هيرقل ميلس
سبتمبر 09 2019

شهادة على مذبحة إسطنبول

جاءت الأحداث بسبب تقارير كاذبة تفيد بأن مسقط رأس مصطفى كمال أتاتورك مؤسس جمهورية تركيا في مدينة سالونيك اليونانية قد تعرض للقصف. تعرض نحو 4200 منزل و1000 شركة و73 كنيسة ومعبد يهودي واحد ودير واحد و26 مدرسة و5300 مكان آخر، مثل الفنادق والحانات، لهجمات خلال مساء السادس من سبتمبر والساعات الأولى من يوم السابع من سبتمبر.

لقد مر 64 عاماً، أتذكر تلك الليلة لأنني كنت في الخامسة عشرة من عمري. أولئك الذين كانوا في السابعة أو الثامنة من العمر كانوا أصغر من اللازم، وربما لا يتذكرون الكثير. وكم من الذين كانوا في العشرينات في تلك الليلة ما زالوا على قيد الحياة؟ إذا كانوا لا يزالون على قيد الحياة، لا بد وأن أعمارهم الآن تصل إلى 85 أو 90 عاماً. في غضون 20 عاماً، لن يبقى أحد على هذه الأرض من الذين شهدوا على تلك الليلة.

اليوم، باتت تلك الليلة بالنسبة للكثيرين مجرد تاريخ. عندما أقول مجرد تاريخ، أعني أنه حدث قرأوه أو سمعوا عنه، لكنهم لم يمروا به. التاريخ ليس الأشياء التي نشهدها في الحياة، هذه تسمى ذكريات، إنها إعادة بناء للماضي. إنها أداة في أيدي بعض الأشخاص. إنها أداة للتعليم: أنظمة التعليم المركزية وآليات خلق المعرفة التي تنظمها القوانين والمراسيم المستخدمة في إعادة بناء الماضي. تلعب وسائل الإعلام أيضاً دوراً في هذا الجهد. عندما يتحول شيء ما إلى تاريخ، يصبح رسمياً. وفي بعض الأحيان يمثل نسيان التاريخ الوجه الآخر لإعادة بناء الماضي.

يعتمد ما أكتبه الآن على ذكرياتي. لم تؤثر الأحداث على شارعنا إلى حد كبير. كان الأمر مثل رياح قصيرة تؤثر على كل شيء في الحديقة لبضع دقائق وبعد ذلك خيم الصمت. في حالتنا، داهمت مجموعة مؤلفة من 20 إلى 30 شخصاً البقالة الصغيرة لرجل يوناني أمام منزلنا.

كانت عائلتي تعيش في الطابق الأول. وخوفاً من حدوث أي شيء، ذهبنا إلى الطابق الرابع للبحث عن ملاذ في بيت الجيران. لكنهم لم يدخلوا شقتنا لأن البوابة منيرة وقفت أمام الباب وقالت لهم "لا يوجد جافرز (وهي كلمة تعني كفار كانت تُستخدم منذ الإمبراطورية العثمانية لتعريف غير المسلمين) في هذا المنزل".

كشاهد، كان هذا كل ما مررت به. ولكن أحداث ما بعد تلك الليلة كانت مأساة بالنسبة لعائلتي. تم تدمير متجر والدي في منطقة بيوغلو بالكامل في تلك الليلة. استغرق الأمر بضع سنوات لعائلتي لتغطية نفقاتها مرة أخرى. لقد عشنا أياماً صعبة. بعد أن كبرت قليلاً، تذكرت الأحداث التي وقعت في تلك الليلة. ورأيت فجوات معينة في الرواية الرسمية للأحداث.

اندلعت المذابح ضد غير المسلمين في تلك الليلة بعد أن نُشرت صحيفة إسطنبول إكسبريس بعنوان "لقد تعرض منزل والدنا أتاتورك للقصف". في الواقع، كانت وسائل الإعلام التركية تنشر الكراهية ضد اليونانيين منذ عدة أيام، لكن من كان هؤلاء اليونانيين - بالنسبة للبعض كانوا في قبرص، وبالنسبة للبعض الآخر، كانوا هم اليونانيون في إسطنبول الذين ساندوا الإرهاب في قبرص، وقد وجهت إلينا نحن اليونانيين جميعاً في إسطنبول تهمة ارتكاب هذه الجريمة.

