قصّة نادي جيزري.. نقطة في بحر قضية الأكراد في تركيا

"لقد استضفناهم في الماضي بكل ترحاب". كانت هذه كلمات معروف سيفينج، رئيس نادي جيزري لكرة القدم الذي ظل على مدى عشر سنوات يمثّل مدينة جيزري، الواقعة في المنطقة ذات الأغلبية الكرديّة جنوب شرقي تركيا. وينافس الفريق في دوري الدرجة الثالثة، الذي ينظمه الاتحاد التركي لكرة القدم، منذ عام 2015.

في فبراير الماضي، خاض نادي جيزري مبارة على ساحل البحر المتوسط أمام نادي سيريك بلديسبور. وعقب المباراة، التي انتهت بالتعادل بهدف لكل من الفريقين، تعرّض فريق نادي جيزري لهجوم، أُصيب فيه بعض لاعبي الفريق. ووصف سيفينج تفاصيل ذلك الهجوم لوسائل الإعلام في وقت لاحق.

بينما كان فريق نادي جيزري يسير باتجاه استاد سيريك، كانت مكبّرات الصوت تصدح بأغنية لتاركان – أحد أشهر المطربين في تركيا. لكن فور دخول فريق جيزري، تبدّلت الأغنية، وصدحت مكبّرات الصوت بأغنية تقول كلماتها "أموت من أجل بلدي تركيا" وهي أغنية معروفة لدى القوميين. وما أن بدأت المباراة حتى تقدّم نادي جيزري بهدف. لكن النتيجة مُحيت من لوحة الأهداف، وحلّت محلها صورة العلم التركي. وقد كان الحكم منحازاً ضد فريق جيزري، وعاقب ثلاثة من لاعبي الفريق. انتهت المباراة بالتعادل بهدف لكل من الفريقين، وبعد ذلك بدأت الأحداث. بدأت الجماهير تقذف أشياءً من المدرجات، وبدأ مدربو فريق بلديسبور ولاعبوه ومشجعوه في مهاجمة لاعبي جيزري. وكالمعتاد، كانت الشرطة تراقب من بعيد. لم يكن بوسع لاعبي جيزري مغادرة الاستاد حتى تدخّلت العربات المدرعة بعد مرور ساعة ونصف الساعة على بداية الأحداث.

في روايته للأحداث، يقول سيفينج "في مباراة الذهاب، جاء فريق سيريك إلى جيزري، واستضفناهم بكل ترحاب".

في ذلك الوقت، ظل صدى تلك الكلمات يتردد كثيراً في أذني لفترة طويلة – "لقد استضفناهم بكل ترحاب". بعد مرور نحو عام على تلك الأحداث، أعلن نادي جيزري هذا الأسبوع انسحابه من الدوري بسبب الهجمات التي يتعرض لها. جاء الإعلان المقتضب على النحو التالي:

"لا طاقة لنا بالوقوف في وجه فوضى الاتحاد التركي لكرة القدم والاتحاد المركزي للحكّام. قرر رئيس نادينا معروف سيفينج انسحاب نادي جيزري من الدوري، بسبب الظلم الذي تعرضنا له في استادنا وفي المباريات التي خُضناها خارجه، وبسبب السلوك العنصري والمتعصّب الذي ينتهجه الحكّام".

لكني متأكدة من أن نادي جيزري استضاف الجميع بكل ترحاب. ليس نادي جيزري فحسب، وإنما أيضاً كثير منّا نحن الأكراد يحسنون دائماً ضيافة الكثير من الزوّار القادمين من غربي تركيا.

أرى هذا كثيراً منذ طفولتي. ولا أشير هنا إلى كرم ضيافة عادي، وإنما كرم ضيافة كبير، نحاول من خلاله أن نُثبت للغربيين كيف أننا أناس طيبون. ولسنوات، ظل الأكراد يسارعون إلى استضافة "الأشقاء والشقيقات" القادمين من الغرب، إيماناً منهم بأننا "يجب أن نستضيفهم بكل ترحاب لكي يستطيعوا أن يروا بأنفسهم كم نحن الأكراد طيبون ومسالمون".

لا أعرف ما الذي يراه الضيوف الآخرون وما هي انطباعاتهم، لكننا رأينا الكثيرين هنا في السنوات الخمس الماضية. في صيف عام 2015، انهارت عملية السلام بين الحكومة التركية والحركة الكردية، ويتصاعد الضغط على الشعب الكردي منذ ذلك الحين. وخلال فرض حظر التجوُّل على مدار الساعة في مدينة سور، في ديار بكر جنوب شرقي البلاد، في أكتوبر من ذلك العام، كتب شخص على أحد المنازل عبارة ساخرة تقول "السيدات والسادة، لقد أتينا ولم تكونوا هنا". وبعد رفع حظر التجول المستمر، في اليوم الذي اغتيل فيه الناشط الكردي طاهر ألجي في نوفمبر، قرأت عبارة أخرى كانت تقول "نحن هنا، فأين الأوغاد؟".

هذا الحديث عن كرم الضيافة يذكّرني بمحاولات أمي استضافة معلّمين من الغرب كانت الحكومة المركزية في تركيا ترسلهم لتعليم الأطفال الأكراد، وكانوا يقيمون في بنايتنا. بعض هؤلاء المعلمين الذين "أحسنّا ضيافتهم" كانوا يعلموننا في المدرسة أن اللغة الكردية والانتماء الكردي من الأمور السيئة. لكن على الرغم من ذلك، كانت أمي تحسن ضيافتهم دائماً.

على الرغم من كل هذا، أتعجب كيف لا تستطيع أمي، ورئيس نادي جيزري، والكثير من الأكراد أن يصدّقوا ما يحدث لهم. هم يعتقدون أنك إن أحسنت إلى جارك، فسيقابل البر بالبر. لكن جارك لا يؤمن حتى بأنك جار، بل ويحاول أن يطردك من بيتك.

لماذا كتبت هذا المقال؟ كتبته لأنه كانت لدي بعض الأمور التي كنت أريد أن أقولها لمن يجهرون بهذا النهج التمييزي والعنصري، ويتسلطون على نادي جيزري، ونادي آمد، والموظفين الأكراد في إسطنبول، والطلاب الأكراد في إزمير، والمزارعين الأكراد في أردو، وأصحاب الأعمال الأكراد في أنقرة، والمطربين الأكراد في بودروم، والكثيرين غيرهم.

لهؤلاء، أود أن أقول: لقد استضفناكم بكل ترحاب.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/kurdish-question/cizrespors-story-fraction-turkeys-kurdish-question
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.