جان تيومان
أكتوبر 05 2019

صهر أردوغان وزير المالية يعيش في عالم الأحلام

أعلن وزير المالية التركي بيرات البيرق في العام الماضي برنامجا اقتصاديا يهدف إلى تحقيق مزيد من النمو ومعالجة قضايا أساسية مثل الحد من البطالة وسد عجز الميزانية، ولكنها باءت بفشل ذريع أنتجت الخيبة والخسران.

وها هو في هذا العام أيضا يخرج أمام الرأي العام المحلي والعالمي ليعلن برنامجا اقتصاديا مليئا بعلامات الاستفهام. حيث أعلن عن خارطة طريق اقتصادية تغطي الفترة (2020-2022) ولكنها تثير كثيرا من التساؤلات وتحمل أهدافا متناقضة على المستوى العملي.

وفقا لهذا البرنامج، فإن تركيا ستتخلص بسرعة في العام المقبل من ركود عانى منه الاقتصاد طوال العام الماضي، وسيعود البلد بدءً من عام 2020 ليحقق نموا مثاليا يقدَّر بمعدل 5 في المئة، وسيؤدي ذلك النمو، على حد زعمه، إلى انخفاض سريع في البطالة وزيادة في الاستهلاك وطفرة في الاستثمارات وانخفاض في التضخم.

ولكن، بالإضافة إلى ذلك، لن تكون هناك مشاكل مزمنة مثل عجز الحساب الجاري الناجم عن النمو المرتفع.

وسيتم التحكم في عجز الموازنة، الذي أصبح أحد أكبر المشكلات التي واجهته الدولة وأدت إلى إفراغ خزائن البنك المركزي هذا العام.

سيظل سعر الدولار مستقراً، وسيزيد سعر الليرة التركية أمام الدولار، ولكن إيرادات التصدير والسياحة ستستمر في الزيادة.

بالإضافة إلى ذلك، صرح الوزير البيرق أنه اعتبارًا من بداية العام المقبل سيتخلص قطاع البنوك من مشكلة العجز في تحصيل مستحقاتها لدى المديونين، وسيتم فتح صفحة بيضاء للميزانية العمومية للقطاع.

وسيتم حل مشكلة الدَّوْلَرَة التي تفاقمت بسبب ثقة الشعب في الدولار بدلا من الليرة التركية.

وبالفعل، هذا البرنامج يطمح إلى نجاح باهر على الورق بالمستوى النظري، ولكن ما يزيد اللغز غموضا هو السؤال الذي يطرح نفسه: كيف ستحصل تركيا على الموارد اللازمة في ظل الوضع الحالي الذي تعاني فيه من انخفاض مستوى الادخار وتجابه صعوبة بالغة في إيجاد مصادر خارجية إضافية؟

وقد أصبح من العادة في تركيا التي تعاني من عجز في الرأسمال، أنها -حتى اليوم- حققت النمو من خلال التمويل من مصادر أجنبية. وبالفعل عندما دخلت مرحلة تقلصت فيها اقتصادها في العام الماضي، أخذت تعاني من الاضطرابات الاقتصادية التي أدت إلى انخفاض في تدفقات رأس المال الأجنبي. وكان من نتائج ذلك أنه بينما كانت الحكومة تتوقع تحقيق نمو بنسبة زيادة 2.3 في المائة، أشارت الأرقام إلى انكماش بنسبة 2 في المائة في النصف الأول من العام.

وتبعًا لذلك، بلغ معدل البطالة المعدلة 14 في المئة وأظهرت الميزانية العامة أسوأ أداء في هذا العام مقارنةً بالسنوات العشر الماضية. ولا يوجد سبب منطقي لوصول تركيا في الفترة المقبلة إلى معدل يخوِّل لها تحقيق التنمية الاقتصادية بشكل مستدام من دون الاستعانة بموارد خارجية، حيث إنه من الصعوبة بمكان أن تحقق تركيا مثل هذه التنمية الاقتصادية من خلال مواردها الخاصة.

