جان تيومان
سبتمبر 21 2019

قرار هيئة الرقابة المصرفية: خطوة لربط القطاع الخاص بأردوغان

 

ثمة مزاعم خلف الكواليس منتشرة منذ فترة طويلة تقول إن نظام الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يسيطر في الأساس على الدولة، هو من افتعل الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد من أجل السيطرة على القطاع الخاص أو سيستغلها من أجل هذا الغرض.
وهذه المزاعم تقول إن النظام الحاكم سيقوم بهذا الأمر مستغلا في ذلك ديون الشركات المستحقة للبنوك والمصارف المختلفة. أي أن الشركات عندما تعجز عن سداد ديونها بسبب الأزمة الاقتصادية، فإن المقربين من حزب العدالة والتنمية سيفلتون من براثن الإفلاس، أما من عداهم فستعطى الأوامر ليصبحوا مفلسين. وبالتأكيد سيتم تصنيف هذه المزاعم من قبل النظام الحاكم على أنها من أدوات نظرية "المؤامرة والشائعات"، والسبب في ذلك هو أنه لا يوجد أي بيان أو تصريح رسمي حول هذا الموضوع، نتيجة القيود المفروضة على حرية التعبير في تركيا.
ورغم هذا وجدنا هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التابعة للنظام الحاكم، والمنوط بها مسؤولية رقابة وتنظيم النظام المصرفي في تركيا، قد اتخذت خطوة جديدة كانت كفيلة بالكشف عن أن هذه الخطة االطموحة التي نتحدث عنها، والمنسوبة إلى أردوغان، من الممكن أن تخرج عن نظرية "الشائعات والمؤامرات"، وتصبح واقعًا ملموسًا على الأرض.
فلنتذكر معا تلك الخطوة التي اتخذتها الهيئة المذكورة. فبحسب بيان رسمي صدر مساء الثلاثاء الماضي، طلبت الهيئة من البنوك لأول مرة اعتبار ديون بقيمة 46 مليار ليرة (8.1 مليار دولار) ديونًا معدومة بنهاية العام الحالي، ورصد مخصصات كافية لتغطية هذه الديون. ويعود الجزء الأكبر من هذه الديون المطلوب إعادة تصنيفها كديون معدومة إلى شركات تشييد وطاقة، لتصل نسبة الديون المعدومة في القطاع المصرفي التركي خلال العام الحالي إلى 6.3 في المئة من إجمالي قروض القطاع، وهو ما يزيد بنسبة طفيفة عن تقديرات هيئة الرقابة المالية في ديسمبر الماضي، وكانت 6 في المئة.
حدث هذا رغم أن الهيئة ذاتها سبق وأن قالت في أكثر من مناسبة إن مشكلة الديون المعدومة لا تعدو مجرد كونها أزمة مبالغ فيها، وأن جزءًا كبيرًا جدًا منها سيتم تحصيله.
فالهيئة المذكورة أعلنت نهاية العام الماضي، من خلال اختبارات الضغط التي قامت بها، أن نسبة القروض المعدومة لن تتخطى حاجز الـ6 في المئة في أسوأ الظروف. وبالتالي فإن مصير هذا الكلام هو سلة المهملات بعد الرقم الأخير لهذه النسبة الذي تم الإعلان عنه.
ومن جانب آخر نجد أن قرار هيئة التنظيم والرقابة المصرفية أحضر في معيته مجموعة من الأسئلة وعلامات الاستفهام. فالبيان الصادر عنها يترك انطباعًا وكأن المصارف كانت تخفي هذه القروض والديون، واكتشفتها الهيئة فجأة، ومن ثم قامت باتخاذ هذا الإجراء.
هذا في حين أن الديون التي تعاني أزمة الدفع والتحصيل في القطاع المصرفي التركي معروفة بشكل واضح. فعلى سبيل المثال عند تحليل بيانات النظام المصرفي التركي، يتضح أن أكبر 10 بنوك تمتلك 90 في المئة من سوق القروض، لديها 114 مليار قروض مجمدة أي معدومة تمامًا، وذلك اعتبارًا من نهاية شهر يونيو الماضي. ولقد بدأت الجهات المعنية اتخاذ الإجراءات القانونية بحق تلك القروض.
وخلافًا لذلك هناك قروض بقيمة  278 مليار ليرة فيها مشاكل، لكن لم يتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقها. 108 مليارات من هذا المبلغ دخل مرحلة إعادة هيكلته من جديد، وهذا لا يقتضي اتخاذ الإجراءات القانونية. أما الجزء المتبقي وقيمته 170 مليار دولار فمنذ 3 أشهر يعاني من مشكلة السداد. وهذه عبارة عن قروض مجهولة المصير إذ لم تعاد هيكلتها ولم تتخذ الإجراءات القانونية بحقها.
