رئيس الاستخبارات التركية سيساهم في إيجاد بديل عن أردوغان

بعد 16 عاماً من حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، ثمة مؤشرات تدل على أن السياسة في تركيا تدخل فترة التغيير. وهذا التغيير يعتمد بشكل خاص على الموقف الذي يتخذه رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية هاكان فيدان.

تحمل تركيا اليوم أكثر من مجرد تشابه عابر بعام 2001، وهو العام الذي تأسس فيه حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه أردوغان.

فالبلاد على وشك الانهيار الاقتصادي وتواجه الحكومة انقسامات عميقة من الداخل وحزب الحركة القومية اليميني المتطرف شريك في الائتلاف الحاكم وهناك قادة جدد يصعدون على الساحة السياسية.

ومن بين هؤلاء أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول الجديد الذي كسر قالب حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي العلماني، وجذب أصوات الناخبين من المحافظين والأكراد.

وهناك أيضاً علي باباجان، وهو عضو مؤسس في حزب العدالة والتنمية تعرض للتهميش ونائب سابق لرئيس الوزراء، وقد أثار سجله في إدارة الاقتصاد التركي في أيام أفضل حماساً لحزبه السياسي الجديد المزمع. يحظى باباجان بدعم من السياسيين المخضرمين الذين لديهم الخبرة في قياس نبض قاعدة الناخبين الكبرى في تيار يمين الوسط في تركيا، ما يجعل من المرجح بشكل متزايد أن ينتزع التأييد من الحزب الحاكم.

من ناحية أخرى، هناك أحمد داود أوغلو، وهو سياسي مخضرم آخر من حزب العدالة والتنمية تعرض للتهميش، وشغل منصبي وزير الخارجية ورئيس الوزراء، وكان أيضاً محور الحديث عن حزب جديد آخر قد يُضعف تدريجياً سيطرة حزب العدالة والتنمية على الناخبين المحافظين.

لكن في ظل نظام الرئاسة التنفيذية الذي بدأ بعد إجراء الانتخابات العامة العام الماضي، يتمركز فيدان وجهاز الاستخبارات الوطنية في قلب الدولة مباشرة، وقد ظل رئيس الاستخبارات إلى الآن يصطف دائماً على الجانب الفائز.

كان فيدان ضابطاً في القوات المسلحة قبل الاستقالة للبدء في العمل كأكاديمي. وتشير تقارير إلى أنه قُدم إلى أردوغان من قبل بشير أتالاي، وهو وزير دولة في أول حكومة لحزب العدالة والتنمية، وتولى أيضاً منصبي وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء. ويقول أحمد سيفير، السكرتير الصحفي للرئيس السابق عبد الله غول، إن غول هو الذي اكتشف فيدان.

وبعد تعيينه في وكالة التعاون والتنسيق التركية في عام 2003، منحه أداؤه مكانة خاصة في نظر أردوغان.

وخلال تلك الفترة، تم استخدام وكالة التعاون والتنسيق التركية للتأثير على السياسة من خلال أحزاب الأقليات التركية في منطقة البلقان، وإنشاء جماعات ضغط مؤيدة لأردوغان في القوقاز وآسيا الوسطى وأفريقيا. عرف فيدان الوكالة بأنها أحد أفرع "القوة الناعمة" لتركيا، وقام بإدارتها كنوع من أنواع المؤسسات الاستخباراتية. وتطور هذا إلى فلسفته في وقت لاحق كرئيس لجهاز الاستخبارات الوطنية.

وعندما ترقى إلى هذا المنصب في عام 2010، بدأ نفوذ داود أوغلو، الذي تم تعيينه حديثاً في ذلك الحين وزيراً للخارجية، في السيطرة على السياسة الخارجية التركية. كانت هذه بداية فترة "العثمانية الجديدة"، والانتقال من السياسة الخارجية التقليدية الأكثر توجهاً نحو الغرب إلى السياسة التي سعت بدلاً من ذلك إلى زيادة النفوذ في المناطق السابقة للدولة العثمانية وآسيا وأفريقيا.

وفي العام الذي أصبح فيه فيدان رئيساً للاستخبارات، أجرت تركيا تدريبات عسكرية مشتركة مع الصين مرتين. وقد أثارت هذه التدريبات تحذيراً من الولايات المتحدة سوف يتردد صداه مرة أخرى هذا العام، عندما أدت مخاوف واشنطن من خروقات محتملة لمعلومات المخابرات العسكرية نتيجة شراء أنقرة لأنظمة الدفاع الصاروخي الروسية إس-400 إلى استبعاد تركيا من برنامج بناء الطائرات المقاتلة من طراز إف-35. وثمة ما يشير إلى أن فيدان أحد القادة المسؤولين عن هذا الصدع الأول مع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وقع الحادث الذي دفع فيدان إلى صدارة الدولة في عام 2012، عندما استدعى ممثلو الادعاء المرتبطون بحركة غولن الدينية رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية للاستجواب. وأنشأت حركة غولن مجموعات في مؤسسات الدولة المهمة، والتي عملت لعدة سنوات بموافقة ضمنية من حكومة حزب العدالة والتنمية.

لكن الضغط على العاملين في جهاز الاستخبارات الوطنية كان مقدمة للانقسام بين حزب العدالة والتنمية وحركة غولن. وقد اتضح ذلك الانقسام في السنوات اللاحقة ويُعتقد أنه أدى في نهاية المطاف إلى محاولة الانقلاب في يوليو 2016. وحرصاً على حماية فيدان، وقف أردوغان وراء سلسلة من التعديلات القانونية التي حصنت العاملين في جهاز الاستخبارات الوطنية. وفي الوقت نفسه، أمر أردوغان بتسليم أكبر منشأة للمراقبة في البلاد إلى جهاز الاستخبارات.

