عقوبات أميركية على إيران.. دور جديد لتركيا

تجري إيران وتركيا جولة من المحادثات لتعزيز التجارة والتعاون في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة. دائما ما ارتبط البلدان بعلاقات تجارية قوية حتى أثناء فرض عقوبات من الأمم المتحدة على طهران، وتعتبر إيران تركيا نافذة لها على العالم في ظل عزلتها السياسية.

وبعد العقوبات التي أعادت الولايات المتحدة فرضها على طهران، والتي أصابت اقتصاد إيران بالشلل وقلصت كثيرا من صادراتها من النفط الخام، زادت أهمية تركيا بالنسبة لطهران كونها مضطرة الآن للاعتماد على الدخل الكبير الذي تجنيه من تركيا مقابل واردات الغاز الطبيعي.

تشترك تركيا وإيران في حدود طولها 530 كيلومترا. تعتمد تركيا بشكل شبه حصري على استيراد الطاقة، في حين أصابت العقوبات المستمرة منذ عقود قطاع الصناعات التحويلية الإيراني بالشلل. وفي شهر نوفمبر من العام 2018، كشفت الولايات المتحدة النقاب عن الأبعاد الكاملة لعقوباتها الجديدة على قطاعات النفط والشحن والبنوك الإيرانية، بعدما انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي المبرم مع إيران، والذي جرى توقيعه في العام 2015. ومن بين الأهداف الرئيسية لهذه العقوبات وقف صادرات الجمهورية الإسلامية من الطاقة بالكامل. وقد تم منح ثمانية من كبار الشركاء التجاريين لإيران، ومن بينهم تركيا، إعفاءات مؤقتة لمدة ستة أشهر بعد بدء سريان العقوبات.

كانت إيران تأمل في أن يقاوم شركاؤها التجاريون في الشرق العقوبات المفروضة عليها. ولكن على أرض الواقع، امتثلت جميع الدول تقريبا لأوامر الولايات المتحدة. وأدانت تركيا العقوبات الأميركية، وأعلنت أنها لن تلتزم بها. بيد أن شركة (توبراش)، المصفاة التركية الوحيدة التي كانت تشتري النفط الخام الإيراني، امتثلت امتثالا صارما للعقوبات.

وعلى الرغم من أن خرق العقوبات قد يكون عملا مربحا للبلدان وخاصة الأفراد المشاركين فيه، لم يكن الامتثال الواسع النطاق للعقوبات الأميركية مفاجئا نظرا للمخاطر العالية التي ينطوي عليها هذا الخرق. وقبل انتهاء فترة الإعفاءات المؤقتة في شهر مايو، استغلت الهند – ثاني أكبر مستورد للمنتجات الإيرانية – المشكلات التي تواجهها إيران لتدفع ثمن الواردات بالروبية في حسابات ضمان، مع تخصيص نصف المبلغ المدفوع لشراء سلع هندية. ومع ذلك، وفي ضوء المخاطر المتمثلة في مواجهة غرامات بمليارات الدولارات أو الاستبعاد من النظام المالي العالمي، لم تجرؤ أي دولة على مواصلة تجارة النفط الخام مع إيران، مكتفية بانتقاد العقوبات الأميركية علانية.

يكمن السبب وراء الامتثال الواسع النطاق للعقوبات الأميركية في التكنولوجيا المتطورة، التي تتيح رصد التجارة النفطية الإيرانية وتتبعها بشكل فوري. هذه التكنولوجيا التي ترصد حركة التجارة بمساعدة الأقمار الصناعية تزيد من فعالية العقوبات الأميركية المفروضة على إيران أكثر من ذي قبل، وتحول دون استخدام إيران لسبل التهرب منها والالتفاف عليها مثل تغيير الأعلام التي تحملها سفن الشحن أو غلق نظام الإشارات اللاسلكية للناقلات. كما أدرجت الولايات المتحدة أيضا 50 من البنوك الإيرانية والكيانات التابعة لها على القائمة السوداء. كانت الإجراءات المتخذة ضد النظام المالي شاملة جامعة بحيث تردع أي تجارة مع إيران.

ومن ثم، ولت بلدان كثيرة وجوهها شطر موردين آخرين للنفط الخام غير إيران بعد شهر مايو من العام 2019. قلصت تركيا أيضا الكميات التي تستوردها بشكل مطرد من خلال زيادة حصتها من النفط الروسي والعراقي، وتوقفت عن شراء الخام الإيراني بداية من هذا التاريخ. ألحقت العقوبات ضررا شديدا بالاقتصاد الإيراني من عدة نواح، وهو ما أثار أيضا احتجاجات واسعة النطاق. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الإيراني انكمش بنسبة 9.5 في المئة خلال 2019،، مسجلا أسوأ أداء له منذ العام 1984.

وعلى الصعيد الإقليمي، يلعب الغاز الطبيعي الإيراني دورا حيويا في مجال أمن الطاقة. لاسيما بالنسبة للعراق وتركيا. فتركيا تلبي ما يربو على 15 في المئة من احتياجاتها من الغاز بالاستيراد من إيران، ومن المستحيل أن تجد بديلا دون أن تواجه خسائر واضطرابات كبيرة بالنظر إلى الطاقة الاستيعابية الحالية للأنابيب وتنامي الطلب على الغاز في البلاد.

