قناة إسطنبول مخاطر لتركيا ومنافع لأردوغان وحكام قطر

يعد مضيق البوسفور في إسطنبول أحد أهم الممرات التجارية في العالم، حيث شهد مرور أكثر من 41 ألف سفينة تحمل ما يقرب من 650 مليون طن من البضائع العام الماضي.

ومنذ 84 عاما، وُقعت اتفاقية مونترو، والتي تضمن سيطرة تركيا على مضيق البوسفور، جنبا إلى جنب مع الدردنيل وبحر مرمرة، والتي تعرف مجتمعة بالمضيق التركي وتوفر الوصول الوحيد إلى البحر الأسود من البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه. تضمن اتفاقية مونترو في وقت السلم المرور الحر للسفن المدنية والسفن البحرية التابعة لدول البحر الأسود الست، مع تقييد تدفق السفن من دول أخرى.

وقال المحلل في الشؤون البحرية والمستشار الدبلوماسي بول برايس لـ "أحوال تركية" "كانت الاتفاقية ضماناً لأن يشعر الجميع بالأمان والراحة، وألا يقوم أحد بشن حرب أخرى للسيطرة على المضائق من شأنها أن تكلف الكثير من الأرواح البشرية، ولكن أيضًا حتى لا تقوم تركيا باتخاذ بعض الإجراءات أحادية الجانب".

يمكن لقناة إسطنبول - المسار المائي الذي يتم التخطيط له بطول 45 كيلومترًا وبميزانية قدرها 25 مليار دولار يربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود، وموازية لمضيق البوسفور - أن تكون الإجراء الانفرادي الذي يقلب الاتفاقية ويثير غضب الدول الإقليمية بل ويثير الصراع. وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القناة، التي اقترحها لأول مرة قبل عقد من الزمان، بأنها مشروع سلامة اقتصادية ووسيلة نقل آمنة يتجاوز نطاق اتفاقية مونترو.

وقال برايس "في الأساس، يمكن لتركيا أن تطبق أي قواعد تريدها"، مشيراً إلى المستقبل الذي يتطلع إليه أردوغان من خلال بناء هذه القناة. "تمنح القناة تركيا بشكل أساسي ضماناً للوصول بين البحر الأسود وبحر إيجه".

ومنذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014، مما أثار نزاعًا حدوديًا مع أوكرانيا، سعى كل من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي - الذي تعد تركيا عضوًا فيه – إلى زيادة وجودهم في البحر الأسود كتحذير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ثم سعوا لجلب دعم بحري أكبر، ولكن تم تقييدهم من قبل اتفاقية مونترو، التي تنص على ضرورة إعطاء تحذير مسبق وتحدد الإقامة لمدة تصل لثلاثة أسابيع كحد أقصى في البحر الأسود بالنسبة للسفن البحرية التابعة للدول غير الساحلية وتحظر دخول السفن الكبيرة مثل حاملات الطائرات. حتى أن بعض المسؤولين الأميركيين تحدوا اتفاقية مونترو، بحجة أنها تقف دائماً لصالح تركيا.

وقال برايس "اللعبة في تركيا أكبر من الولايات المتحدة"، مشيراً إلى أن تركيا ترى أن سيطرتها على المضيق أمر بالغ الأهمية بالنسبة لقوتها البحرية وأن 22 مليون مواطن تركي يعيشون على طول المضيق ويعتمدون عليه. "سيكون هناك مقاومة كبيرة إذا حاولت القيام بأي شيء لتغيير الوضع القانوني أو الاستراتيجي للمضائق".

ومع ذلك نرى أن تركيا تفعل ذلك الآن، بهدف بناء قناة من شأنها أن تلقي بظلال الشك على اتفاقية مونترو. وبالنسبة لروسيا، فإن مصدر القلق الرئيسي هو أنه إذا كانت قناة إسطنبول ستنحي اتفاقية مونترو جانباً، فمن المحتمل أن تسمح تركيا بالمرور عبر مضيق البوسفور والدردنيل، اللذين يربطان البحار الخارجية بالمياه التركية الداخلية، ولكن تمنع أي مرور عبر بحر مرمرة، وتغلق بالكامل العبور عبر المضيق.

