عصابة البجع تشعل أشد موجات الاستقطاب في تركيا

هناك مواقف تجمع حتى أشد المجتمعات استقطابا مهما اشتدت العداوة لينسى الناس خلافاتهم ويتجاوزونها. معظم هذه الحالات تنطوي على المآسي.

واحدة من تلك المآسي وقعت مؤخرا، حين فارقت نيسليكان تاي البالغة من العمر إحدى وعشرين سنة الحياة وهي تصارع مرض السرطان للمرة الرابعة.

لكن ناهيك عن إعادة الوئام للمجتمع التركي، يبدو أن موت تاي قد سكب المزيد من الزيت على نار الخلافات. والقسم الأعظم من اللوم في هذا المناخ السام يقع على مجموعة تقبع في الظل وتعمل من وراء ستار من خلال ارتباطها بمراتب السلطة العليا في حكومة حزب العدالة والتنمية.

لقد تحولت هذه الشابة إلى ظاهرة على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب طبيعتها القتالية وإصرارها على حب الحياة، رغم الصراع الطويل الممتد والمؤلم مع السرطان، والذي تسبب في بتر ساقها اليسرى.

لقد شاهد كثيرون كيف رفضت تاي إخفاء ساقها الصناعية أو تساقط شعرها جراء جرعات العلاج الكيماوي. لقد رأوا فيه مصدرا للإلهام.

غير أن تعليقا واحدا على وسائل التواصل الاجتماعي ترك أثرا تطاير كالنيران في وجه كل الإيجابيات سابقة الذكر. كان لأحدهم يقول إن ما ترتديه تاي في حياتها من ملابس يبدو غير محتشم وسيحرمها من دخول الجنة بعد الموت.

انتشر التعليق بشدة وتداوله الناس وأدانوه، لكن كثيرين رأوه مؤشرا على شيء أعمق يتجاوز كلمات صدرت عن شخص وضيع كتب التعليق.

فالطبيعة المليئة بالاستقطاب والعدوانية التي تنبض من تدوينات هذا المستخدم على وسائل التواصل الاجتماعي بدت متوافقة تماما مع لغة مجموعة أصبحت في الفترة الأخيرة من أكثر من المجموعات تأثيرا في تركيا، وهي مجموعة البجع، والتي أطلق عليها هذا الاسم بسبب وثيقة صدرت في أبريل عام 2016 حصلت على الاسم عطفا على الإثارة السياسية لجون جريشام.

لقد سردت وثيقة "ملخص البجع" نقاط الصراع" بين الرئيس رجب طيب أردوغان وأحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء آنذاك. وبحلول الثاني والعشرين من مايو، استقال داود أوغلو من المنصب.

يعتقد أن مجموعة البجع تتمحور حول مركز دراسات هو بوسفور غلوبال، الذي يقع مقره في مبنى من أربعة طوابق يطل على مضيق البوسفور في إسطنبول.

وفي عام 2016، تبينت صلات هذا المركز ببيرات البيرق صهر أردوغان في سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني التي تم تسريبها.

في الوقت نفسه، فإن أحد أكثر أعضاء هذه المجموعة تأثيرا هي الصحفية هلال كابلان، التي تكتب في صحيفة صباح اليومية الموالية للحكومة والتي يديرها سيرهات البيرق شقيق الوزير.

كما يعد شهيب أوجوت زوج كابلان ورئيس معهد بوسفور غلوبال نموذجا آخر لقيادات ذات صلة بمجموعة البجع.

علاقتي الوحيدة مع مجموعة البجع حظيت بتغطية كبيرة في الصحافة التركية منذ تركت عملي كمحرر في الموقع الإلكتروني للمجموعة ولحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي وكشفت تفاصيل ما أعرفه عبر مدونتي الشخصية في عام 2017.

في هذه المدونة كشفتُ كيف يعقد أعضاء المجموعة لقاءات شهرية مع أردوغان بشحمه ولحمه. وتأكدت العلاقات الوطيدة بين المجموعة والرئيس في أغسطس، حين زار أردوغان مقر مركز الدراسات بوسفور غلوبال.