ومن ثم فإن قرار هيئة التنظيم والرقابة المصرفية عمليًا لا يتضمن الإلمام بكافة القروض المعدومة غير المعروفة حتى اليوم، ولا يتضمن اتخاذ تدابير بحقها. بل هو فقط يوضح كم من القروض المتأزمة المعروفة يمكن مقاضاتها.
وبهذا القرار المثير للجدل، يسمح لمقاضاة مبلغ 46 مليار ليرة من القرض البالغة قيمته 170 مليار ليرة التي لم تدفع حتى الآن، ولم تتم إعادة هيكلتها.
ومع ذلك فإنه عند النظر للأمر من حيث اللوائح القانونية، نجد أن قيام هيئة التنظيم والرقابة المصرفية باتخاذ قرار كهذا، أمر ينطوي على نوع من التناقض الغريب. وذلك لأن اللوائح القانونية في تركيا تحدد من تلقاء نفسها كيفية  اعتبار القرض معدومًا، بل وتوضح كذلك كيفية تعقبه قانونيًا. كما أن النقطة المتعلقة بالتقويم الزمني محددة بشكل لا يقتضي موافقة من الهيئة أو ما شابه. ومع هذا فإن تنظيم الأمر يعود للهيئة ذاتها.
ووفقًا لتعميم هيئة التنظيم والرقابة المصرفية بخصوص "تصنيف القروض"، فإنه إذا تعثر دفع قرض ما لمدة تتراوح بين شهر وثلاث أشهر، فإن هذا القرض يصنف ضمن "المجموعة الثانية" وهي القروض المراقبة بشكل وثيق. أما إذا امتدت فترة التعثر لمدة تتراوح بين 3 إلى 6 أشهر، يدخل القرض ضمن "المجموعة الثالثة"، بينما يكون تصنيفه ضمن "المجموعة الرابعة" إذا تعثر الدفع لمدة تتراوح بين 6 إلى 12 شهرًا، أما إذا تأخر السداد لأكثر من 12 شهرَا يصنف القرض ضمن "المجموعة الخامسة". ومن ثم فإن البنوك ستكون مضطرة لرصد مخصصات كافية لتغطية 20 في المئة من قروض "المجموعة الثالثة"، و50 في المئة من قروض "المجموعة الرابعة"، و100 في المئة من قروض "المجموعة الخامسة". أي أن قروض "المجموعة الخامسة" تعتبر معدومة تلقائيًا. واعتبارًا من "المجموعة الثالثة" تكون الطريق ممهدة أمام الإجراءات القانونية.
وبذلك فإن قرار هيئة التنظيم والرقابة المصرفية الأخير يعني قيامه وبشكل مفاجئ اعتبار 46 مليار ليرة لم ترصد لها حتى اليوم مخصصات، ولم تتخذ بحقها أية إجراءات منصوص عليها، وهذا يعتبر إيذانًا ببدء تطبيق الإجراءات القانونية بحقها.
وفي هذه النقطة هناك سؤالان يطرحان نفسيهما بشكل حتمي، يمكننا عرضهما على هذا النحو:
1)    لماذا غضت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية حتى يومنا هذا الطرف عن عدم تطبيق الإجراءات اللازمة على القروض المتعثرة خلال المدة الطبيعية لذلك، رغم أن هذه القروض تتم متابعتها لحظة بلحظة؟
2)    رغم أن قيمة القروض التي لم تسدد ديونها للبنوك، ولم تستفد من إمكانية إعادة الهيكلة، تبلغ 170 مليار ليرة، لماذا اعتبر 46 مليار منها فقط ديون معدومة، وطلب تطبيق الإجراءات القانونية بحقها؟ فأي معايير تطبقها هيئة التنظيم والرقابة المصرفية؟
وليست هذه المرة الأولى التي تتعمد فيها هيئة التنظيم والرقابة المصرفية القيام بهذه الممارسات، إذ أنها سبق وأن فعلت نفس الشيء، مع أصحاب رؤس أموال مقربين من نظام الرئيس رجب طيب أردوغان، إذ حالت دون قيام المصارف بتطبيق الإجراءات القانونية بحق قروض تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، وضغطت على تلك المصارف حتى أطالت مدة تحصيل القروض؛ وهذا ليس لشيء إلا لأن المدانين رجال أعمال مقربون من نظام العدالة والتنمية.
وختاما يمكننا القول إن هذه الطريقة التي تنطوي على كثير من العيوب، لتثير الشكوك حول طريقة عمل الهيئة المذكورة المنوط بها تفعيل القانون كما ينبغي. فطريقة عملها فيها تناقض كبير في المواقف والقرارات، إذ تغض الطرف عن قروض متعثرة وتعتبرها معدومة، بينما تُبقي على أخرى كما هي وتأمر ببدء اتخاذ الإجراءات القانونية بحقها.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/bddk-karari-ozel-sektoru-erdogana-baglama-adimi