صدقت التحذيرات... مكائد العدالة والتنمية تطال حزب الشعب الجمهوري

 

 "أحد الأشياء التي تجعلني أشعر بخيبة الأمل هي أنني لم أعد أرى وجودا لجبهة المعارضة الرئيسة في البلاد".
ظهر الرئيس التركي في أفضل حالاته، أثناء حضوره الاجتماع التقليدي للبرلمان الذي تمّ عقده يوم الثلاثاء... أسهب أردوغان في حديثه، الذي كانت تتخلله عاصفة من التصفيق بين وقت وآخر، وأخذ يتلاعب بالكلمات مثل اللاعب الذي استحوذ على الكرة بين قدميه؛ فتارة يهزأ بحزب الشعب الجمهوري، وتارة أخرى ينقل دفة الحديث إلى منصور يافاش وأكرم إمام أوغلو ويقلل من مقدرتهما على إدارة شؤون البلدية في أنقرة وإسطنبول بقوله "إنهما لا يقدران على إدارة المدن، ولن يقدرا على ذلك في المستقبل أيضا"، ثم يتوقف بعدها كي يستمع  إلى الشعارات التي أخذ يصيح بها المؤيدون له.
السؤال الآن:
هل كان لدى أردوغان بالفعل ما يبرر السعادة التي بدت عليه خلال هذا الاجتماع؟ في الواقع، إننا لا نملك سوى القول إنه كان محقا في ذلك. ولسوء الحظ، فإنّ محاولة "اختطاف حزب الشعب الجمهوري إلى القصر" التي حدثت مؤخرًا، وللأسف لعب فيها شخصان كُتِب في خانة المهنة في بطاقة إثبات شخصيتهما كلمة "صحفي"، الدور الرئيس فيها، وثارت بسببها الأقاويل حول محرم إينجه، قد أظهرت أنه لا يوجد على الساحة السياسية في الوقت الحالي منافس حقيقي لأردوغان، حتى بعد تعرضه للهزيمة في الانتخابات المحلية الأخيرة.
لذلك أرى أنه من الأفضل أن نطرح السؤال على النحو التالي: إذا لم يشعر أردوغان بالسعادة في الوقت الحالي فمن غيره يشعر بها إذن؟
لقد مرّ الآن سبعة أشهر على إجراء الانتخابات المحلية اختفت خلالها البالونات التي كُتب عليها شعار إمام أوغلو، الذي ألهب حماس جزء كبير من المعارضة خلال فترة الانتخابات "كل شيء سيكون جميلا"، وتوارت في الأفق.
من ناحيته، التزم أردوغان جانب الحيطة والحذر، وتريث لفترة قصيرة ليعود بعدها بقوة إلى ممارسه عمل الهندسة السياسية من جديد؛ فراح يخطط لجمع أطراف جبهة المعارضة من حوله تارة بإجراء اتصالات سرية معها وتارة أخرى عن طريق شن حرب غير مشروعة، ونجح بالفعل في أن يُحدث صدعا في تحالف المعارضة، ويستعيد سيطرته الكاملة على الخطاب العام في تركيا، كما أوضحنا فيما تقدم.
لقد كان هذا سبب شعور أردوغان بالسعادة..
نعم قد يكون هذا الأمر مصدر سعادة له، على الرغم من وخامة الوضع الحالي في البلاد بصفة عامة، وتكدس المشكلات حتى صارت كالجبال.
هذه هي الحقيقة التي لم ولن تتغير.
وفي الواقع، إن المسألة هنا لا تتعلق بحماقة ارتكبتها ما يعرف لدينا باسم "الصحافة"، وإلا كان الصحفيان رحمي توران وطلعت أتيلا، اللذان تحولا بدورهما إلى مادة صحفية خلال 24 ساعة، قد كشفا عن تورطهما في المساعدة -بقصد منهما أو بدون قصد- في تنفيذ مؤامرة خطيرة بالترويج لأخبار عن حدوث لقاء بين أردوغان وأحد قادة حزب الشعب الجمهوري في القصر الرئاسي.
لا تظنوا أنهما صارا بفعلهما هذا شخصين سيئين، كلا بل على العكس من ذلك تماما؛ فكما تعلمون، أنت في تركيا تسطيع أن تفعل كل شيء، ومع ذلك لا تُعدّ سيئا أبدا؛ لذلك دعونا ننحي الحديث عن هذه النقطة جانبا.
القضية الرئيسة الآن تتعلق بـِ "الدوامة العميقة" التي يحاولون جذب حزب الشعب الجمهوري إليها.
حذرنا في مقال سابق نُشر على موقع "أحوال تركية" منذ فترة طويلة من أن الدور قد حان على حزب الشعب الجمهوري لينال نصيبه من القمع بالتوازي مع حملات "كسر الظهر" التي يشنها الحزب الحاكم في الوقت الحالي ضد حزب الشعوب الديمقراطي في إطار سعيه من أجل "إعادة بناء النظام القديم" الذي بدأ مع إقرار النظام الرئاسي بتاريخ 16 أبريل 2017.
لقد بات جليا الآن أن مؤامرة "خطف حزب الشعب الجمهوري إلى القصر الرئاسي" كانت عملا مدروسا ومخططا بعناية، وليس حماقة ارتبطت ﺒ "الصحافة" المزعومة. وتؤكد التصريحات، التي أدلى بها زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي بتاريخ 22 نوفمبر، نفس الفكرة أيضا.
حسنا، ماذا قال بهجلي؟
أولاً:
 "ليفعل كل شخص ما يشاء وليقل ما يشاء أيضا ولكن تركيا ستظل ثابتة على موقفها ولن تضعف أو تحيد عن أهدافها حتى عام 2023. لدينا وحدة كلمة ووحدة قوة ووحدة إرادة واضحة للغاية لا تقبل جدالا فيما يخص هذا الموضوع. لن نمنح الفرصة لأولئك الذين يترقبون بشغف شديد أن تنجر تركيا إلى حالة من الفوضى والاضطراب. رؤيتنا واضحة جلية في هذا الشأن. يجب أن تجري الانتخابات العامة في موعدها المقرر في شهر يونيو عام 2023. لا يمكننا التفكير في تقديم أي تنازلات في هذا الشأن. وإنني أعرب عن سعادتي بأن هذا هو الرأي السائد الآن داخل حزب العدالة والتنمية كذلك".
ثانيا:
 "يبدو أن زعيم حزب الشعب الجمهوري قد فقد عقله منذ فترة طويلة، بل وحطم الأرقام القياسية في الحماقة كذلك. لقد فقد السيطرة على أفعاله عندما انتهج، بشكل مهينٍ وقاسٍ، نفس الأساليب التي تتبعها المعارضة في البلاد الأخرى؛ رغبة منه في عرقلة إجراء الانتخابات العامة في موعدها المقرر. وعلى الرغم من كل التحذيرات، لم يشعر في نفسه بالحاجة إلى تصحيح أسلوبه ولغته. يبدو أن نجم زعيم حزب الشعب الجمهوري آخذ في الأفول والانجراف إلى الظلام، ولعل هذا هو السبب الذي يجعله يقحم نفسه في صراع خاص ليصور أن تركيا تعاني من أزمات واضطرابات اجتماعية وصراعات مثلما يحدث في العديد من الدول الأخرى. لقد أصبح زعيم حزب الشعب الجمهوري يشكل تهديدا حقيقيا للأمن القومي التركي. لقد أثبت كليجدار أوغلو، بهذيانه المستمر بأن تركيا لم تعد مكانا يأمن فيه الناس على أرواحهم وممتلكاتهم، لقد سقط بالفعل في هذا المستنقع. حاد كمال كليجدار أوغلو عن الطريق الصحيح، وهو الآن يترصد لدفع تركيا نحو الهاوية".
 
