رد ترامب على شراء تركيا صواريخ إس-400 يعكس المصالح الأميركية

وضعت التسريبات التي أوردتها صحيفة واشنطن بوست حداً لأي تساؤلات بشأن ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيسعى إلى وسيلة لتأجيل فرض عقوبات على تركيا أو تقليل تأثيرها رداً على وصول مكونات صواريخ إس-400 الروسية إلى أنقرة.

وعلى عكس صنع القرار لدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يبدو أن ترامب يركز على القيام بما هو أفضل لمصلحة بلاده. يكشف تقرير واشنطن بوست عن قرار القيام بما هو أفضل لمصالح الولايات المتحدة، وليس تلبية رغبة الكثيرين من أعضاء الكونغرس في فرض عقوبات على تركيا.

وذكرت صحيفة واشنطن بوست في الرابع والعشرين من يوليو أن ترامب وبعض أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين الأصدقاء اختلفوا بشأن الخطوات التالية فيما يتعلق بتطبيق العقوبات على تركيا رداً على قرارها المضي قدماً في الحصول على منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400. واستشهدت واشنطن بوست بمصادر لم تسمها حضرت المناقشات في البيت الأبيض، وكذلك بعض المشاركين الذين تم تحديدهم أو المتحدثين باسمهم، وصورت الصحيفة أن ترامب "على خلاف" مع أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين. وهذا غير مرجح للغاية.

أراد البيت الأبيض على الأرجح نشر صورة ترامب على أنها محاولة لإيجاد طرق لتقليل تأثير العقوبات أو حتى إعفاء تركيا منها بالكامل والوفاء بوعد زعم أردوغان أن ترامب قطعه على نفسه له في قمة مجموعة العشرين. ضع في اعتبارك أن التسريبات الواضحة غالباً ما تكون جزءاً من العلاقات العامة أو استراتيجية المشاركة الدبلوماسية للسلطة التنفيذية ووسيلة لاختبار كيفية استجابة الآخرين لاستراتيجية أو وسيلة لإرسال رسالة بشكل غير رسمي.

إذا كانت هذه التسريبات المزعومة من هذا النوع، فسوف يبعث ترامب رسالة إلى أردوغان يقول له فيها إنه سيحاول تخفيف العقوبات ضد تركيا. هذا لا يدل على الرضا أو السعادة لقرار أردوغان، ولكنه يدل على إدراك أن فرض عقوبات على تركيا في هذا الوقت لن يكون في مصلحة الولايات المتحدة الاستراتيجية.

كيف ذلك؟

العقوبات الشديدة التي من شأنها أن تشل الاقتصاد التركي أو تلحق الضرر الشديد به ستعمل على تعزيز روابط أردوغان مع روسيا والصين، وقد تسبب أضراراً جسيمة للمصالح الأميركية. يمكن للعقوبات الاقتصادية الشديدة أن تدفع الاقتصاد التركي إلى دوامة هبوط سحيق، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط الكبير، وهذا بالتأكيد لا يصب في صالح الولايات المتحدة.

إن الأصوات المناهضة للغرب والأميركيين في صفوف حزب العدالة والتنمية الحاكم وحلفائه في التحالف الوطني ستشهد تأكيداً على حججهم بأن تركيا يجب أن تدير ظهرها للغرب والديمقراطية الليبرالية، وهي غير مفيدة لنصف السكان تقريباً الذين ما زالوا يرون أن نماذج الحكم الديمقراطي الليبرالي المزدهرة أكثر جاذبية من نماذج إيران وروسيا والصين.

قد تؤدي العقوبات إلى خفض التعاون العسكري بين تركيا والولايات المتحدة. وفي حين أن القواعد أو المنشآت في تركيا غير ضرورية للغاية لواشنطن لمتابعة مصالحها في الشرق الأوسط الكبير، فإن فقدان الوصول إلى هذه المنشآت سيجبر الولايات المتحدة على استخدام منشآت أخرى أقل ملاءمة وتحمل نفقات ثانوية. وقد يصل الأمر في نهاية المطاف إلى ضرورة أن تدرس الولايات المتحدة الخيارات الأخرى، لكن في الوقت الحالي وفي المستقبل القريب، لن يخدم فقدان استخدام القواعد والمنشآت التركية المصالح الأميركية.

تواصل الولايات المتحدة اتباع نظام عقوبات صارمة ضد إيران، مع تحقيق بعض النجاح فيما يبدو بالنظر إلى رد فعل طهران في الأسابيع الأخيرة. من المرجح أن تقوض العقوبات على تركيا جهود إقناع تركيا بمواصلة احترام نظام العقوبات المناهض لإيران - إذا واجهت عقوبات بسبب صواريخ إس-400 الروسية، فما الذي يمكن أن تخسره عن طريق انتهاك العقوبات المالية على إيران؟ فقدان النفوذ على علاقات تركيا مع إيران ليس في صالح الولايات المتحدة.

وبالمثل، فإن جهود الولايات المتحدة ضد فلول تنظيم الدولة الإسلامية في شمال سوريا والمفاوضات الجارية مع تركيا بشأن منطقة آمنة هناك قد تتأثر سلباً بفرض العقوبات.

