Ergun Babahan
سبتمبر 22 2019

رداً على أردوغان: شروط كردية لعودة المهجرين إلى "روج آفا"

تشير مجريات الأمور إلى أن أردوغان قد انغمس تماماً في مستنقع الحرب الدائرة على الأراضي السورية، التي كان يأمل أن تنتهي خلال ستة أشهر فقط. ولكن يبدو أن الأمور لا تسير كما أراد، سواء في شرق الفرات أو في غربه، بل ويكاد يكون من المستحيل أن يحقق ما كان  يبغيه في إدلب، بالإضافة إلى استحالة تنفيذ خطته لتوطين ثلاثة ملايين لاجئ سوري شرق الفرات.

خُيِّل لأردوغان أن العالم بأسره سيقف وراءه يدعم تطلعاته، أو على الأقل سيلتزم الصمت أثناء تنفيذ خطته الرامية إلى احتلال شرق الفرات، والاستيلاء على المنطقة، وعدم الخروج منها مرة أخرى؛ وبالتالي سيسارع الاتحاد الأوروبي إلى تقديم مليارات اليوروهات. ومن ناحيتها، ستتولى إدارة المساكن الجماعية في تركيا  بناء فيلات بحدائق للسوريين في هذه المنطقة.  

أعلن الرئيس التركي في السابق أن عدد اللاجئين السوريين هو مليون، ولكنه عاد مرة أخرى ليتحدث عن وجود 2 مليون لاجئ سوري، وتحدث كذلك عن إمكانية مد المستوطنات التي سيتم نقل اللاجئين إليها صوب الرقة ودير الزور على المحور الجنوبي الشرقي من الفرات، وبالتالي يمكن زيادة عدد اللاجئين العائدين إلى سوريا إلى 3 ملايين. 

أو بمعنى آخر، يريد أردوغان أن يحقق هدفه ويطرد الأكراد من هناك، ويكسب الأرض من ناحية، ويستغل الأموال التي ستتدفق عليه من الاتحاد الأوروبي في إنعاش قطاع البناء في تركيا، الذي يعاني وضعاً حرجاً في الوقت الراهن، من ناحية أخرى. وقد وضع بالفعل جدولاً زمنياً لتنفيذ خطته تلك.

تحدث أردوغان عن أسبوعين، ولكن يبدو أن هذه المدة لم تنته منذ ثلاث سنوات! وها هو الآن يتطلع للقاء ترامب، وإذا لم يقل الرئيس الأمريكي نعم، فسوف يذهب إلى سوريا بمفرده، ويتدبر الأمر هناك دون مساعدة من أحد! إن أردوغان يتصور أن الرئيس الأميركي سيتخلى بسهولة عن حلفائه الأكراد الذين فقدوا 11 ألف من مقاتليهم أثناء تصديهم لداعش، ودفعوا أثماناً باهظة في هذه الحرب، ويفسح الطريق لأردوغان كي يعربد هناك كيفما شاء. 

وبصرف النظر عن مسألة مدى قدرة القوات المسلحة التركية، في ظل حالة التشتت التي عاشتها بعد 15 يوليو (محاولة الانقلاب، وما تبعها من حركة اعتقالات واسعة في صفوف الضباط والجنود) على إحداث تأثير حقيقي على الأراضي السورية، فمن الصعب التنبؤ بما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة إذا أصرت تركيا على هذه الخطوة بمفردها، خاصة وأن الأولى تحكم سيطرتها على المجال الجوي في هذه المنطقة على الأراضي السورية؛ لذا فمن غير المرجح أن يدعم ترامب أي تحرك عسكري يقوم به أردوغان ضد الأكراد، الذين يحظون بتعاطف كبير لدى الرأي العام الأميركي.  

وعندما نفكر بأن أي هجوم عسكري محتمل ضد الأكراد سيثير سخط الإعلام الأميركي ضد تركيا، وسيقابله تعاطف مع الأكراد، فحينها لن يكون مستغرباً أن يتحرك الكونغرس الأميركي باتجاه فرض عقوبات قاسية، ربما لم تتصورها أنقرة من قبل. كان الكونغرس، الذي دخل على خط الأزمة القبرصية مع تركيا، قد اتخذ قراراً بفرض عقوبات على الأخيرة. وبذلك يمكننا القول إن النتائج ستكون أكثر وخامة هذه المرة عن ذي قبل. 

