قضية شميمة تسلط الضوء على دور تركيا في تسفير الجهاديين

لندن - أعادت قضية الجهادية البريطانية شميمة بيجوم التي غادرت لندن عام 2015 وكانت حينها في الخامسة عشرة من عمرها وذهبت إلى سوريا عبر تركيا مع صديقتين في المدرسة حيث تزوجت من أحد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، تسليط الضوء على الدور التركي في تسهيل عبور الجهاديين الأجانب إلى الساحة السورية والتحاقهم بجماعات إرهابية من ضمنها داعش وجبهة النصرة.

وشميمة بيجوم لم تكن استثناء في جحافل الجهاديين الذين تدفقوا على تركيا مركز العبور الرئيسي للإرهاب العابر للحدود ونقطة الترانزيت في رحلة "الجهاد" المسلح و"جهاد النكاح" الذي انتشر في السنوات القليلة الماضية وهي السنوات التي طبعت وحشية غير مسبوقة في سوريا والعراق خلال سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من البلدين الجارين.

ولم يلتفت المجتمع الدولي بما فيه الكفاية لهذه النقطة المفصلية في تغول داعش وتعاظم قوته بينما كان يستقبل من تركيا المئات من المتعاطفين قادمين إليه من مختلف مناطق العالم: من أوروبا والدول العربية ومن آسيا ومن الجمهوريات السوفييتية السابقة.

وكانت أول محطة لرحال هؤلاء المطارات التركية ومع أن العبور إلى سوريا والعراق يفترض أن يخضع لتدقيق أكبر باعتبارهما بؤرتي التوتر في المنطقة، كان هؤلاء يعبرون الحدود بسلاسة وبلا أي رقابة حين كان العالم منشغلا فقط بإسقاط النظام السوري أيا كان من يحاربه.

واستثمرت تركيا التي كشفت تقارير محلية ودولية تورط استخباراتها في دعم وتسليح تنظيمات مصنفة إرهابية، الانشغال الدولي بـ"فظاعات" يرتكبها النظام السوري بحق شعبه، لتسريع حركة هجرة الإرهاب والتطرف.

وتواجه حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتهامات بدعم وتمويل الإرهاب وتسهيل عبور المتطرفين إلى سوريا والعراق، بالنفي القاطع وتجادل بأن تركيا ذاتها عرضة للإرهاب، بينما تقول مراكز بحثية تهتم بشؤون الجماعات المتطرفة، إن الاعتداءات التي تعرضت لها تركيا لم تكن سوى نتيجة حتمية لتحالفات سابقة مع تلك الجماعات، معتبرة أن السحر انقلب على الساحر وأن النظام التركي يدفع الآن فاتورة صلاته بتنظيمات متطرفة

 وفي أحدث تطورات قضية شميمة بيجوم، رفضت المحكمة العليا في بريطانيا اليوم الجمعة السماح بعودتها وذلك كي تتمكن من الطعن في قرار الحكومة بتجريدها من جنسيتها على أساس أنها تشكل خطرا أمنيا.

وجُردت بيجوم (21 عاما) المحتجزة في معسكر اعتقال في سوريا من جنسيتها البريطانية في 2019، لكن محكمة الاستئناف سبق وقضت بأنه لا يمكنها الطعن على سحب الجنسية إلا إذا سُمح لها بالعودة إلى بريطانيا.

شميمة بيجوم دخلت تركيا وعمرها 15 عاما وعبرت إلى سوريا والتحقت بداعش بلا أدنى تعقيدات ولا مراقبة
شميمة بيجوم دخلت تركيا وعمرها 15 عاما وعبرت إلى سوريا والتحقت بداعش بلا أدنى تعقيدات ولا مراقبة

ونقضت المحكمة العليا في البلاد هذا القرار بإجماع الآراء، مما يعني أنها رغم أن بوسعها متابعة الطعن في قرار الجنسية، فإنها لا تستطيع فعل ذلك في بريطانيا.

وقال روبرت ريد رئيس المحكمة العليا إن "الحق في محاكمة عادلة لا يتفوق على كل الاعتبارات الأخرى، مثل سلامة المجتمع.. إذا كانت هناك مصلحة عامة حيوية تقتضي استحالة النظر في القضية بإنصاف، فلا يمكن للمحاكم في الأحوال العادية أن تنظر فيها".