وقال برايس، الذي كتب الأسبوع الماضي عن اتفاقية مونترو لمركز الأمن البحري الدولي "إذا كان الأمر كذلك، فإننا سنقف أمام تحدٍ كبيرٍ للغاية عندما يتعلق الأمر بتدفق التجارة العالمية عبر المضيق".

واضاف "هذا سيصعد التوترات بين تركيا وروسيا. الكثير من تلك البضائع الخطرة التي تمر عبر المضائق التي عبرت تركيا عن مخاوفها بشأنها هي النفط والغاز الطبيعي الروسي، لذا هذا من شأنه أن يثير القلق عندما يتعلق الأمر باحتمال نشوب صراع متصاعد".

وهذا يفسر سبب وجود الكثير من المعارضة. حيث في يناير، وقع أكثر من 120 دبلوماسيًا تركيًا متقاعدًا رسالة تحذر الحكومة من أن بناء القناة سيؤدي إلى تقويض أمن تركيا. وحذر أرطغرل غوناي، النائب السابق في حزب العدالة والتنمية ووزير الثقافة والسياحة التركي في الفترة من 2007 إلى 2013، من أن دول البحر الأسود ستعترض على القناة.

يعتقد برايس أن كلا من الناتو وروسيا لن يكونا راضين عن المشروع. "أعتقد أن الأمر سيضع تركيا في موقف صعب للغاية. أعتقد أنه كان هناك قدر كبير من سوء التقدير عندما يتعلق الأمر بمشروع القناة".

وأشار إلى أن سبب إنشاء تركيا للقناة، الذي يعزز سلامة النقل والسكان المحليين، غير شرعي لأنه، كما أشار قباطنة الشحن الأتراك، فإن القناة الجديدة كما هو مخطط لها لن تكون عميقة بما يكفي لتساعد على تمرير سفن الشحن الكبيرة. وقال برايس "من الواضح أن هذه ليست النية الكامنة. ولكنها مسألة للتلاعب بأسعار العقارات في نهاية المطاف".

وفي عام 2018، اشترت العائلة المالكة في قطر، أحد أقرب حلفاء تركيا وداعم مالي رئيسي، أكثر من 44 ألف متر مربع على طول مسار القناة المخطط لها.  يمتلك بيرات البيرق، صهر أردوغان ووزير الخزانة والمالية التركي، أيضًا أرضًا على طول القناة المقترحة. ومن المتوقع أن تشارك العديد من الشركات التركية القريبة من حزب العدالة والتنمية في البناء، الأمر الذي سيواصل ممارسة هذه الحكومة في استخدام مشاريع البناء الكبيرة لكسب الأصدقاء وملء الخزائن.

ووصف عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، الذي ينتمي لحزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي والذي يُنظر إليه على أنه تهديد محتمل لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، القناة بأنها خيانة للمدينة، مشيراً إلى مخاوف بيئية. وانحاز ما يقرب من ثلاثة من كل أربعة من سكان إسطنبول مع رئيس بلديتهم في استطلاع حديث حول القناة المقترحة، مما يشير إلى أنها قد تكون قضية حاسمة تتجه إلى انتخابات 2023.

تم تقديم أول مناقصة للمشروع في مارس، ويعتقد برايس أن أردوغان وحزب العدالة والتنمية قد يضغطان لبدء بناء القناة قبل الانتخابات المقبلة، المقرر إجراؤها في أواخر عام 2023.

وقال برايس "السؤال هو ما إذا كان سيحدث هناك تغيرا في الحكومة قبل بدء الحفر. حيث بمجرد البدء بأعمال البناء ونقل الأحياء وإخلائها، من الصعب إرجاع الأمور كما كانت. لست متأكدًا تمامًا مما يمكن فعله في هذا الموقف إذا تم بناء القناة بنسبة 10 بالمئة، أو بنسبة 50 بالمئة، ثم يحدث تغيير في الحكومة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-economy/threat-istanbul-canal-and-race-stop-it
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.