قد تجعل العقوبات بعض أعضاء مجلس الشيوخ ومنتقدي السياسة الخارجية يشعرون بالرضا إزاء مواجهة أردوغان بشأن شيء ما، إذ لا يوجد ما يمكنهم فعله حيال سوء سلوكه في مجال حقوق الإنسان لا سيما حرية الصحافة وانجرافه نحو السلطوية الصديقة للإسلاميين، لكن هذا من شأنه أن يكون مبالغة شديدة ويأتي بنتائج عكسية. هل من المحتمل أن يرد أردوغان بطريقة إيجابية على المناشدات الأميركية بشأن حرية الصحافة في حين يعاني من وطأة العقوبات؟

يمثل تعليق مشاركة تركيا في برنامج الطائرات المقاتلة إف-35 أو استبعادها من البرنامج توبيخاً شديداً على توددها لروسيا، وسوف يكلف صناعة الدفاع الكثير من الناحية الاقتصادية ومن ناحية الحصول على الخبرة اللازمة. وسيتم على الأرجح موازنة ما تم توفيره نتيجة عدم شراء مقاتلات إف-35 مقابل الخسائر التي ستتكبدها تركيا من عدم المشاركة في البرنامج. وقد يحدث فقدان للوظائف. سيحاول أردوغان إلقاء اللوم على الولايات المتحدة في خسارة الوظائف وقد تساعد العقوبات التأديبية في تأكيد هذا الجهد في إلقاء اللوم.

تعليق المشاركة في برنامج إف-35 وتأثيراته يُذكر أردوغان بأن كونك عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو) يأتي بتوقعات معينة، لا سيما فيما يتعلق بشراء المعدات المصممة للاستخدام ضد الأصول العسكرية للحلفاء. قد يرى وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو تعليق مشاركة تركيا من برنامج طائرات إف-35 المقاتلة عملاً مخالفاً لروح تضامن الحلف، لكن الجيش التركي وقيادته في صناعة الدفاع يعرفون إن الأمر خلاف ذلك وإن تعليق المشاركة في برنامج طائرات إف-35 كان أقل ما يمكن توقعه مقابل كسر تركيا للتضامن مع حلفائها.

يجب على المرء أن يلاحظ أيضاً أن شركة الدفاع الأميركية لوكهيد مارتن ليست قلقة بشأن العثور على مشترين آخرين للطائرات التي طلبتها تركيا لكنها لن تتلقاها الآن. هذا من شأنه أن يخفف من رغبة العديد من أعضاء مجلس الشيوخ في أن تقوم الدول التي لها منشآت تشارك في برنامج الطائرات إف-35 بمعاقبة تركيا - طالما بقيت المبيعات والوظائف المصاحبة لها، فلا توجد حاجة لأن تكون انتقامية.

أخيراً، عند التفكير بعناية فالجيش الأميركي يشعر بالرضا على الأرجح إزاء استبعاد تركيا من برنامج طائرات إف-35، أو حتى يشعر بالارتياح. من المؤكد أن هناك قادة عسكريين يرغبون في أن "تدفع تركيا" مقابل الحصول على صواريخ إس-400 وغيرها من الإهانات أو الإهانات المتصورة التي تعود إلى رفض تركيا عام 2003 السماح للقوات الأميركية بشن عمليات عسكرية من الأراضي التركية ضد العراق إبان عهد صدام حسين. والأهم من ذلك، فإن الإدراك المتزايد بأن تركيا ليست الحليف العسكري الموثوق الذي كان يُعتقد أنه لسنوات عديدة يقلل من الحماس لنقل أكثر الطائرات المقاتلة متعددة الأدوار تطوراً إلى حليف مثير للمشاكل. من الأفضل أن نسمح لإسرائيل فحسب بالحصول على طائرات إف-35 داخل الشرق الأوسط الكبير.

هل هذا يعني أن أردوغان سوف "يفلت من العقاب"؟ هل أردوغان لن يعاني كثيراً من إحراج الولايات المتحدة وتجاهل تضامن الحلف والتودد لروسيا وكونه شريكاً صعباً ومثيراً للجدل في الجهود المبذولة لتحقيق السلام والاستقرار في المنطقة؟ نعم فيما يبدو، في الوقت الحاضر. لكن العلاقة ليست بين أردوغان وإدارة ترامب الحالية، وإنما هي بين تركيا والولايات المتحدة.

لا يوجد فرق كبير في الوقت الحالي بشأن ما إذا كان ترامب يستمع إلى مستشاريه بشأن تركيا، بمن فيهم بولتون وبومبيو وجيفري، أو أنه وصل إلى نتيجة تفادي العقوبات من تلقاء نفسه، يبدو أن ترامب سيرد دون فرض عقوبات على حصول تركيا بطريقة مناهضة للتحالف على صواريخ إس-400، وهو أمر يصب في مصلحة الولايات المتحدة. فعلى عكس نظيره التركي، يتبع ترامب مسار عمل يخدم مصلحة بلاده، وليس ضدها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/erdogan-trump/trumps-response-turkeys-s400-deal-reflects-us-interests
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.