وكانت قضية بيجوم موضوعا لنقاش محتدم في بريطانيا بين من يقولون إنها تخلت عن حقها في الجنسية بالسفر والانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية وآخرين يقولون إنها ينبغي ألا تُترك بلا جنسية وإن الأفضل أن تواجه محاكمة في بريطانيا.

وقالت جماعات حقوقية إن على بريطانيا واجب إعادة بيجوم ومن هم في نفس ظروفها، ومحاكمتهم، بدلا من تصدير المشكلة للآخرين.

وقضية عودة الجهاديين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية واحدة من القضايا التي باتت تثير جدلا وشدا وجذب بين الحكومات الغربية والمنظمات الحقوقية، فيما تغاضت تلك الحكومات عن الدور التركي المفترض في تسهيل عبور أبنائها من الجهاديين إلى الساحتين السورية والعراقية.

ورفضت الدول الأوروبية المعنية بهذه القضية عودة الجهاديين المحتجزين في معسكرات تشرف عليها الإدارة الذاتية للأكراد في شمال سوريا، خوفا من أن يشكل هؤلاء خطرا على أمنها في المستقبل بعد قضاء العقوبة السجنية.

ويشير دبلوماسيون أوروبيون إلى أن الجهاديين الأجانب تمرسوا على القتال وإتقان تقنيات التفجير وهذا في حدّ ذاته مبعث قلق كبير في حال عودتهم أو استعادتهم.

وحتى بالنسبة لزوجات الجهاديين الأجانب وأطفالهم وعددهم بالمئات، فإن معظم دول المنشأ ترفض استعادتهم خشية أن يتحولوا لمشاريع إرهاب في المستقبل حتى أن البعض وصفهم بأنهم قنابل موقوتة وأن برنامج إعادة التأهيل المفترض في حال استعادتهم لن يكون ذا جدوى فهؤلاء تشبعوا بفكر داعش المتطرف ويصعب ضمان أن يتخلوا على ما تربوا عليه.

واشتكت الإدارة الذاتية الكردية من عبء الجهاديين المحتجزين لديها ومن عوائلهم في مخيم الهول، مشيرة إلى احتمال فرارهم في ظل بيئة أمنية مضطربة وعلى ضوء هجمات تشنها تركيا على مناطق سيطرة الأكراد.

وطالبت مرارا الدول الأوروبية باستعادة جهادييها، لكن التجاوب مع تلك المطالب لايزال محل أخذ ورد وتردد من قبل الحكومات التي تواجه في المقابل انتقادات من منظمات حقوقية ومنظمات المجتمع المدني.

وكان يفترض أن تتحرك تلك الحكومات دبلوماسيا لكشف الصلات المحتملة بين النظام التركي والجماعات المتطرفة في سوريا تحديدا، حيث تلقي تركيا بثقلها عسكرية في دعم فصائل سورية معظمها متشددة.

ويعتقد أن الدول الغربية وتحديدا الأوروبية، تغاضت عن الممارسات التركية بسبب المصالح التي تربطها بتركيا وعلى ضوء علاقات شراكة كانت قوية قبل أن تتضرر بفعل سلوك تركيا العدوان في سوريا وليبيا وغره باغ وفي شرق المتوسط.

والدولة الوحيدة التي كشفت عن ارتباطات بين تركيا وجماعات متطرفة كانت روسيا وذلك في ذروة توتر العلاقات مع أنقرة في 2015 بعد إسقاط القوات التركية طائرة روسية ومقتل قائدها على الحدود مع سوريا.

واتهمت موسكو حينها أنقرة بشراء النفط الذي يهربه تنظيم الدولة الإسلامية من مناطق سيطرته في سوريا والعراق وعرضت صورا تظهر صهاريج النفط وهي تدخل تركيا.

لكن مع حالة التقارب بين موسكو وأنقرة التي طبعت العلاقات لاحقا، اختفت الروايات والاتهامات الروسية لتركيا بدعم وتمويل الإرهاب.