صدمة وقلق بين المسيحيين في تركيا بعد تعرض مقابرهم لاعتداءات

ساد الشعور بالصدمة الشديدة والقلق بين الطوائف المسيحية في تركيا خلال الأشهر الماضية، بعد مهاجمة عدد كبير من مقابرهم.

وتشير تقارير إخبارية إلى أن 20 مقبرة من أصل 72 في مدافن المسيحيين في أورطة كوي بمدينة أنقرة تعرضت للتدمير في الرابع عشر من فبراير. واحتُجز الأشخاص الستة الذين نفّذوا الاعتداءات لفترة وجيزة قبل أن تُطلق السلطات سراحهم.

وقال القس إحسان أوزبك المقيم في أنقرة لموقع أحوال تركية إن "هذه الهجمات التي استهدفت المقابر تجعل المجتمع المسيحي في أنحاء تركيا يشعر بالحزن واليأس... لا أحد يستطيع أن يحرس جميع مقابر أحبتنا".

إحدى المقابر التي تعرضت للهجوم يرقد فيها جثمان ابن أولغا كومشدوغان الراحل. وقالت الأم المكلومة لصحيفة سوزجو إن ابنها "مات العام الماضي عن عمر يناهز السبعة عشر عاماً. أطفال في عمره جاءوا إلى هنا ودمّروا قبره. أي ضمير يقبل هذا؟"

وأشارت كومشدوغان إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها المقابر لاعتداءات. وقالت "كانوا يتكتمون على أخبار الهجمات التي تستهدف المقابر ويحجبونها عنّا. لو كان ابني حيّا لما فعل مثل هذه الفعلة أبداً. لقد نفّذوا اعتداءات مشابهة من قبل، ولم يُلق القبض على أحد منهم. أريد أن يُعاقَب من هاجموا المقابر. سنقاضيهم وسنطالب بتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية".

وأفاد موقع (كريستيان خبر) الإخباري بأن هجوماً آخر استهدف مقبرة في مدافن كنيسة القديسة ماريا للمسيحيين الكاثوليك في طرابزون، شمال شرقي تركيا.

تُوفيّت زهرة تشولاك في السابع عشر من يناير، ودُفنت في اليوم التالي في مدافن حيّ آية فيلبو على بعد 500 متر من الكنيسة، حيث وُضع صليب خشبي على شاهد القبر بصورة مؤقتة. ووفقاً لمن حضروا الجنازة، فقد حاولت مجموعة صغيرة التشويش على الجنازة وصاحوا بعبارات التكبير.

زار فيسال تشولاك قبر زوجته في الرابع عشر من فبراير، وقال إنه وجد الصليب الخشبي مكسوراً ومحرّقاً بالقرب من القبر.

مدافن القديسة ماريا للمسيحيين الكاثوليك
مدافن القديسة ماريا للمسيحيين الكاثوليك

أبلغ تشولاك الشرطة بالواقعة، وقال إن رجلاً ملثّماً حاول سرقة الصليب حتى عندما كان القبر يُحفر. وعندما شاهد الرجل رد الفعل الغاضب من الأطفال الذين كانوا يلعبون في منطقة المدافن، أطلق كلبه عليهم ليهاجمهم.

وقالت شرطة طرابزون إنها ستفتح تحقيقاً في الواقعة، بينما قال مكتب حاكم المنطقة إن الصليب المحروق سيُستبدل وسيوضع مكانه صليب جديد. ولم يستخدم مكتب حاكم المنطقة كلمة صليب، بل أشار إليه بكلمة "شاهد القبر"، وفقاً لموقع "كريستيان خبر".

وقال الصحفي سيفي غينش، الذي نشر خبر الاعتداء على قبر تشولاك على موقع (كريستيان خبر)، لموقع أحوال تركية إن "مناخ الكراهية في تركيا هو السبب في هذه الاعتداءات".

أضاف أن "مناخ الكراهية هذا لم ينشأ من العدم. فبذور هذه الكراهية منتشرة؛ بداية من المدارس الابتدائية، ووصولاً إلى الكتب التي تطبعها وزارة التعليم الوطني، والتي تُصوّر المسيحيين على أنهم أعداء وخونة. يستمر هذا التلقين في الصحف والقنوات التلفزيونية، بما يتفق مع سياسات الدولة.

وبطبيعة الحال، فإن الخُطب في المساجد، والأحاديث في المقاهي، تعمّق هذه الكراهية... المزعج أكثر من هذا هو حقيقة أن مرتكبي هذه الاعتداءات إما لا يُلقى القبض عليهم، أو لا يُحاسَبون على أفعالهم، حتى عندما يتم الإمساك بهم".