وفي مواجهة التهديدات ذاتها، حصل العراق على إعفاءات مؤقتة لاستيراد الكهرباء والغاز الطبيعي من إيران، والتي مددتها الولايات المتحدة حتى الآن بفترات مدتها ثلاثة أشهر. وفي إطار هذا الإعفاء، لا يمكن لبغداد أن تدفع ثمن الغاز الإيراني بالدولار الأميركي. وعلى الرغم من ذلك، تنتهي مدة الإعفاء الحالي في شهر فبراير، ولم يتضح بعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستمدده مجددا، في ضوء تصاعد التوترات السياسية والعسكرية مع طهران. وهددت الولايات المتحدة العراق أيضا بعقوبات بعدما طالب البرلمان العراقي الحكومة العراقية بطرد القوات الأميركية من البلاد.

وعلى الرغم من أن وفودا تركية وأميركية اجتمعت لبحث أبعاد العقوبات التي أعيد فرضها، ليس معروفا حتى الآن ما إذا كانت تركيا حصلت على إعفاء منفصل من واشنطن فيما يخص كيفية دفع ثمن الغاز الطبيعي. منحت الولايات المتحدة فقط إعفاء لحصة شركة نفط إيران للتجارة الدولية (نيكو) في خط أنابيب الغاز العابر للأناضول (تاناب)، والذي يهدف إلى ضخ الغاز من حقل شاه دنيز عبر تركيا إلى أوروبا. من ناحية أخرى، لا تشمل العقوبات الأميركية تجارة الغاز الطبيعي بشكل مباشر، ومن غير الواقعي أن نتوقع من تركيا خفض وارداتها من الغاز الطبيعي الإيراني. وعلى هذه الخلفية، يبدو أن الولايات المتحدة تتجاهل هذه التجارة والمدفوعات المتعلقة بها، وربما باتفاق شفهي أو ضمني.

على الرغم من أن تركيا والكيانات التركية قد اتُهمت عدة مرات بالالتفاف على العقوبات، إلا أن تلك الخطوة ليست مرجحة هذه المرة. في العقد الأخير، اتهمت الولايات المتحدة تركيا بالتحايل على عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على إيران، واتهمتها روسيا بتسويق النفط لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وقالت الأمم المتحدة إن تركيا انتهكت حظرا للأسلحة مفروضا على ليبيا، واتُهمت بعض الشركات التركية بالالتفاف على العقوبات المفروضة على فنزويلا. تواجه تركيا الآن عواقب وخيمة فيما يتعلق بدورها المحوري في الالتفاف على عقوبات الأمم المتحدة المفروضة على إيران. فبنك خلق التركي الذي تديره الدولة قد يواجه غرامات باهظة، وربما يواجه الأفراد المتورطون في مخطط التهرب عقوبات مثلما واجه حقان عطا الله المسؤول التنفيذي السابق في بنك خلق الذي حُكم عليه بعقوبة السجن 32 شهرا في الولايات المتحدة في شهر يناير من العام الماضي.

وحتى من دون خرق العقوبات، باتت تركيا شريكا تجاريا أكثر أهمية لإيران في مجال الطاقة في ظل اعتمادها المتزايد على صادرات الغاز الطبيعي إلى البلاد. وفي شهر أكتوبر الماضي، قدرت وكالة رويترز للأنباء أن إيران صدرت 260 ألف برميل فقط من النفط يوميا، مقارنة مع 2.3 مليون برميل في بداية العام 2018، ومليون برميل في شهر أبريل الماضي. وفي الأشهر العشرة الأولى من 2019، باعت إيران لتركيا ستة ملايين متر مكعب قياسي من الغاز الطبيعي.

لقد كانت تجارة الغاز الطبيعي مع تركيا تجارة مربحة بالفعل لإيران قبل العقوبات، حيث كان السعر يُحدد بناء على أسعار النفط الخام، مما أدى إلى الحصول على أسعار أعلى من العقود القائمة على أسعار الغاز في السوق الفورية، والتي صارت شائعة بسبب التفاوت بين أسعار النفط والغاز. كانت تركيا تدفع ثمن الغاز أيضا بالدولار الأميركي، وفي الآونة الأخيرة، استطاعت إيران بيع نفطها الخام بالعملات الوطنية، لكننا لا نعلم الوضع الحالي للمدفوعات بعد العقوبات الأميركية.

إذا استمر هذا الاتجاه، فإن تركيا قد تكون وجهة مهمة لصادرات الطاقة الإيرانية في العام 2020. غير أن تصاعد التوترات بين إيران والعراق والولايات المتحدة ربما يسبب انتكاسة في تجارة الغاز الطبيعي بين إيران وتركيا، وهو ما قد يضر كلا البلدين من الناحية المالية.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/iran-turkey/iran-sanctions-new-role-turkey-0
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.