تساءلتُ أيضا عمن يقدم التمويل لمركز الدراسات، الذي يسدد ثروة لاستئجار مقراته ودفع أجور باهظة لسبعة عشر موظفا يعملون لديه.

ومثلما كشفتُ في مدونتي، وصلتني معلومة بأن المال يأتي من ميديبول، وهو مستشفى وكلية طب رائدة أسسها فخر الدين كوكا، الرجل الذي عينه أردوغان وزيرا للصحة العام الماضي.

يرى كثيرون تصدعات وخلافات داخل الحزب الحاكم وقد اتسعت هذا العام لتصل إلى نقطة أزمة مع ارتباطها المباشر بمجموعة البجع.

أبرز صراع تخوضه المجموعة داخل الحزب الحاكم والذي تواجه فيه داود أوغلو دخل مرحلة جديدة هذا الشهر مع اسقالة رئيس الوزراء السابق وحلفاء له بغية العمل على تأسيس حركة سياسية جديدة.

وتفيد تقارير نشرت في وسائل إعلام موالية للحكومة في تركيا بأن مجموعة البجع أو المجموعات الشبيهة قد وضعت نصب أعينها الآن وزيرين عينهما أردوغان العام الماضي، وهما وزير العدل عبد الحميد غول ووزير التكنولوجيا مصطفى فارانك.

وقال صحفيون ذوو صلة بمجموعة البجع في مقالات إن غول قد سمح لوزارته بأن تصبح ملاذا لعناصر جماعة فتح الله غولن الفارين من وجه العدالة، وهي جماعة تتهمها تركيا بالمسؤولية عن محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي وقعت في يوليو من عام 2016.

وحين رد غول بإدانة هؤلاء ممن قال إنهم يستخدمون أساليب أساسها الخداع ويرتبطون بحركة غولن، فإنه لم يحدد مجموعة البجع بالاسم، غير أن قلائل هم من أساؤوا فهم من يقصد بانتقاداته.

لقد كان فارانك هدفا لفؤاد أوجور، وهو كاتب في صحيفة تركيا الموالية للحكومة، بسبب مشروع يقوده الوزير لتصنيع الجرارات داخل تركيا.

ورد الوزير متهما أوجور بلعب دور الواجهة في هجوم سياسي، وصدر أمر للصحيفة بنشر اعتذار. رفضت الصحيفة الاعتذار، ونشرت بدلا من ذلك اعتذارا مقتضبا.

ومع وصول الصراع الآن إلى مراتب عالية في الحكومة، فإن إخفاءه أصبح أمرا مستحيلا.

لكن تبقى أسئلة قائمة محورها من يقف وراء هذا الصراع ويقف وراءه، ومن أين تستمد مجموعة البجع كل هذه القوة، وكيف يمكن لهؤلاء إذكاء توترات إلى هذه النقطة التي يطال فيها الاستهداف حتى ضحايا السرطان.

للإجابة عن هذه الأسئلة، فنحن بحاجة للعودة إلى أول تحرك قامت به هذه المجموعة ضد داود أوغلو، وهي الوثيقة التي تحدثت عن صراعاته مع أردوغان والتي أثارت موجة من الانتقادات لرئيس الوزراء وانتهت باستقالته.

حينها بدا أن مجرد قبول استقالة داود أوغلو لم يشف غليل أردوغان فألمح إلى سهولة ملء الفراغ في المنصب.

لقد كان رئيس الوزراء شخصية شهيرة تحظى بالاحترام في الحزب السياسي، لذا تحولت موجة الانتقادات والاتهامات المفاجئة بحقه مصدرا للتوتر بين كثيرين من أنصار الحزب الحاكم.

غير أن أردوغان، الذي كان في ذلك الوقت في أعين كثيرين القائد الأوحد للحزب، بدد أي شكل من أشكال الخلط بقراره عزل داود أوغلو من الحزب.

بدا هذا وكأنه التصاق بموقف المجموعة التي كتبت ما وصف بأنه ملف البجع، وإشارة إلى طريقة جديدة في العمل السياسي.