ووفقًا للبرنامج الذي أعلنه البيرق هذا العام، فإن اقتصاد البلاد سوف ينمو بنسبة 0.5 في المائة، أي أقل بكثير من المستوى الذي أعلنه في بداية العام وهو 2.3 في المئة. ومع ذلك فإنه يَطمح إلى تحقيق فائض في الدخل القومي بنسبة 0.1 في المئة.

ومن الغريب أن هذا البرنامج يتوقع تحقيق 5 في المائة في عام 2020، في ظل 1.2 في المئة من العجز، أي بمعدل 9.6 مليار دولار في الدخل القومي.

وهذا نمط لا يقبله العقل السليم في إطار التفكير الرياضي؛ حيث إن الاقتصاد التركي عندما حقق نموا بنسبة 2.8 في المائة في عام 2018 كان العجز في الحساب الجاري يبلغ 27 مليار دولار. والكل يعلم جيدا أن تركيا لن تستطيع إنتاج مصادر العملة الصعبة الضرورية التي تحتاجها بالاعتماد على نفسها فقط.

وهناك شبهة أخرى حول البرنامج بخصوص مستوى أسعار الصرف. حيث يتوقع البرنامج أن يصل معدل التضخم في عام 2020 إلى 8.7 في المائة (معامل انكماش الناتج القومي الإجمالي)، بينما من المتوقع أن يتحقق سعر صرف الدولار بحوالي 6 ليرة تركية، وهذا مؤشر على أن سعر الليرة التركية ستستمر في الارتفاع.

وعلى الرغم من هذا الارتفاع في العملة المحلية، يتوقع البرنامج أن ترتفع إيرادات الصادرات بنسبة 5 في المائة وإيرادات السياحة بنسبة 18 في المائة. والحال أن ضعف القدرة التنافسية الناجمة عن زيادة سعر صرف الليرة في الوقت الراهن قد تسببت في تراجع نسبة زيادة الصادرات في شهر سبتمبر إلى نسبة صفر في المائة.

وهناك علامة استفهام أخرى حول البرنامج بخصوص بيانات الميزانية. حيث إنه وفقًا للبرنامج، من المتوقع أن ترتفع إيرادات الضرائب بنسبة 17.5 في المئة في العام المقبل. ففي بلد لا يتم تحديد معدل نموه على أساس متين يعني هذا أن الزيادة في الإنفاق الحكومي ستجلب ضرائب إضافية على دافعي الضرائب. ومن المعلوم أن زيادة الضرائب ستؤثر سلبا على النمو جراء انخفاض القوة الشرائية لدى المستهلكين.

فعلى سبيل المثال، عندما تسارعت زيادات الأسعار في القطاع العام، انخفضت نفقات استهلاك الأُسر بنسبة 7.7 في المائة و4.8 في المائة و1.1 في المئة، على التوالي، في الأرباع الثلاثة الأخيرة، وتَسبَّب هذا الانخفاض في تقلص الإيرادات الضريبية بالقيمة الحقيقية.

ولذلك نقول: إن هناك تناقضا واضحا بين تحقيق تركيا نموا يصل إلى 5 في المئة، في ظل رفع نسبة الضرائب وزيادة العائدات الضريبية.

من ناحية أخرى، أطلقت الحكومة في عام 2018 و2019 حملة لإنشاء موارد اقتصادية إضافية من خلال قانون المصالحة الضريبية، والمصالحة السكنية، ورسوم تعويض الخدمة العسكرية، واستخدام موارد البنك المركزي، وبالفعل حققت دخلا يقدر بـ(136.5) و(200) مليار ليرة تركية لمرة واحدة... وتهدف الحكومة التركية إلى تحقيق دخل يقدر بـ (172) مليار ليرة تركية في سنة 2020 بهذه الطريقة. ولكن هل يمكن للحكومة التركية أن تحقق دخلا إضافيا على هذا المستوى لتصل إلى هذا الهدف؟

فهذا هو اللغز الذي لا يزال ينتظر الجواب.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/yep/damat-harikalar-diyarinda