بول إيدن
يوليو 17 2019

قواعد تركيا العسكرية في الخارج محاولة لاستعادة نفوذ العثمانيين

أنشأت تركيا عددا من القواعد العسكرية في كل من الشرق الأوسط وأفريقيا خلال السنوات الأخيرة. ويتيح ذلك لأنقرة نشر عتاد جوي وبري وبحري كبير في مناطق ذات أهمية استراتيجية خارج حدودها وتحدي منافسيها الإقليميين - وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية - في العديد من المناطق الرئيسية.

وقد شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي على أن تركيا لم تسع قط إلى التوسع خارج حدودها أو التدخل في بلد آخر.

وقال أردوغان خلال زيارة للعاصمة البوسنية سراييفو: "أود التأكيد على أن جمهورية تركيا لم تتحرك قط بمنظور توسعي أو تدخلي... كما نقول دائما، ليس لنا مطامع في أرض أي بلد أو سيادته أو شؤونه الداخلية".

لدى تركيا قوات عسكرية متمركزة في عدد من الدول خارج حدودها. فلها قوات في العراق وسوريا المجاورتين وكذلك في الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. وفي معظم البلدان التي تتمركز فيها قواتها حاليا، تنشر أنقرة تلك القوات بموجب اتفاقيات مع الحكومات المضيفة.

وأشار ليفينت أوزغول، المحلل التركي المختص بشؤون الدفاع، إلى أن تركيا لديها "قواعد رسمية للحملات العسكرية" في قطر والصومال وشمال قبرص والسودان، إلى جانب "أنشطة غير رسمية في طرابلس في ليبيا"، حيث تدعم تركيا حكومة الوفاق الوطني وتمدها بالسلاح في مواجهة الجيش الوطني الليبي الذي تدعمه دول خليجية.

وأبلغ أوزغول موقع "أحوال تركية" قائلا: "عمليات النشر في قطر والصومال والسودان والجهود المبذولة في ليبيا كلها ضد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة".

وتملك تركيا قاعدة عسكرية في قطر منذ عدة سنوات، مما يمنح قواتها موطئ قدم في الخليج. وعندما قاد السعوديون والإماراتيون مقاطعة شديدة فرضوها على قطر في صيف العام 2017، عززت تركيا وجود قواتها هناك في إظهار واضح لدعم حليفتها.

وفي الصومال، أسست تركيا قاعدة عسكرية كبيرة في العاصمة مقديشو لتدريب القوات الصومالية. وقد كلفتها هذه القاعدة ما يقدر بواقع 50 مليون دولار، ويمكنها تدريب نحو 1500 جندي صومالي دفعة واحدة لمساعدة مقديشو على محاربة جماعة الشباب.

ويقول أوزغول إن قبرص هي "أكثر البؤر توترا" بين المناطق التي تنشر فيها تركيا قوات عسكرية. فعمليات التنقيب التركية عن الغاز الطبيعي المكتشف حديثا قبالة السواحل الجنوبية لجمهورية قبرص تلقى معارضة من الاتحاد الأوروبي ودول أخرى في المنطقة وكذلك الولايات المتحدة، التي حثت أنقرة على التوقف عن التنقيب.

وتحتفظ تركيا بنحو 30 ألف جندي في جمهورية شمال قبرص التركية غير المعترف بها دوليا، ووردت تقارير تفيد بأنها تفكر أيضا في بناء قاعدة بحرية هناك، وهو أمر من المرجح أن يعارضه معظم المجتمع الدولي كونه يقوض الاحتمالات البعيدة بالفعل لإعادة توحيد قبرص.

وخلص أوزغول إلى أن العقبة الأساسية التي تواجه تركيا في الحفاظ على قواعدها في الخارج تتمثل في "إمكانية الوصول" إليها، نظرا لقدرة مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على غلق البحر الأحمر والخليج بسهولة.

ويقول مصطفى غوربوز، الزميل غير المقيم في المركز العربي في واشنطن، إنه "قد يكون مدهشا أنه مع التراجع السريع للقوة الناعمة لتركيا في الشرق الأوسط، يكون النشاط العسكري التركي في أوجه، مما يترك بصمة لم يسبق لها مثيل منذ العصر العثماني".

وأبلغ غوربوز موقع "أحوال تركية" قائلا: "إدراك أردوغان المتزايد للتهديدات عامل مهم لتأسيس قواعد في قطر والصومال، ولكن بعيدا عن أردوغان، فإن القواعد العسكرية التركية في العراق وسوريا جاءت نتيجة لتعميق سياسة الدولة ضد القومية الكردية في الأمد الطويل".

وأضاف: "إنه لفارق مهم؛ فعلى الرغم من أن المواقع العسكرية التركية تثير انتقادات محلية في العراق وسوريا، إلا أن تدخل تركيا في هذين البلدين المتاخمين لحدودها يبدو أكثر رسوخا واستدامة مقارنة مع تلك المقامة حديثا في الصومال وقطر".

يعارض النظام السوري بشدة الوجود العسكري التركي في سوريا. فالجيش التركي والميليشيات المتحالفة معه يحتلون مساحات شاسعة من شمال غرب سوريا بعد انتزاع السيطرة عليها من تنظيم الدولة الإسلامية والقوات الكردية السورية في عمليتين منفصلتين جرى تنفيذهما في 2016-2017 وأوائل العام 2018. ويحتفظ الجيش التركي أيضا باثنتي عشر نقطة مراقبة حول محافظة إدلب السورية أقيمت بموجب اتفاق أستانا المبرم مع روسيا وإيران.