فمنذ ذلك الوقت وحتى الآن، استخدمت الأساليب ذاتها - مما استخدم في وجه - ضد داود أوغلو ضد معارضين آخرين واجهوا اتهامات بلا أساس وتهديدات وحملات تشويه على وسائل التواصل الاجتماعي.

وواجه أعضاء يحظون باحترام بالغ في الحزب الحاكم حملات تخويف ووُصموا بالخيانة وتعرضوا للتهميش.

كان في ذلك مؤشر على مرحلة جديدة في الحزب الحاكم، كان هذا واضحا للغاية وظهر في الطريقة التي تدار بها الأشياء منذ ذلك الوقت.

فالأساليب التي اتبعتها مجموعة البجع تم تطبيقها في كل المواقف التالية. فاستخدم رموز البجع من مختلف الأطياف الأساليب نفسها لمحاولة ترويع الخصوم في محاولة لاقتناص حصة خاصة بهم من الكعكة، وفي بعض الحالات إضافة بصمتهم الخاصة.

ووصلت المجموعة نقطة أصبح فيها حتى الوزراء هدفا لهجمات مرسلة لا أساس لها في الصحف التي ترفض بعد ذلك نشر أي اعتذار.

وحين ينحني الأعضاء العاديون في حزب العدالة والتنمية أمام الهجوم الذي وقع في الفترة الأخيرة ضد ضحايا السرطان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فإنهم فعلوا هذا كواجب نحو قائدهم ومجتمعهم دون أي اكتراث بمدى قبح تصرفاتهم.

ويمثل هذا ذروة ما وصل إليه البجع بتحولهم من مجموعة ذات صفة محددة إلى مجرد ممارسة واضحة: البجع.

لقد تسبب النظام في زيادة مستويات القلق داخل صفوف حزب العدالة والتنمية، لكنه لا يزال يملك ورقة أخرى: فالنظام يقدمه أنصاره كجزء من معادلة استراتيجية معقدة ضرورية لمواجهة أعداء تركيا الأقوياء ممن لا يراهم غير الحزب.

يستغل هؤلاء ذلك كدرع يحمي النظام ومكوناته من المجهول، وبالتالي جعل منها وصفة مجربة وجاهزة للتقليد.

لذاغير أن لا البجع منذ ظهورهم على الساحة عام 2016، ولا حزب العدالة والتنمية نجحوا في إفراز أي شيء يعادل استراتيجية "العقل المدبر" التي وعدت بها المجموعة.

وبدلا من ذلك، شهدت البلاد موجة متتابعة من الفشل يكاد يكون شمل جميع المجالات، بينما دفع الجمود السياسي تركيا إلى شفا الانهيار.

"السلاح غير التقليدي ضد الأعداء غير التقليديين" انتشر ليصبح مرضا مزمنا.

 ومنذ 2016، ومنذ تحقق لأردوغان حكم الفرد الواحد، تورط حزب العدالة والتنمية في ممارسات فساد يتسع نطاقها أكثر من أي وقت مضى.

فكل محاولات الحزب لسرد قصص عن إنتاج سيارات محلية الصنع أو جيل خامس من طائرات مقاتلة فشلت في إخفاء الأزمة الاقتصادية العميقة، أو التعثر في السياسة الخارجية لتركيا، أو سحق سيادة القانون، أو السلسلة الطويلة من زلات المسؤولين.

غير أن البجع لا يزال بوسعهم الاعتماد على جموع المؤيدين، ويعود هذا في جزء منه إلى علاقتهم بالتيار القوى للإسلاميين في تركيا.

لقد أججت المجموعة عشرات السنين من الغضب في أوساط الإسلاميين الذين لا يزالون يحملون مرارة كبيرة ضد العلمانيين بسبب تصرفات شعروا أنها تستهدف المسلمين الأتقياء من قبل الحكومات السابقة.

لقد ثبت أن هذا الغضب ونزعة الثأر من عمل البجع.

ولو استمر هذا وانتشر في بقية جسد المجتمع التركي، فلقد يستحيل ورما سرطانيا يصعب التعامل معه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-politics/pro-government-clique-stoking-extreme-polarisation-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.