روسيا – تركيا.. جبهة متضاربة تتحدى الغرب

خاضت تركيا وروسيا حروبًا دموية عديدة في الماضي، بين بعضها البعض، بينما تدعمان حتى يومنا هذا الأطراف المتصارعة على عدة جبهات في المحيط الأوروبي الأوسع؛ في ليبيا وقبرص وسوريا وجنوب القوقاز.

وعلى الرغم من أن معظم الشعب التركي ينتمي إلى السنة، ومع ذلك لا تزال البلاد معادية للسعودية، وهي أيضًا سنية وإن كانت من مدرسة فكرية شرعية مختلفة. أما الدولة الأخرى، روسيا، فهي مسيحية أرثوذكسية في الغالب، ومع ذلك فإن البلاد معادية للبطريركية الأرثوذكسية اليونانية في إسطنبول.

تهدف تركيا إلى استعادة قيادة العالم الإسلام السني من السعوديين، وتحويل آيا صوفيا في إسطنبول إلى مسجد يستقطب المسلمين، بينما تحاول روسيا إحياء مفهوم "موسكو باعتبارها روما الثالثة"، لجعل موسكو المركز الروحي للمسيحية الأرثوذكسية وتحل محل القسطنطينية التي حلت محل روما منذ قرون.

وقبل خمس سنوات في 24 نوفمبر 2015، أي بعد أشهر فقط من إلقاء روسيا بثقلها خلف الرئيس السوري بشار الأسد في الحرب الأهلية، أسقطت تركيا طائرة مقاتلة روسية من طراز "سوخوي إس يو 24" داخل حدود سوريا، مما دفع الدولتين على شفا مواجهة شبيهة بالحرب.

كان الشعور السائد بين المحللين في ذلك الوقت هو أن أنقرة كانت تحاول استفزاز رد الفعل الروسي لدرجة أن الناتو سيضطر إلى التدخل بشكل أكثر حزمًا في الجبهة السورية إلى جانب تركيا - ربما حتى بموجب المادة 5، مبدأ الدفاع الجماعي.

كان يمكن لتركيا أن تأمل في التدخل ليس فقط من أجل الأسد، الذي كان يتمتع بصداقة وثيقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حتى عام 2009، ولكن أيضًا ضد الأكراد السوريين، الذين أمضوا السنوات السابقة وهم يوسّعون موطئ قدمهم في شمال سوريا، والتي تسمى روج آفا باللغة الكردية، تحت رعاية حكومة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

لكن على الرغم من خسارتها لطائرة، لم تلجأ روسيا إلى إصداررد فعل متسرع أو انتقامي في سوريا. تميل موسكو إلى مواجهة أي قوة وجهاً لوجه عندما تقترب من حدودها.

ينبغي أن تكون حرب عام 2008 في جورجيا، وضم شبه جزيرة القرم في 2014 أمثلة على مدى مباشرة وشجاعة الحرب عند التعامل مع التوتر على أعتاب حدودها. ومع تحرك الصراع بعيدًا عن الحدود الروسية، أصبحت موسكو أكثر مرونة في تكتيكاتها. ومن خلال المقارنة بين الجغرافيا السياسية والرياضة المفضلة لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يمكن القول إن روسيا تتحرك أحيانًا مثل "الجودوكا"، باستخدام قوة خصومها ضدهم قبل الوصول إلى لمس الأكتاف مما يدفعهم إلى الاستسلام.

وهذا ما حدث مع تركيا على الأقل إلى حد ما. حيث بالنظر إلى مسار الأحداث التي تكشفت بعد إسقاط الطائرة الروسية في عام 2015، بدا أن تركيا توددت إلى روسيا من خلال شرائها لأنظمة الدفاع الصاروخي "إس 400" على الرغم من معارضة الناتو، وتوقيع صفقة لروسيا لبناء أول  مصنع نووي تركي في "أكويو" بتركيا، وبناء خط أنابيب الغاز الطبيعي "ترك ستريم"، ومشاريع أخرى.

كان المؤيدون للحركة الأوراسية من السياسة التركية يدعون إلى إجراء مثل هذا التحول الموالي لروسيا لفترة طويلة. وفي الوقت نفسه، وعلى الرغم من ذلك، كانت تركيا المعدّلة أمام حذر المخاطرات التي تحملها رهاناتها، في محاولة لإخافة الغرب من احتمال تشكيل كتلة روسية تركية، وبالتالي، جعل الغرب يستسلم لجميع مطالب أنقرة الأخرى.

