إيسار كاراكاش
سبتمبر 06 2019

صهر أردوغان يعمق الخلل الخفي في الاقتصاد التركي

يقول صندوق النقد الدولي إن لدى تركيا خامس أكبر اقتصاد في أوروبا، بعد ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث يصل الناتج المحلي الإجمالي للبلاد إلى 2.3 تريليون دولار من حيث تعادل القدرة الشرائية. لكن هذه الأرقام مضللة – فالناتج المحلي الإجمالي للفرد صغير جدا، وهو يمثل تقييماً أفضل لثروة الشعب.

وذكرت وزارة الخزانة والمالية التركية، التي يديرها بيرات البيرق، صهر الرئيس رجب طيب أردوغان، في عرض تقديمي الأسبوع الماضي أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد في تركيا بلغ تسعة آلاف و632 دولاراً، وهو ما يقل قليلاً عمّا كان عليه في عام 2007، ويقل أيضاً عمّا هو عليه في دول أوروبية أخرى، باستثناء دول البلقان.

وقالت الوزارة إن نسبة من عُمرهم دون 14 سنة بين سكان تركيا، البالغ تعدادهم 82 مليون نسمة، أعلى من مثيلاتها في أوروبا، وأن نسبة من هم فوق سن الستين هي الأقل.

ويتحدث سياسيون أتراك كثيراً عن ميزة المجتمع الشاب، في الوقت الذي تُعاني فيه دولٌ أخرى في أوروبا من قضايا شيخوخة المجتمع. لكن هذه الميزة تُصبح من المساوئ عندما يكون النظام التعليمي متدنياً، كما هو الحال في تركيا وفقاً لما تُظهره دراسات كثيرة.

وتُشير التقديرات أيضاً إلى أن أي ميزات قد تتمتع بها تركيا بفضل كونها مجتمعاً شاباً، من غير المرجح أن تدوم، حيث إن من المتوقع أن يصبح التوزيع السكاني مشابهاً للتوزيع السكاني في دول أخرى في أوروبا بحلول عام 2050.

وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل أردوغان يحث الأتراك من آن لآخر على إنجاب المزيد من الأطفال. لكن التركيبة السكانية عادة ما تتجاهل نداءات السياسيين.

وبلغ معدّل البطالة 12.8 في المئة خلال شهر مايو الماضي، وهو أعلى مستوى منذ أن وصل حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة في عام 2002، باستثناء زيادة حادة حدثت خلال الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008. ويبلغ معدل البطالة في القطاعات غير الزراعية 15 في المئة، وهو رقم أكثر مصداقية.

وانخفض حجم المشاركة في القوة العاملة قليلاً إلى 52.9 في المئة خلال مايو 2019، مقارنة مع 53.2 في المئة خلال الشهر ذاته من العام الماضي. ونصف السكان تقريباً خارج سوق العمل حالياً.

القضية الثانية الكبرى هي أن ما يقرب من 23 في المئة من هؤلاء هم في القطاع غير الزراعي، بينما 88 في المئة منهم يعملون في القطاع الزراعي في وظائف غير مسجلة. وفي المجمل، فإن 33 في المئة من العمال في تركيا يعلمون في الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما يُصعّب على الحكومة مهمة تحقيق أهدافها المالية. وبينما تعهد وزراء مراراً وتكراراً بمعالجة مشكلة القطاع غير الرسمي، فإن هذه المهمة ليست بالمهمة البسيطة، خاصة في ظل وجود الكثير جداً من المهاجرين.

في الوقت ذاته، ينحرف التضخم التركي كثيراً عن المعدل المتوسط في الاقتصادات النامية والناشئة. ولدى تركيا الآن سادس أعلى معدل تضخم في العالم، وهو الترتيب ذاته الذي كانت تحتله في عام 1999. وخلال أزمتها الاقتصادية عام 2001، كان لدى تركيا ثالث أعلى معدل تضخم في العالم. لكن هذا الترتيب انخفض إلى الرابع والستين في عام 2007، بعد أن نفّذ حزب العدالة والتنمية برنامج إعادة هيكلة بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.

وتعطينا بيانات التجارة الخارجية أيضاً صورة أوضح عن المشهد في تركيا؛ فقد انكمش حجم واردات تركيا من الآلات والمعدات، وعاد إلى المستويات التي كان عليها في عام 2008، وهو ما يشير إلى مشاكل في قطاع الصناعات التحويلية. وبينما يُشير وزراء إلى فائض تجاري، فإن هذا الفائض هو نتيجة لانخفاضات في حجم واردات الطاقة والسلع الوسيطة، بسبب انخفاض قيمة الليرة، وليس بسبب زيادة الصادرات.

وانخفاض حجم الاستثمار الأجنبي المباشر أحد مصادر القلق الأخرى. فقد بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر مستوى ذروة عند 22 مليار دولار في عام 2007، لكنه هبط إلى 13 مليار دولار العام الماضي. وجزء كبير من هذا الاستثمار يأتي حالياً من الشرق الأوسط وروسيا ودول أخرى غير غربية، على نقيض العِقد السابق.

وبيانات المالية العامة مقلقة أيضاً. فبينما بُنيت النجاحات الاقتصادية التي حققها حزب العدالة والتنمية في السابق على الانضباط المالي، نجد أن ميزانية عام 2019 قد رصدت ما قيمته 178 مليار دولار لإجمالي حجم الإنفاق العام، بينما تتوقع إيرادات بقيمة 163 مليار دولار. ومعنى هذا أن الخزانة من المتوقع أن تقترض نحو 15 مليار دولار هذا العام. وتكمن المشكلة في أنها اقترضت بالفعل هذا المبلغ بحلول يونيو الماضي.

وهناك خطر آخر محدق يتمثل في إجمالي حجم الدين الخارجي المستحق. ففي عام 2002، عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، كان إجمالي حجم الدين الخارجي المستحق 130 مليار دولار. وقد وصل هذا الرقم خلال العام الجاري إلى 453 مليار دولار هذا العام، بما في ذلك 119 مليار دولار ديون مستحقة الدفع في الأجل القصير. وهناك ديون خارجية بنحو 334 مليار دولار مستحقة على القطاع الخاص، ويصل حجم القروض القصيرة الأجل من الديون المستحقة على القطاع الخاص إلى 90 مليار دولار. في الوقت ذاته، فإن إجمالي حجم ديون القطاع العام القصيرة الأجل 24 مليار دولار.

وهناك سؤال مُلحّ تطرحه وكالات التصنيف الائتماني الدولية منذ فترة كبيرة، وهو كيف ستسدد تركيا ديونها الخارجية المتراكمة. وما يفاقم المشكلة هو معدل البطالة الآخذ في الارتفاع.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/economic-crisis/many-hidden-cracks-turkeys-economy
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.