في واقع الأمر، إن كلمات بهجلي جاءت بعيدة عن الأصول التي يجب أن يراعيها زعيم حزب سياسي في حديثه، بل وتجاوزت الحد المسموح به بعد أن عكس حديثه ما يضمره تحالف السلطة بداخله.
"وحدة الكلمة، وحدة القوة، وحدة الإرادة...". 
"لقد أصبح زعيم حزب الشعب الجمهوري يشكل تهديدا حقيقيا للأمن القومي التركي..".
وفي رأيي، إن فهم السبب الذي جعل حزب الشعب الجمهوري هدفا لهذه "الدوامة العميقة" لن يتأتى إلا بتقييم الأحداث في هذا الإطار على وجه التحديد.
لا أعرف إن كان قادة حزب الشعب الجمهوري وأنصاره من العقلاء قد تمكنوا من قراءة الاستراتيجية العميقة التي ظهرت من خلال كلمات بهجلي على الشكل الصحيح أم لا، ولكن إذا كان الشك لا يزال يساورهم حتى الآن، فيكفيهم أن يتذكروا المؤامرات التي حاكها الحزب الحاكم كذلك ضد جريدة "جمهورييت" في السنوات القليلة الماضية.
وفي حقيقة الأمر، إن هناك سيناريو مشابه وأكثر شمولاً يجري الإعداد له اليوم.
لقد بات واضحا كذلك أن هناك أيضا بعض العناصر من داخل حزب الشعب الجمهوري نفسه تحاول دفع الحزب، الذي استطاع الصمود كبناء تعددي على الرغم من كل التحديات، إلى التكيف مع النظام الجديد في تركيا؛ وبالتالي فمن الوارد للغاية أن ينجح الحزب الحاكم في مشروعه هذا طالما تمسكت قيادة حزب الشعب الجمهوري بأفقها الضيق في تعاملها مع الأمور، وعجزت عن استعادة ثباتها واستقرارها...
ومع هذا، فإن خيار خروج حزب الشعب الجمهوري من هذه الحظيرة، وإفساد اللعبة على أردوغان وبهجلي لا يزال في أيدي قادة حزب الشعب الجمهوري.
الأمر متروك لقادة حزب الشعب الجمهوري؛ فإما أن يتخذوا قرارهم أو أن يترددوا ويكتفوا بتلقي رواتبهم من البرلمان فحسب؛ وبالتالي يتحولون إلى لعبة في أيدي تحالف العدالة والتنمية- الحركة القومية.
 