تتعاون روسيا وتركيا بشكل غريب. ومع ذلك، وعلى الرغم من اختلافاتهم العديدة، يبدو أنهم يشكلون جبهة غير موحدة تتحدى الغرب والمصالح الغربية في الجوار الجيوسياسي لأوروبا.

ومن الناحية النظرية، تتعهد كلا الدولتين بالولاء للتعددية. لكن من الناحية العملية، تمثل "التعددية" المعدّلة بالنسبة لأردوغان مثالاً على النموذج العثماني الجديد. وعند الكتابة عن أكبر التهديدات الحالية للأمن الأوروبي، يشير المحللون المشهود لهم مثل، ولفغانغ منتشاو، إلى "بناء الإمبراطورية" في الجوار الأوروبي كواحد من هذه التهديدات.

تحافظ كل من روسيا وتركيا، وكلاهما وريثتا إمبراطوريات سابقة، على الوجود العسكري الرسمي وغير الرسمي في شمال إفريقيا اليوم، عبر وكلاء ومرتزقة غامضين، وكذلك في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط وجنوب القوقاز.

وإذا كان بإمكان أي من الدولتين في النهاية التحكم في الطرق المؤدية إلى بوابات أوروبا، فيمكن لهذه الدولة أيضًا التحكم في تدفق الأشخاص والطاقة والبضائع وما إلى ذلك إلى القارة الأوروبية، مما يجعل القارة غير قادرة على الدفاع عن أي من خطوطها الحمراء.

حاولت كلتا الدولتين استخدام هذا لمصلحتهما في الماضي القريب. حيث قطعت روسيا إمدادات الطاقة عن أوكرانيا وبيلاروسيا، بينما استخدمت تركيا قضية المهاجرين / اللاجئين كأداة ابتزاز للضغط على أوروبا من أجل الحصول على التمويل والدعم السياسي (ضد الأكراد، ضد الأسد، ضد قبرص واليونان).

ومع ذلك، ليس فقط "بناء الإمبراطورية في الجوار الأوروبي" الذي يهدد الأمن الأوروبي في الوقت الحالي. فهناك أيضًا امتداد ناتج عن الاقتتال الداخلي ضمن جهود "بناء الإمبراطورية" هذه. مثال على ذلك: عندما قتلت الضربات الجوية الروسية السورية في إدلب 33 جنديًا تركيًا على الأقل في 27 فبراير 2020، رد نظام أردوغان بالسماح للمهاجرين بعبور الحدود البرية مع اليونان، في محاولة لحشد الدعم الغربي للأعمال التركية في سوريا.

تعمل روسيا وتركيا على تحويل نفسيهما إلى لاعبين لا غنى عنهم في منطقة الشرق الأوسط بعد الربيع العربي. فهما تتدخلان من خلال استغلال الفراغات الأمنية (في ليبيا وسوريا) والصراعات المجمدة (في قبرص وناغورنو كاراباخ)، غالبًا على حساب الغرب الغائب بشكل ملحوظ.

تختار الدولتان تطبيق نظرية الفلسفة البرغماتية، دون المبالغة في انتشارهم أو تعرضهم لأي عمل عسكري. ووفقًا للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كلتا الدولتان تلعبان على مشاعر "الاستياء ما بعد الاستعمار". ومع ذلك، ستحتاج كلتاهما إلى الغرب إذا كانتا تريدان - على سبيل المثال - المضي قدمًا في المشاريع الكبرى مثل إعادة إعمار سوريا.

وقال بوتين ووزير خارجيته لافروف إن علاقتهما بتركيا كانت مبنية على البراغماتية والمرونة، حيث اختارت تركيا عكس القواعد أو النهج القائم على القيم المشتركة. لذا، نعم، علاقتهما غير صادقة ومخادعة. ومع ذلك، تضع كل من تركيا وروسيا السياسة الخارجية على أساس المصالح وليس العلاقات.

إذن، هل يمكن لهذه المصالح أن تدفعهم للوقوف ضد بعضهم البعض؟

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/russia/russia-turkey-disunited-front-spells-trouble-west
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.