وشهدت مدافن القديسة ماريا من قبل مقتل قس من طائفة الكاثوليك الرومان يُدعى أندريا سانتور في عام 2006 على يد أوغوزهان أكدين، الذي كان عمره 16 عاماً آنذاك. وبعد عشر سنوات، أُطلق سراح أكدين، وقال إنه كان يُعامل "معاملة الملوك" في السجن.

وقال غينش إن هناك حاجة للتوعية من أجل الحد من الهجمات الناتجة عن خطاب الكراهية، والتي تستهدف المسيحيين في تركيا. أضاف "يجب إطلاق حملة توعية شاملة حول خطاب الكراهية، لزيادة الوعي بهذه المشكلة.

"يجب تنظيم ورش عمل حول المسيحيين، والمساواة، والمواطنة، في جميع المعاهد التعليمية، بداية من المدارس الابتدائية إلى برامج منح شهادة الدكتوراة، وفي الخدمة العامة أيضاً. معظم من يتبنون خطاب الكراهية ليسوا حتى على دراية بأن ما يفعلونه ينطوي على خطاب كراهية".

وتأسس اتحاد كنائس البروتستانت في إزمير عام 2009، لكي يمثّل أبناء هذه الطائفة ويطالب لهم بالمساواة في الحقوق والحريات في جميع أنحاء تركيا.

وقال علي كالكاندلن، قس كنيسة ياشام آيلي في إسطنبول ورئيس اتحاد كنائس البروتستانت إن "الاعتداءات على المدافن أثار لدينا مخاوف وقلق... الكثير من المسيحيين شعروا بأنهم مهددون في أمنهم. لكننا كمسيحيين نحاول أيضاً أن نعيش حياتنا وفقاً لما تمليه تعاليم الإنجيل، ونريد أن يعم الخير والحب وتزول الكراهية والحرب. هذا ما نصلّي من أجله. نعرف أيضاً أن كونك مسيحياً، فهذا أمر يعني أنك ستواجه تحديّات. وحتى في ظل هذه التحديّات يجب علينا أن نحب كل الناس ونمجّد الله".

وقال كالكاندلن إن على السلطات أن تزيد تأمين المدافن والكنائس، وأن تحاسب المسؤولين عن هذه الجرائم. أضاف أن "الأهم من ذلك هو أن تعلّم الناس الحب، والاحترام، وإظهار التسامح مع من ليسوا من طائفتهم الدينية.

"لهذا السبب هذه ليست قضية أمنية فقط؛ إنه أمر يتعلق بسياسة دولة بالكامل وبسلوكها. يجب تعليم الناس في هذا البلد القيمَ العالمية، وحقوق الإنسان، والحريّات الحقيقية، وأن أصحاب العقائد الأخرى – والمسيحيون بشكل خاص – ليسوا وحوشاً أو أعداء. نحن أناس من نبت هذه الأرض ومواطنون في هذا البلد. نحن نحب هذا البلد، وعلينا مسؤوليات وواجبات ولنا حقوق مثلنا مثل أي شخص آخر.

"يجب على سلطات الدولة أن تكون مثالاً يحتذى، قبل أن تدرّس هذه القيم للعوام بشكل استراتيجي ومخطط – من خلال الكتب، ومن خلال النظام التعليمي، والنظام القضائي، ووسائل الإعلام".

والاعتداءات بالقول والفعل على المسيحيين والصلبان في أنحاء تركيا ليست أحداثاً منفصلة. ففي سبتمبر من العام الماضي، أُزيلت واجهات عدد من المنازل – التي كانت قد بُنيت من أجل السيّاح – في بلدة آكجابات في طرابزون، بعد شكاوى من أن المباني كانت تشبه الصلبان.

وفي يوليو، حَطّم شخصان قلادة على شكل صليب، كان يلبسها شاب مسيحي في بلدة غيبزي غربي البلاد. ووفقاً لموقع (سات-7 ترك)، فقد ضرب المهاجمون الشاب وتوعدوه قبل أن يلوذوا بالفرار.

وقال أوزبك، الذي كان مسلماً واعتنق المسيحية، إن "هناك كراهية عميقة للمسيحيين في المجتمع التركي. أضاف "يُنظر إلى المسيحيين على أنهم أجانب وأعداء. من يعتدون على مقابر المسيحيين ليسوا متعلمين تعليماً جيداً، كما في حالة أنقرة. إنهم صغار جداً في السن. لكن الكراهية ضد المسيحيين متغلغلة جداً في المجتمع على كافة المستويات. يجب إعادة تعريف الشعب التركي بمفاهيم التعايش مع الغير وحب الإنسانية".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-christians/attacks-christian-cemeteries-alarm-turkeys-christians
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.