دعهم يتدارسون أمرهم فيما بينهم،  واسمحوا لي أن أختتم مقالي هذا بتوجيه خطابي إلى ناخبي حزب الشعب الجمهوري كي أوضح لهم بعض الأمور:
 
   - بهجلي محق فيما قاله؛ لأن تحالف العدالة والتنمية – الحركة القومية يصر بشدة على استمرار الجبهة القومية الجديدة (التي بدأت في 16 أبريل 2017 مع إقرار النظام الرئاسي في البلاد)، تحت أي ظرف من الظروف، حتى عام 2023 على الأقل. وإن كنتُ أشك أن هذه السلطة ستذهب عن طريق صناديق الانتخابات.
   - على عكس التلوث المعلوماتي الذي أدى فيه الحمقى من العلمانيين الديمقراطيين، عن قصد ووعي منهم، دورًا مهمًا في المساعدة على عودة نظام النخبة الطاغية القديم، فقد استطاعت "الدولة العميقة" أن تبسط سيطرتها على أنقرة بكافة كوادرها منذ عام 2013.
   - الوضع مختلف هذه المرة؛ حيث نال حزب الشعب الجمهوري نصيبه من عمليات التصفية الكبرى، التي طالت كوادر البيروقراطية في الفترة من 15 يوليو إلى 16 أبريل، وفي المقابل أصبحت الكوادر الدينية القومية الانعزالية في بؤرة اهتمام مخطط الدولة الجديد. يبدو أنهم قد عقدوا العزم على القضاء على حزب الشعب الجمهوري، وهم لن يتراجعوا عن هدفهم.
   - يعطي النظام الجديد في تركيا، الذي لا يرى غضاضة في ابتذال الأقلية الكردية والقمع العشوائي لكل من يطالبون بالحقوق والحريات، الأولوية إلى "البعد الأمني"، ويتعين على المواطنين، وفق هذا النظام كذلك، التزام الصمت إزاء قرارات الدولة والعمل على خدمتها فقط.. أما التعددية السياسية، فهي  مبنية على مفهوم صوري أقرب إلى فكرة "المزرعة" من صورة "الدولة" بمعناها الحقيقي.
   - تصر مراكز القوى التي أعادت بسط سيطرتها من جديد على طبقات المجتمع التركي بعد عام 2013 على ترسيخ التفوق المطلق لفكر الدولة القمعية والحفاظ عليه.
   - إن ما يحدث اليوم هو جزء من مشروع تطبقه حكومة العدالة والتنمية من أجل حرمان الناخبين في الولايات الجنوبية الشرقية ذات الأغلبية الكردية من حقهم في التصويت الحر في الانتخابات؛ وبالتالي حرمان حزب الشعوب الديمقراطي من التمثيل السياسي، استمرارا لمخطط "التطهير العرقي" الذي تقوم عليه حكومة العدالة والتنمية كذلك.
   - لن يكتفِ حزب العدالة والتنمية بهذا فقط، بل سيسعى أيضا إلى إقامة نظام يحظى بتوافق الأغلبية، دون النظر إن كان هذا النظام فاشيا أم لا، عن طريق احتواء الأحزاب المركزية التي تحتوي على جوهر المعارضة الديمقراطية أو كسر جناحها أو إحداث ثغرات داخلها. ولا شك أن الخطر الرئيس هنا، الذي يجعل حزب الشعب الجمهوري هشًا، هو أن بعضا ممن يستهدفونه هم من بين الكوادر الموجودة داخل الحزب نفسه، ويتلقون الدعم منه.
   - هل يمكن للناخبين أن يحولوا هذا الحزب إلى هيكل جهادي ديمقراطي ينادي بالحريات حقاً؟ هذه مسألة يجب على الناخبين التفكير فيها كذلك.
   - إن أزمة حزب الشعب الجمهوري الأخيرة مع القصر الرئاسي هي عَرَض آخر من أعراض أزمة النظام في تركيا التي تتفاقم يوما بعد يوم. وفي رأيي، فإنه إذا لم يتم اتخاذ خطوة جادة إزاء هذا الأمر، فاسمحوا لي أن أخبركم مقدمًا، أنه سيأتي يوم على ناخبي حزب الشعب الجمهوري يتمنون فيه عودة يوم من الأيام العصيبة التي نعيشها اليوم...

 

 
يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:
 
https://ahvalnews.com/tr/chp/uyarilar-hakli-cikti-ve-sira-chpye-geldi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.