روسيا وتركيا تدخلان مرحلة جديدة في سوريا

منح انسحاب الولايات المتحدة من سوريا وهجوم تركيا ضد القوات الكردية السورية روسيا أكبر فرصها لتشكيل النتيجة النهائية للحرب الأهلية السورية.

كانت موسكو سريعة في الاستفادة من الانسحاب الأميركي المفاجئ من خلال التوسط في اتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد والرئيس السوري بشار الأسد للسماح لقوات الحكومة السورية بالعودة إلى الشمال الشرقي لأول مرة منذ سنوات.

ولكن في الوقت الذي يلتقي فيه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الروسي فلاديمير بوتين في سوتشي اليوم الثلاثاء، ثمة سبب لتوقع محاولة الدخول في مزيد من المساومات الصعبة لتفادي تفاقم الصراع.

لم تكن الأجواء بين تركيا وروسيا دافئة بشكل خاص. وقال يوري أوشاكوف، أحد معاوني الكرملين، إن عملية نبع السلام التي تشنها تركيا "لا تتوافق تماماً" مع الاحترام التركي للسيادة السورية، في حين وصف ألكسندر لافرينتيف مبعوث بوتين إلى سوريا العملية بأنها "غير مقبولة" وأصر على أن روسيا لم توافق قط على الهجوم مسبقاً.

وفي أعقاب الإعلان عن خطط لعقد اجتماع بين الرئيسين، ظهرت مؤشرات أخرى تشير إلى أن هذا سيكون أكثر صعوبة. ففي خطاب ألقاه يوم السبت، اتخذ أردوغان موقفاً حازماً وتعهد بالمضي قدماً في خطته لإقامة ما يسميه بمنطقة آمنة في سوريا.

ويشير هذا إلى أن روسيا يمكن أن تتوقع أن تصبح تركيا شريكة أكثر عناداً في ضوء عملية نبع السلام. ويرجع هذا جزئياً إلى الضرورة الملحة التي وضعها أردوغان لإنشاء منطقته الآمنة. وقد سمحت موسكو للأتراك بالانخراط في توغلين منفصلين في عامي 2016 و2018 ويرجع ذلك جزئياً إلى الرغبة في معرفة مدى قدرة تركيا على قطع علاقاتها مع الولايات المتحدة. والآن في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة وسعي قوات سوريا الديمقراطية للحصول على مساعدة من الحكومة السورية، فمن المتوقع أن تمارس تركيا مقاومة متزايدة لروسيا.

وفي مؤشر على تبدل الظروف، لم يتم تقديم خيار سهل لموسكو في استيعاب نوايا تركيا في سوريا، لا سيما وأن خطط أنقرة تتجاوز مجرد طرد القوات الكردية بعيداً عن حدودها.

ولا ترغب روسيا على الأرجح أيضاً في رؤية القضاء على قوات سوريا الديمقراطية نظراً لحقيقة أنها مكنت الحكومة السورية من العودة إلى الشمال في وقت أقرب مما كان متوقعاً كما أنها تسيطر على السجون التي تضم الآلاف من سجناء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). لن يخدم إبعادها أهداف روسيا المتمثلة في استعادة سيطرة الأسد على حدود سوريا أو إرساء الاستقرار بعد انسحاب الولايات المتحدة.

ولم يوافق أيضاً لافرينتيف، مبعوث بوتين، على خطة أردوغان لإعادة توطين اللاجئين العرب السوريين من تركيا في المنطقة الآمنة لأن ذلك ينطوي على خطر زعزعة استقرار المناطق التي كانت مستقرة تحت إدارة الأكراد. لا يمكن لأردوغان أن يقوم بتسوية مثل هذه القضية بسهولة مع بوتين بالنظر إلى الدوافع المحلية لقراره نقل اللاجئين السوريين من تركيا.

وعلى الرغم من هذه الصعوبات، من غير المرجح أن يتجاهل بوتين كل النوايا الحسنة التي تشكلت بين روسيا وتركيا في السنوات الأخيرة، على الرغم من الاستياء بشكل مبدئي من عملية نبع السلام.

