رغم رصاص الجندرما، سوريو إدلب يحلمون باللجوء إلى تركيا

أطمة (سوريا) - تستقبل تركيا بين الدول المجاورة لسوريا، العدد الأكبر من اللاجئين السوريين، ويقدر عددهم بنحو 3,6 ملايين شخص. وأغلقت أنقرة أبواب اللجوء، فيما اتهمتها منظمات حقوقية الشهر الماضي بترحيل مئات السوريين إلى إدلب بحجة عدم حيازتهم مستندات إقامة في اسطنبول. وتصر أنقرة على أنها تدعم العودة "الطوعية".
وعلى الرغم من وحشية حرس الحدود التركي (الجندرما) في التعامل مع اللاجئين السوريين، إلا أنّ الفارّين من معارك إدلب والمنطقة العازلة يُجازفون بحياتهم من أجل الهرب من كابوس القصف الجوي الذي يتجدّد بين حين وآخر.
يُذكر أنّ الجندرما قتلت ما يزيد عن 430 مدني سوري أعزل على مدى السنوات الماضية في رحلة بحثهم عبر الحدود عن ملاذ آمن لهم، من ضمنهم 77 طفلاً دون الثامنة عشر، و40 مواطنة فوق سن الـ 18.
وتُظهر العديد من الأشرطة المُصوّرة اعتداء حرس الحدود التركي على شبان ومواطنين سوريين بعد اعتقالهم خلال محاولتهم عبور الشريط الحدودي، حيث يعمد عناصر حرس الحدود إلى ضربهم وتوجيه الشتائم لهم.
وقالت منظمة (هيومن رايتس ووتش) في تقرير لها إنّ قوات حرس الحدود التركية تطلق النار عشوائيا على طالبي اللجوء السوريين الذين يحاولون العبور إلى تركيا، ويعيدونهم بشكل جماعي إلى حيث قدموا.

سأحاول 60 مرّة
ارتدى جابر ثياباً نظيفة، حلق ذقنه، صعد على دراجته النارية وخلفه زوجته وطفلاه، وانطلق خارجاً من مخيم للنازحين في شمال غرب سوريا للمرة الخامسة على التوالي في محاولة للعبور إلى تركيا سعيا لعلاج ابنته التي تحتاج إلى جراحة في عينيها.
اكتفى جابر وزوجته بحقيبتين صغيرتين حملاهما معهما بحثاً عن حياة جديدة بعيدا عن الوضع الأمني المتدهور والوضع المعيشي الصعب في إدلب في شمال غرب سوريا، المحافظة الحدودية مع تركيا.
في المخيم العشوائي في منطقة أطمة بمحاذاة الحدود التركية، قال جابر كيروان (31 عاماً) قبل الانطلاق لوكالة فرانس برس، "الوضع هنا سيء جداً، انظروا من حولكم إلى المخيمات، هذه ليست حياة".
في إحدى المرات التي حاولت فيها العائلة العبور، كسر الوالد ساقه بينما كان يقفز من الجدار الإسمنتي الذي يفصل بين البلدين.
قبل ثلاثة أشهر، نزح جابر من مدينته خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي التي سيطرت عليها قوات النظام بعد هجوم بدأته في نهاية أبريل في عدد من مناطق إدلب والمحيط الواقعة بمعظمها تحت سيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً).
وهو يعيش في خيمة صغيرة مع عائلته وأقارب آخرين له.
والتقت وكالة فرانس برس جابر فور عودته إلى المخيم من محاولة لبلوغ تركيا بطريقة غير قانونية لم يكتب لها النجاح. فبعد ساعات طويلة أمضاها أفراد العائلة للعبور من سوريا إلى تركيا سيراً على الأقدام، ألقت قوات تركية القبض عليهم، ثم نقلتهم إلى معبر باب الهوى الحدودي، ومنه عادوا أدراجهم.
فور عودتهم، استقبلهم أقاربهم، دخلوا جميعاً إلى الخيمة الصغيرة، جلسواً أرضاً، احتسوا الشاي، فيما كان جابر يروي المحاولة الفاشلة، فيما ابنته ميرال التي تعاني من مرض في عينيها، منهمكة بأكل البطاطس المقرمشة.
ويسجل جابر رسالة صوتية لأحدهم يطمأنه. وكان استخدم مبلغاً وضعه جانباً واضطر للاستدانة من أقاربه، ليدفع للمهربين 1200 دولار.
ويقول جابر "أريد الدخول (إلى تركيا) لأتمكن من العمل وتأمين لقمة عيشي لأولادي ولعلاج ابنتي".
وبرغم محاولاته الخمس الفاشلة، يؤكد أنه سيحاول "50 و60 ومئة مرة حتى أتمكن من الدخول".
ومنذ بدء قوات النظام بدعم روسي هجومها في جنوب إدلب ومناطق محيطة في شمال حماة وغرب اللاذقية، نزح أكثر من 400 ألف شخص إلى مناطق أكثر أمناً وخصوصاً بالقرب من الحدود التركية، وفق الأمم المتحدة.
وأسفرت الضربات السورية والروسية التي مهدت ورافقت الهجوم عن مقتل ما يقارب ألف مدني، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. ويسري منذ نهاية أغسطس وقف لإطلاق النار لا يخلو من الخروقات.
على غرار زوجها، تصر ولاء (25 عاماً) على ضرورة الانتقال إلى تركيا.
وتقول الشابة المنقبة "السبب الرئيسي لخروجي هو طموحي لعلاج ابنتي (...) عدا عن الخوف والرعب من القصف وأجواء الحرب".
وتضيف "نخاطر بحياتنا وأرواحنا مقابل أن نصل إلى تركيا، ولا نتمكن من الدخول".
بعد ساعات قليلة في المخيم، كانت انطلاقة العائلة مجدداً، ترافقهم أصوات أقاربهم "إن شاء الله تصلون بالسلامة".


الحياة هنا لا تُطاق
أما أبو سلوم النعسان (45 عاماً)، فقد فرّ قبل شهرين مع زوجتيه وأولاده الثمانية من بلدة لطمين في شمال حماة إلى منطقة محاذية للحدود تبعد نحو 50 متراً فقط عن جدار إسمنتي بنته أنقرة على طول الحدود.
اشترى أبو سلوم أرضاً، وبنى منزلاً صغيراً لعائلته، إلا أن حلم الذهاب إلى تركيا لم يغب عن باله.
في باحة المنزل المتواضع، يدخن أبو سلوم سيجارته ويحتسي الشاي، فيما تنهمك زوجته بإضافة الأخشاب إلى نيران أحاطتها بحجارة إسمنتية لتبقيها مشتعلة تحت قدر ملأته بالباذنجان المحشي.
تعيش العائلة اليوم تحت نظر جنديين تركيين موجودين في غرفة المراقبة فوق السور الإسمنتي، ويقول أبو سلوم إنه شاهدهما يطلقان نيرانهما أو يوجهان إهانات لكل من يقترب من الجدار.
واختار أبو سلوم هذه المنطقة كونها برأيه "الأكثر أمناً" لقربها من تركيا التي يأمل أن يعبر إليها، لكن تكاليف التهريب "الباهظة" تحول دون ذلك.
ويقول الرجل الذي رسمت التجاعيد ملامح وجهه الأسمر "أدخلونا إلى تركيا أو جدوا لنا حلاً (...) الحياة هنا لا تُطاق".