية التي اتبعها الحكام الأتراك عبر عقود: للاستفادة من الإفلات الأبدي من العقاب، عندما تكون في السلطة، يجب أن تمنح أسلافك حصانتهم المكتسبة بصعوبة من الملاحقة القضائية.

هذه الحقيقة لا يمكن أن يفكر فيها حوالي 45 ألف سجين سياسي في تركيا.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/ergenekon/ergenekon-case-reflects-turkeys-culture-impunity
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.