سبتمبر 20 2019

رغم فشل التعليم الديني، عرب تركيا يستعينون به للحفاظ على لغة الضاد

باريس / عبدالناصر نهار – في ظلّ نظام حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، ليس بغريب أن يتحوّل النظام التعليمي في تركيا من نظام علماني منفتح ومتسامح، إلى نظام مُتشدّد حتى في مناهج أصغر المراحل العُمرية.
وبعد أن كانت المدارس الدينية نادرة جدا، عمل الرئيس رجب طيّب أردوغان منذ وصوله للسلطة على تحويل تلك المدارس إلى مؤسسات تعليمية إجبارية في المجتمع، حتى وصل عددها للآلاف.
وقد مرّ على تأسيس مدارس الأئمة والخطباء الدينية التابعة لوزارة التربية والتعليم التركية، نحو 68 سنة.
وفي حين أنّ حجر الزاوية في تحديد علاقات تركيا الخارجية هو مقدار الجذب الحضاري للبلاد ونظرة الآخر لها، فإنّ السياسة التركية في الداخل والخارج، التي تتعرّض للاهتزاز بشدّة، وبدلاً من إحداث تغيير جذري في المنظومة التعليمية الضعيفة التي باتت ترتكز لمنهج ديني بحت، إنّما تسعى اليوم لتصدير مدارسها الدينية للخارج، ليس فقط فيما كان يُسمّى إمبراطورية عُثمانية بدولها المُتعدّدة، بل وحتّى في دول الاتحاد الأوروبي من خلال التهديد بإغلاق مدارسه العلمانية في تركيا.
وتواصل وقف المعارف التركي خلال السنوات الثلاث الأخيرة مع 70 دولة حول العالم، وأسس ممثليات في 34 بلداً، وهو يمتلك حالياً قرابة 100 مدرسة لمختلف المراحل التعليمية في 20 دولة، حيث يواصل أكثر من 10 آلاف طالب دراستهم في هذه المدارس.
ويُمثل إحياء مدارس الإمام الخطيب جزءا من حملة أردوغان لجعل الدين محور الحياة في البلاد بعد هيمنة العلمانيين على مدى عشرات السنين، وغالباً ما يُشدّد الرئيس التركي على أهمية تاريخ تركيا العثماني وإنجازاتها الداخلية في التغلب على الأفكار والتأثيرات الغربية.
وقامت حكومات أردوغان تدريجياً، بعد إصدار تعليماته بإنشاء "جيل متدين"، باستبدال هيمنة المدارس الثانوية العامة "الكلاسيكية" بمدارس ثانوية تهدف إلى تدريب الأئمة والخطباء الإسلاميين، حيث يتم تسجيل الطلاب الذين فشلوا في امتحانات القبول في المدارس العامة تلقائياً في هذه المؤسسات الدينية التعليمية.
وتسبب ذلك في انخفاض المستوى التعليمي العلمي للطلبة الأتراك، حيث برهنت الدراسات أنّ المدارس الإسلامية أقل أداء من المدارس العادية رغم كل ما تحصل عليه من تمويل إضافي.
ويُحمّل الكثير من المُعارضين والخبراء ما يسمى بمدارس "إمام خطيب" المسؤولية عن هذا التراجع في المستوى التعليمي للتلاميذ.
لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإنّ الآلاف من العائلات العربية المُقيمة في تركيا، باتت تلجأ لمدارس الأئمة والخطباء، كونها تعمل على تدريس علوم اللغة العربية في المحادثة والقواعد والنحو، كما أنّ التزاماتها رمزية بالمُقارنة مع غيرها من المدارس الحكومية والخاصة.
ويقتصر تعلّم مئات الآلاف من التلاميذ والطلبة العرب للغة الضاد على تلك المدارس، باعتبار أنّ اللغة العربية هي لغة القرآن، وذلك على الرغم من تدنّي مستوى تلك المدارس الدينية في العلوم والرياضيات، وعدم إعطائها الاهتمام الكافي لهذه العلوم مُقارنة بعلوم الدين.
وتوفر تلك المدارس تعليم القرآن الكريم والعلوم الإسلامية والسيرة النبوية والفقه والحديث والتفسير، بالإضافة إلى اللغتين العربية والإنجليزية، إلى جانب اللغة التركية.
يُذكر أنّ الحكومة التركية طرحت في العام 2017 منهجاً دراسياً جديداً يُقدّم مفهوم "الجهاد". وقال حينها وزير التعليم التركي عصمت يلماز أنّ "الجهاد موجود في ديننا ومن واجب وزارة التعليم ضمان أن يتم تدريس هذا المفهوم بطريقة صحيحة ومناسبة". كما أكد أحمد حمدي جاملي عضو لجنة التربية الوطنية وحزب العدالة والتنمية، إنّه "لا فائدة من تدريس الرياضيات لطفل لا يعرف الجهاد".
وتميّز هذا المنهاج كذلك باستبدال جزء كبير من المواد التي كانت مُخصصة لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، والاستعاضة عنها بالحديث عن محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو 2016.
وقبل تطبيق النظام التعليمي الجديد، كان عدد الطلاب في 540 مدرسة ثانوية دينية في العام 2012 حوالي 270 ألف طالب، بينما يصل عدد الطلاب الذين يدرسون اليوم في ما يزيد عن 1600 مدرسة دينية بتركيا لما يُقارب المليون طالب تركي وعربي.
وأظهر مسح حديث للأداء الأكاديمي أعدّته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدولية، أنّ نجاح تلاميذ مدارس الإمام الخطيب أقل من المتوسط على المستوى الوطني.
وبصورة أعم، تراجعت تركيا بشكل مخيف في تصنيفات المسح لكلّ من العلوم والرياضيات والقراءة من بين 72 دولة مُقارنة مع دراسات سابقة. ويمثل ذلك انتكاسا للتقدم الذي حققته تركيا في الفترات السابقة لحكومات حزب العدالة والتنمية.
وقد تسبب التعليم الديني بقلق كبير في المُجتمع التركي، وتوجد بين الآباء والمدرسين والمسؤولين التعليميين انقسامات عميقة اليوم حول دور الإسلام في التعليم.
ويقول بعض الآباء من أصحاب التوجهات العلمانية إن حركة التعليم الإسلامي تسلب الموارد والفرص من أبنائهم.