ومع زيادة القوة المؤسسية لجهاز الاستخبارات الوطنية، زادت ميزانيته أيضاً من 410 ملايين دولار في عام 2010 إلى ما يربو على مليار دولار في غضون بضع سنوات. وقد استخدم فرع العمليات الخاصة التابع للجهاز جزءاً كبيراً من هذه الأموال نظراً لأنه تولى دوراً نشطاً في الصراع السوري.

وفي عام 2012، دعا فيدان علناً إلى تركيز جميع عمليات الاستخبارات التركية في مركز واحد. وقال منتقدون إنه كان يحاول تحويل تركيا إلى دولة استخباراتية.

وبعد محاولة الانقلاب عام 2016، أصبح حلم فيدان حقيقة واقعة. فقد استخدم أردوغان سلطات الطوارئ بعد محاولة الانقلاب لإصدار مرسوم يربط جهاز الاستخبارات الوطنية بالرئاسة، وتم تشكيل مجلس تنسيق الاستخبارات الوطنية. ولأول مرة في التاريخ، تم منح جهاز الاستخبارات سلطة جمع المعلومات في الجيش التركي.

هناك تصريحان بارزان لفيدان في الصحافة منذ أن أصبح رئيساً لجهاز الاستخبارات وهما أن الهدف الرئيسي للجهاز يتمثل في منع تشكيل هياكل موازية داخل الدولة، وأنه سيكون رئيس الاستخبارات لمدة خمس سنوات قبل الانتقال إلى السياسة.

ويشير "الهيكل الموازي" المقصود إلى حركة غولن، وقد كانت استراتيجية فيدان لتطهير الدولة منها ناجحة بشكل واضح. وأدت القوائم التي جمعها جهاز الاستخبارات إلى إقالة ما يقرب من 150 ألف موظف حكومي وإدراج 55 ألف شخص في القضايا المرتبطة بالحركة.

لكن خطط رئيس جهاز الاستخبارات لدخول السياسة عرقلها أردوغان. ففي عام 2015، استفاد فيدان من الاستقالة من جهاز الاستخبارات. كان داود أوغلو، الذي تولى للتو منصب رئيس الوزراء كما تولى أردوغان الرئاسة، سعيداً للغاية بوضعه على قوائم الانتخابات البرلمانية في تلك السنة.

لكن أردوغان عارض بشدة هذه الخطوة، قبل أن يعود فيدان إلى رئاسة الجهاز. وأدى ذلك إلى تسارع وتيرة الانقسام بين أردوغان وداود أوغلو.

ربما قد اختار أردوغان داود أوغلو خلفاً له كرئيس للوزراء ورئيس لحزب العدالة والتنمية، لكن اختياره جاء بسبب استطلاعات الرأي في ذلك الوقت، لأن جهاز الاستخبارات كان على علم بذلك أكثر من أي مؤسسة أخرى. كما يجب أن يكون الجهاز قد علم أن أردوغان سينتهز أول فرصة ليحل محل داود أوغلو.

كان هذا هو السبب وراء تسرع فيدان ليصبح نائباً وخططه بشأن دور وزير الخارجية. فقد تمنى أن يصبح رئيس الوزراء القادم بعد داود أوغلو.

لكن في حين كان بإمكان أردوغان قبول شخصيات قوية في الجهاز البيروقراطي للدولة، لم يستطع تحمل الشيء نفسه في المواقع السياسية.

وهكذا اُضطر فيدان إلى تأجيل طموحاته السياسية. وهو في طريقه ليقضي أطول فترة في رئاسة جهاز الاستخبارات الوطنية منذ تولي شوكرو علي أوجيل، أول رئيس لجهاز الاستخبارات، الذي عينه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك.

إذا ما كان فيدان سيحطم رقم أوجيل القياسي أو لا سيعتمد على كيفية توزيع أوراق اللعب في الاضطرابات السياسية الحالية.

ويُعرف فيدان بأنه قريب من غول. وقد كان غول أول من دعمه عندما استدعاه ممثلو الادعاء الموالون لغولن لاستجوابه في عام 2012، والذي وافق أيضاً، وهو رئيس على جميع السلطات المتزايدة لجهاز الاستخبارات الوطنية. وثمة اعتقاد أيضاً بأن غول أحد الأسماء البارزة التي ستنضم إلى باباجان في حزبه الجديد.

وفي ظل أن الأحداث التي وقعت في ليلة محاولة الانقلاب عام 2016 لا تزال غامضة، وأن إجراءات فيدان في تلك الليلة لم تختبر بشكل جاد، فمن غير المرجح أن يتخلى عن حماية دوره الحالي بالانحياز بشكل علني لباباجان وغول.

بيد أن الوسائل التي يحتفظ بها فيدان كرئيس لجهاز الاستخبارات لا تزال قوية، وقد يضعها تحت تصرف حزب جديد. وبالنظر إلى احتكار جهاز الاستخبارات للأنشطة الاستخباراتية، فستكون مساهمته لصالح أردوغان أو غول لها أهمية كبرى. يعتمد مصير فيدان على ما إذا كان بإمكانه اختيار الطرف الفائز مرة أخرى.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/hakan-fidan/turkish-intelligence-chief-could-be-kingmaker-future-power-struggle