وقال مارك جاليوتي، كبير الباحثين في معهد رويال يونايتد سيرفيسس، إن من المرجح أن يسعى بوتين إلى حل وسط مع تركيا ما دام لم يحدث اشتباك بين تركيا وقوات الأسد.

وأردف جاليوتي قائلاً "من الواضح أنه سيكون من الأصعب على روسيا أن تحافظ على مكانتها كوسيط إذا رأينا اشتباكات خطيرة بين القوات السورية والتركية، لكنني أعتقد أن موسكو ستحاول التوصل إلى اتفاق يسمح لكل من أنقرة ودمشق بإعلان النصر".

ما يجعل روسيا مختلفة عن الولايات المتحدة بالنسبة لتركيا هو الاهتمام الذي تبديه موسكو فيما يبدو للمخاوف الأمنية التركية في سوريا. وقد عزز ذلك تصور أردوغان بأنه قادر على التفاوض بنزاهة مع روسيا. لقد نجح في ذلك عدة مرات بشأن محافظة إدلب، التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة الذين تدعمهم تركيا، وكان أردوغان قادراً على منع الأكراد السوريين من ركوب العربة السياسية لبوتين، وهي اللجنة الدستورية السورية.

وقال جاليوتي "من خلال كونهم يتحلون بالبراغماتية بشكل علني وعدم ادعائهم أي سبب أخلاقي كبير، فإن الروس في الواقع يبدون أكثر قابلية للاستمرار وأكثر عقلانية وموثوقية في المنطقة من أوروبا والولايات المتحدة".

لا يزال بوتين يتوقع على الأرجح أن يقدم أردوغان تطمينات بأن تركيا لن تسعى إلى ترسيخ وجود عسكري دائم في سوريا، أو إنشاء مؤسسات تتحدى سلطة الحكومة السورية كما فعلت في منطقة عفرين في شمال غرب البلاد، التي استولت عليها القوات التركية في العام الماضي.

وقد تضغط روسيا أيضاً على أردوغان لتولي السيطرة على سجون داعش أو السماح للشرطة العسكرية الروسية والقوات الحكومية السورية لتولي عملية احتجاز السجناء من الأكراد، الذين يمكن السماح لهم بمواصلة انسحابهم جنوباً، بعيداً عن المنطقة الآمنة التي تريدها تركيا.

وفي حال أثبت أردوغان عدم رغبته في تقديم وعود ملموسة على هذه الجبهات، فإن روسيا لديها خيارات داخل سوريا قد تستخدمها للضغط على تركيا لتقديم تنازلات.

وأكثر هذه الخيارات وضوحاً هو نشر القوات الجوية الروسية فوق شمال شرق سوريا والرد على أي هجمات لوكلاء الأتراك على القوات الحكومية. وستحاول تركيا وروسيا على الأرجح تجنب مواجهة كبيرة بين عملائهما خشية أن يتم جرهما إلى المواجهة، لكن الوجود التركي لا يروق للأسد، الذي وصفه بأنه غزو.

ومن شأن إعادة قضية إدلب إلى طاولة المفاوضات أن يضغط على الجانب التركي. ولا تزال إدلب تمثل نقطة ضعف بالنسبة لتركيا بسبب خوفها من أن تجدد القتال هناك بين الحكومة السورية ومقاتلي هيئة تحرير الشام المرتبطين بتنظيم القاعدة قد يدفع الملايين من المدنيين صوب أراضيها.

وفي النهاية، سيعطي بوتين الأولوية لتعزيز مكانة روسيا كصانع سلام حاسم في سوريا. وسوف يحرص أردوغان على ترسيخ موقعه في سوريا وإضفاء الشرعية عليه بسبب المخاطر السياسية الداخلية الأمنية التي تنطوي عليها عملية نبع السلام.

على المدى الطويل، ستصطدم على الأرجح التصميمات المتباينة لروسيا وتركيا في شمال سوريا مرة أخرى، ولكن في الوقت الراهن، سيركز البلدان وقادتهما على رؤية كيفية مواصلة سلسلة التسويات التي أبقت تعاونهما مستمراً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-russia/russia-and-turkey-enter-new-stage-syria
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.