يقول كثيرون إن الجرائم فردية، وأحياناً لا تكون كذلك. في الممارسة العملية في تركيا، يمكن اتهام الجماعات بجرائم ارتكبها الأفراد. قد تكون هذه الجماعات في بعض الأحيان أرمنية وأحياناً أصولية أو يسارية أو علوية أو كردية، أو أقليات غير مسلمة أو من أنصار غولن أو من الليبراليين.

يُنظر إلى تلك الجرائم على أنها عداء وخيانة. ماذا يفعل الناس لأعدائهم؟ ربما لا يبدون أي تسامح مع أعدائهم أو لا يتعاطفون معهم عندما يعانون. مثل هذه الأعمال توصف في بعض الأحيان بالعنصرية، وتسمى أحياناً بأشياء أخرى. لكن ليس من المهم المصطلح الذي تستخدمه لوصف هذه الأفعال، فما تم فعله يبقى حياً.

لكن لماذا يشترك الأرمن واليهود في إسطنبول في نفس مصير اليونانيين، لماذا دُمرت أماكن عباداتهم؟ لم يدعموا الإرهاب في قبرص، كما أنهم لم يتقاعسوا عن احترام ذكرى كمال أتاتورك. وهذا يعني أن الهدف لم يكن اليونانيين، بل كان كل الأقليات غير المسلمة. ولأنهم قد تم اعتبارهم جميعاً أعداء، فقد تلقوا معاملة وفقاً لذلك.

وقد شرعت في التفكير في هذه الأمور لاحقاً. لقد فكرت أيضاً في غضب الأشخاص الذين انضموا إلى الأحداث وعلامات الفرح على وجوههم وهم يواصلون الهجمات والنهب. يمكن رؤية هذا الفرح بسهولة عندما تنظر إلى الصور من تلك الليلة. وهذا يعني أن بذور الكراهية التي زرعت جنت ثمارها. كانت سيكولوجية الجماهير مثيرة للرعب. هل يريدون حقاً أن ننتهي لهذه الدرجة؟

كنت في وقت لاحق أشعر بالفضول لمعرفة دور نظام التعليم والكتب المدرسية. لقد عرفت أن الكراهية لدى الناس لم تكن نتيجة لبضعة أسابيع من الدعاية، بل كانت نتيجة لمفهوم المواطنة العنصرية المبتذلة القومية الذي تم ضخه في رؤوس الناس على مدى عقود من الزمن وذلك عن طريق التعليم.

لقد مر وقت طويل على أحداث السادس والسابع من سبتمبر. لكن هذا الفهم، رؤية الجماعات كأعداء والجرم بالتبيعة، لا يزال قائماً. حقيقة أن غالبية المجتمع تراقب في صمت اضطهاد اليوم يثبت ذلك بشكل صحيح. كل مجموعة في المجتمع مشغولة بمشاكلها الخاصة، لا يوجد حتى الآن فهم مشترك يدعم التضامن.

تُظهر هذه البيئة أن تركيا لم تكمل بعد عملية التحول إلى أمة. القبلية الدينية أو العلمانية والإقليمية، لا تزال مهيمنة على حد سواء بين أولئك الذين يعانون وبين أولئك الذين يتسببون في معاناة الآخرين. على الرغم من كل هذا الهذيان القومي والوطني، لا يزال المجتمع تقليدياً.

باختصار، لقد توقفت منذ فترة طويلة عن تذكر هذا الحدث. أكتب في بعض الأحيان عن ذلك عندما يطلب شخص ما. لكنه ترك لي درساً مهماً في الحياة. لا أريد أن أبقى شخصاً ضمن الجماهير عندما تحدث مثل هذه الأشياء. لا أريد أن اتصرف كمجرد عضو في جماعة واحدة وأن أتجاهل الباقين. بقدر ما أستطيع.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/1955-pogrom/witnessing-pogrom-september-6-7-1955
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.