وفي شمال العراق، أثار وجود تركيا في معسكر تدريب في بلدة بعشيقة بمحافظة نينوى غضب بغداد في شهر ديسمبر من العام 2015، حين نشرت أنقرة قوات إضافية بدون إذنها. كما تملك تركيا العشرات من قواعد العمليات المتقدمة في كردستان العراق، والتي تستخدمها في دعم عملياتها ضد حزب العمال الكردستاني في جبال هذا الإقليم شبه المستقل. وقد تعرضت إحدى هذه القواعد لهجوم من محتجين أكراد غاضبين في شهر يناير بعد شن ضربات جوية تركية استهدفت حزب العمال الكردستاني وقتلت ستة مدنيين.

وقال غوربوز: "إن طموحات تركيا الإقليمية والتنافس الجغرافي الاستراتيجي في البحر الأحمر عامل رئيسي في بلورة تصورات نظام أردوغان للتهديدات".

وأشار إلى أنه بعد انقلاب يوليو 2013 في مصر، "أدى تجريم جماعة الإخوان المسلمين من جانب التحالف الذي تقوده السعودية ومقاطعة قطر إلى تكثيف التحركات التركية ذات النزعة العسكرية".

وأضاف: "فتح أكبر قاعدة عسكرية في مقديشو هو أبرز النتائج المباشرة لهذا التصور للتهديدات".

وتابع: "لطالما نشطت تركيا في الصومال على مدى السنوات العشر الأخيرة. وعلى الرغم من ذلك، فإن التحول من العلاقات الاقتصادية إلى العلاقات العسكرية هو قرار جغرافي استراتيجي مهم للتحالف التركي القطري في لعبة القوى بالقرن الأفريقي".

لقد شهدت تركيا انتكاسة بالفعل في لعبة القوى هذه. واختتم غوربوز قوله بالإشارة إلى أن الانقلاب الذي شهده السودان في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى "انهيار آمال" تركيا بشأن قاعدتها في جزيرة سواكن السودانية، "يشير إلى أن القواعد العسكرية التركية في المناطق الأبعد تقف على أرض هشة، ومستقبلها سيعتمد على الكثير من العوامل الجغرافية الاستراتيجية الخارجة عن نطاق سيطرة أنقرة".

في الآونة الأخيرة، ثمة نظرة عامة بخصوص المنشآت البحرية التركية في الخارج كتبها الدكتور ميخائيل تانشوم، الزميل البارز في المعهد النمساوي للدراسات الأوروبية والأمنية والزميل في معهد ترومان لأبحاث تقدم السلام التابع للجامعة العبرية في إسرائيل والزميل غير المقيم في مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة باشكنت في أنقرة. وقد وصفها بإيجاز بارع بأنها "عقد من اللؤلؤ يتحدى مباشرة قوة التحالف بين مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة".

وأضاف: "مع التعزز العسكري التركي في منطقة القرن الأفريقي، فإن تنافس التحالف التركي القطري مع تحالف مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة خلق صدعا ملتهبا يغطي الآن كامل الممر البحري بين شرق المتوسط والبحر الأحمر".

وقال تانشوم لموقع "أحوال تركية": "المنشآت البحرية التركية في الخارج تمثل جزءا أساسيا من جهود تركيا الرامية لتوسيع قوتها الناعمة وصورة قوتها الخشنة... غالبا ما تطور تركيا شراكاتها العسكرية في سياق حزم المساعدات والتنمية".

وأشار إلى أن "حجم هذه المنشآت الخارجية المتعددة وقدراتها البحرية يختلف اختلافا كبيرا".

وتابع: "في حين أن العتاد البحري التركي مخصص للدفاع عن المناطق الأساسية حول سواحل تركيا، إلا أن تركيا تعمل باستمرار على التوسع في استعراض قوتها البحرية في المياه العميقة منذ العام 2003... لذا، فإن وجود تركيا في الخارج هو أكثر من كونه مجرد وجود رمزي".

وأشار تانشوم أيضا إلى أن "الاضطرابات السياسية في عدة بلدان مختلفة تحتفظ فيها تركيا بوجود لها قد تمثل في الواقع نقطة ضعف للأنشطة التركية".

وقال: "نشهد موطن الضعف هذا في السودان... التنافس بين تكتل تركيا وقطر وتكتل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يمتد على مساحة شاسعة من أفريقيا والشرق الأوسط".

في هذه الحرب الباردة الإقليمية، تحرص مختلف الأطراف الفاعلة المحلية أيضا "على الحصول على المساعدة من جانب أو آخر لكسب ميزة تتفوق بها على منافسيها المحليين".

وأضاف: "نرى ذلك من ليبيا إلى الصومال... المشكلة الآن هي أن هذه الصراعات التي كانت منفصلة في السابق باتت مترابطة بشكل متزايد، بحيث يمكن أن تؤثر إحدى بؤر التوتر على الأخرى.

"ما لم يتغير توجه السياسات التركية، ستواصل أنقرة الاهتمام بالمنشآت الخارجية وتحقيق مصالحها فيها".

واختتم تانشوم قوله بالإشارة إلى أن أحد الشواغل الرئيسية لدى تركيا في الوقت الحالي يتمثل في توسيع "سوق صناعتها الخاصة بالأسلحة الناجحة للغاية".

وأضاف: "تعمل تركيا على تعميق علاقاتها مع عدة دول مختلفة عبر مبيعات الأسلحة.

"بعض هذه العلاقات قد يتمخض عن المزيد من المنشآت العسكرية لتركيا في الخارج".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-military/significance-turkeys-overseas-military-bases
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.