رغم اكتظاظ السجون والتعذيب.. أردوغان يشيد بالحرية في تركيا

كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن جولة جديدة من الإصلاحات القانونية، التي قال عنها إنها تؤكد التزام تركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

جاء الإعلان عن الإصلاحات بعد يوم واحد من نشر الاتحاد الأوروبي تقريره السنوي عن تركيا، وهو تقييم دامغ لمدى التقدم الذي تحرزه حكومة حزب العدالة والتنمية في مجالات مهمة للانضمام، بما في ذلك سيادة القانون والحريات والحقوق الأساسية.

ورفض الرئيس التركي الانتقادات التي وجهتها بروكسل، وأعلن أن حكومته تعكف على تطبيق الإصلاحات "لا لأن الاتحاد الأوروبي يريد منا ذلك، ولكن لتلبية احتياجات أمتنا".

قال الكاتب التركي جنكيز أكتار لموقع "أحوال تركية" يوم الخميس إن هذا تقرير يعلن موت عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المتوقفة منذ العام 2016. ومع ذلك، فإن أردوغان - الذي هدد مرارا بانسحاب تركيا من المفاوضات أثناء الحملات الانتخابية العديدة التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة - قد غيّر موقفه هذا العام ليطالب بإحياء المحادثات.

وفي حين أن الاتحاد الأوروبي وغيره من المؤسسات الدولية وجهوا انتقادات لاذعة إلى أنقرة بسبب الانتكاس الذي شهدته تركيا في الآونة الأخيرة على صعيد سيادة القانون، إلا أن أردوغان لم يعترف بأي من بواعث القلق الخطيرة التي دفعت بلاده إلى المرتبة التاسعة بعد المئة من بين 126 دولة على مؤشر مشروع العدالة العالمي لسيادة القانون للعام 2019.

وبدلا من ذلك، تعهد أردوغان بمتابعة تطبيق مجموعة من الإصلاحات القانونية عن كثب، انطلاقا من "منظورين أساسيين": الحقوق والحريات، وإدارة المنظومة القانونية.

هذان "المنظوران" قد تم تقسيمهما إلى تسعة أهداف عريضة، والتي قسمت بدورها إلى 63 هدفا أكثر تحديدا ونحو 256 إجراء يهدف لتحقيق تلك الأهداف.

غير أن خبراء القانون قالوا إن الإصلاحات المعقدة الموعود بتنفيذها في الوثيقة لن تكون ضرورية إذا اتبعت الحكومة ببساطة القوانين والالتزامات الدولية الحالية لتركيا.

وقال الأكاديمي يمان أكدينيز على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي: "أوقفوا التهديدات والضغوط السياسية على أعضاء السلطة القضائية، ودعوهم يؤدون عملهم. وبعدها، لن تكون هناك حاجة لتوصياتكم تحت اسم الإصلاح القضائي".

وأوضح أوزكان يوجل، رئيس نقابة المحامين في إزمير، قائلا: "الإصلاح القضائي لا يتم بكتابة وثيقة استراتيجية. بل يتم بتطبيق القانون".

وتقول إرين كيسكين الرئيسة المشتركة لجمعية حقوق الإنسان في إسطنبول، في تقييمها للوثيقة: "شعرت وكأنني في بلاد العجائب". وأضافت أن الإصلاحات كانت مطلوبة بالفعل نظرا للاتفاقيات الدولية التي وقعتها تركيا.

ومن بين تلك الاتفاقيات التي وقعتها تركيا الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي تحظر التعذيب و"المعاملات غير الإنسانية أو المهينة" في مادتها الثالثة.

وقال أردوغان، في إشارة إلى واحد من الموضوعات الأولى التي تناولتها الوثيقة الواقعة في 100 صفحة بخصوص الإصلاحات الصادرة من الحكومة يوم الخميس: "لقد تبنت تركيا موقفا لا يتسامح مطلقا مع التعذيب. نفضنا عن أنفسنا مزاعم التعذيب الممنهج، ونحن مصممون على حماية تقدمنا في هذا المجال".

حظي حزب العدالة والتنمية بالإشادة خلال سنواته الأولى في السلطة لتصديه للتعذيب الممنهج في المؤسسات الأمنية التركية. غير أن التقارير الصادرة في الآونة الأخيرة، لاسيما منذ نجاة الحكومة من محاولة الانقلاب التي جرت في العام 2016، أشارت إلى عودة التعذيب على نطاق واسع.