أما إذا كان أردوغان يريد، بتصريحاته هذه، أن يمارس ضغوطاً على إدارة ترامب؛ كي يفتح لنفسه مجالاً يتحرك من خلاله، فلا شك أن هذا التكتيك سيكون مصيره الفشل كذلك؛ لأن هناك وفداً مكوَّناً من ممثلين عن الحكومة البريطانية الجديدة والمعارضة والبرلمانيين الإنجليز زاروا منطقة "روج آفا" الكردية، وتقدموا بالشكر للأكراد على نضالهم ضد داعش، ووعدوا بدعمهم خلال المرحلة المقبلة. 

وعلى الجهة الأخرى، وبالتزامن مع إدلاء أردوغان بهذه التصريحات، التقى مسؤولو التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ممثلين عن قوات سوريا الديمقراطية التي يتزعمها الأكراد في منطقة تل أبيض بسوريا، ورد المسؤولون الأكراد خلال هذا الاجتماع على تصريحات أردوغان، وأوضحوا موقفهم في تحديد أعداد السوريين الذين يمكن أن يعودوا، والشروط التي يجب توافرها لضمان عودتهم مرة أخرى. وقد لخص موقع  " رودوا" الإنجليزي هذه الشروط في النقاط التالية:

قصر حق العودة على السوريين الذين خرجوا من منطقة روج آفا فقط. وهذا يعني أنه لن يُسمح لأي سوري نزح إلى تركيا من مناطق أخرى في سوريا أن يدخل إلى هذه المنطقة؛ مما يعني عدم السماح، بأي شكل من الأشكال، بتغيير التركيبة السكانية في هذه المنطقة. 

يجب ألا يكون للسوريين العائدين أية صلة بأي من الجماعات الإرهابية، بما فيها عناصر الجيش السوري الحر المدعوم من جانب تركيا. 

بالإضافة إلى ذلك، لن يُسمح للسوريين بالعودة إلا بعد  الانتهاء من بعض التجهيزات، وتلقي الدعم والمساعدة من المنظمات الدولية، وإنشاء نظام بحث واستقصاء خاص يخضع له الجميع.

الواضح أن ثقة الولايات المتحدة في إدارة "الروج آفا"، التي تمتلك جيشاً منظماً، في تزايد مستمر، خاصة مع اضطرار الرئيس ترامب إلى التراجع المتواصل على الساحة السياسية الدولية، بالتزامن مع بدء داعش في التحرك مرة أخرى، خاصة بعد الدعوة التي وجهها البغدادي لأنصاره عبر مقطع فيديو مصور.

وقد دأبت تركيا منذ اليوم الأول على التأكيد على أنها ستسحب قواتها من الرقة ودير الزور، وأنها ستشن حرباً شاملة عبر الحدود. ولا شك أن أمراً كهذا لن يقوي داعش فحسب، بل سيعطي كل من إيران وروسيا مجالاً أوسع للتحرك داخل سوريا كذلك؛ الأمر الذي سيخلق سيناريو كارثياً بالنسبة لواشنطن.

والواقع أن خطة أردوغان لتوطين 3.6 مليون لاجئ سوري في المنطقة التي يسميها "المنطقة الآمنة" التي تمتد حتى الرقة، هي حلم يصعب تحقيقه على أرض الواقع، ومن المؤكد ألا يخبره ترامب بذلك خلال لقائهما القادم في واشنطن، وسيهدىء من روعه في المقابل بالحديث عن وعده التجاري البالغ 75 مليار دولار.

لا شك أن عرقلة خطة أردوغان سيصب في النهاية في صالح تركيا؛ لأن الحرب الجديدة، التي من المؤكد أنها ستكسر شعوب المنطقة بأسرها، لن تأتي بالخير لأي طرف، بل ستؤدي، على النقيض تماماً، إلى نثر بذور الكراهية والعداء الدفين الذي سيستمر فترةً طويلةً. وفي رأيي، إن الخيار المنطقي هو أن ندعم إحلال السلام، لكن، بالطبع، لا أحد يثق كثيراً فيما قد يُقدم عليه أردوغان المُحاصر في الداخل.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/kurtler/erdoganin-suriyeli-gocmen-talebine-karsi-kurtlerin-sartlari
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.