وتقول كيسكين: "كانوا قد اعتادوا عدم التسامح مطلقا مع التعذيب منذ سنوات، لكننا اليوم نشهد أعمال تعذيب أخطر. فاليوم فقط، التقينا مع امرأة قيد الاحتجاز خضعت لتعذيب الوقوف والجلوس وهي عارية وحامل في شهرها الخامس".

وفي أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في شهر يوليو من العام 2016، والتي ألقى حزب العدالة والتنمية مسؤوليتها على حركة غولن الدينية المحظورة، أعلنت حالة الطوارئ على مدى عامين واعتقل بموجبها عشرات الآلاف. وقد أشارت التقارير السنوية التي تصدرها وزارة الخارجية الأميركية عن تركيا منذ ذلك الحين إلى حالات تعذيب لهؤلاء المعتقلين.

وفي الأسبوع الحالي، نقلت نقابة المحامين في أنقرة تقارير تفيد بأن موظفين سابقين بوزارة الخارجية يشتبه بانتمائهم لمجموعة غولن تعرضوا للتعذيب في الحجز.

وقبل ذلك بأيام، أطلقت منظمة العفو الدولية حملة تطالب فيها برعاية طبية مستقلة للمحتجزين في محافظة شانلي أورفة بجنوب شرق تركيا، بعد ورود تقارير عن عمليات تعذيب واسعة النطاق للمعتقلين.

في الوقت نفسه، أضحت التوسعة الكبيرة لشبكة السجون في البلاد ضرورة لا بد منها في ضوء أعداد المحتجزين الضخمة في تركيا، بمن بينهم عشرات الآلاف من القابعين في السجن انتظارا للمحاكمة.

وقد أعلن أردوغان عن تدابير لتسريع إجراءات نظام القضاء الجنائي المثقل بالضغوط في البلاد، بما في ذلك محاكم جنائية تعمل على مدار الساعة.

كما تضمنت الإصلاحات وعدا بتخفيف الاعتقالات والتحرك صوب السماح بالإفراج عن مزيد من المدعى عليهم أثناء عملية المحاكمة.

وقال المحامي فكرت إلكيز لموقع "تي24" الإخباري إن استراتيجية الإصلاح ما هي إلا مجرد تكرار لوعود قديمة. وأضاف: "القول بأن سلطة الاحتجاز لن تستخدم بشكل تعسفي ليس سوى اعتراف بأن تلك السلطات استخدمت على نحو غير متناسب".

واستطرد أردوغان ليعلن أهمية حرية التعبير وحرية الإعلام، مشيدا بما وصفها بأنها "خطوات مهمة" اتخذتها حكومته في هذه المجالات على مدى السنوات الست الأخيرة.

بيد أن كلماته لا تتسق مع التحذيرات التي تلقتها الحكومة التركية بسبب موقفها من حرية الصحافة خلال فترة وضعت فيها لجنة حماية الصحفيين اسم تركيا على رأس قائمة الدول الأكثر سجنا للصحفيين في العالم على مدى ثلاث سنوات متتالية.

وأشار تقرير الاتحاد الأوروبي بخصوص تركيا هذا الأسبوع إلى بواعث قلق من بينها "الافتقار إلى الشفافية في تمويل وسائل الإعلام، والتأثير المتزايد للمصالح السياسية على السياسات التحريرية، وتركز ملكية وسائل الإعلام، وتقلص مساحة التعددية، والقيود المفروضة على حرية التعبير، وعدم استقلالية السلطات الرقابية".

كانت الخطوة الوحيدة الملموسة الرامية لتخفيف الضغط على وسائل الإعلام التي تطرق إليها أردوغان في كلمته هي الوعد بتعديل قوانين الرقابة على الإنترنت، بحيث يتم حجب الصفحات الفردية التي تعتبرها سلطة الرقابة في تركيا مثيرة للجدل والمشاكل، بدلا من حجب الموقع الإلكتروني الذي يضمها بأكمله.

وفي حديثه، أضحك أردوغان جمهوره حين قال إنه سيتم تزويد المحامين بجوازات سفر خضراء، ذلك النوع من جوازات السفر الذي يُمنح لموظفي الحكومة ليسمح لهم بالسفر إلى بعض الدول بدون تأشيرات.

وأضاف: "ولكن ليس كل المحامين بالطبع".

يقول تقرير الاتحاد الأوروبي: "حتى شهر يناير من العام 2019، تشير التقديرات إلى أن 1546 محاميا تمت ملاحقتهم قضائيا، من بينهم 274 أدينوا بالانتماء إلى منظمة إرهابية. وثمة نحو 500 محام قيد الاعتقال وينتظرون المحاكمة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/legal-reform/erdogan-lauds-freedom-turkey-vows-establish-24-hour-criminal-courts
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.